نشر : December 4 ,2018 | Time : 08:22 | ID 134000 |

حقيقة موقف المرجعية في النجف الأشرف من الأحداث من الثمانينيات وحتى اليوم (٢)

شفقنا العراق- بعد أن استعرضنا التجارب المفصلية التي تعاملت فيها المرجعية الدينية في النجف الاشرف مع الواقع السياسي الإقليمي والعالمي نأتي إلى استعراض الفوائد المترتبة على هذه التجارب قبل الدخول إلى مواقف المرجعية في المرحلة المراد درسها.

١- أما خبرة التعامل مع الحكومات الاستبدادية فعمرها يفوق عمر المرجعية بل يمتد إلى الصدر الأول للإسلام.

وقد ترك أئمة أهل البيت عليهم السلام فيه تراثاً غنياً من العمل المنظم.

فهم منذ تكفل سيد الشهداء عليه السلام بإسقاط لثام الشرعية عن الحكومة الأموية ووضع بيانات تسرّي هذا الإسقاط إلى سواها، فأصبح الأئمة التالين في متسع يغنيهم عن الصدام المباشر مع الحكومات، فهم ، وإن سكتوا عن وجودها ،إلا أن شبهها بالواقع الأموي يجعلها مشمولة بالبيان الحسيني ، وبالتالي فإن موقف الأئمة من شرعيتها كان معروفاً للجماهير، بل حتى للسلطة، وهذا ما كان يدفع السلطة لاضطهادهم ، ذلك أن صمتهم كان أخطر من تحرك الثائرين، فالتحرك كان يعطي السلطة مجالاً للقضاء عليه وإنهاء وجود تيار المعارضة القائم به،وأما حراك الأئمة فهو معارضة صامتة تأكل من جسم السلطة دون أن تكون مكشوفة الحجم أو واضحة المعالم ودون أن تترك مبرراً للسلطة لتقضي عليها قضاءً مبرماً.

من هنا كان الاغتيال السياسي للأئمة يتم سراً وبالسم، لخوف السلطة من أن يترتب على التصفية العلنية نقل المعارضة إلى حيز المواجهة العلنية، وهي بعد لا تدرك حجمها الحقيقي.

وهنا تكمن قوة الصمت، فهو يترك الخصم يتوهم حجماً لقوتك وغالباً يكون أكبر من حجمها الحقيقي ،فيحسب لها ألف حساب.

كما أنه يبعدك عن مفصل تمحيص هذه القوة، فكثير من الأتباع قد يخذلون عند المواجهة ، ولا يمكن الوقوف على ذلك إلا مع حصولها، ومن هنا فإنه عند المواجهة يكون المعارض قد أظهر حجمه الحقيقي للسلطة، بل قد غربل امتداداته.

وستظهر فائدة هذه النقطة في كثير من المواضع خلال الحلقات ،نذكر منها هنا موضعاً واحداً:

فالسلطة الأموية كانت تتوجس من حجم زيد الشهيد وتحسب له ألف حساب أيام معارضته السلمية ، ومن هنا كان يذهب إلى الشام ويعود ولا يجرؤ أحد على التعرض له رغم احتجاجه الجريء.

فلما ذهب إلى المواجهة انحصر حجمه بآلاف بايعوه فواجهته السلطة بأضعافهم.

فلما تمت المواجهة انحصر حجمه بمائتين فنكلت به السلطة.

بينما لم يسع السلطة تقدير الحجم الجماهيري لابن أخيه الإمام الصادق عليه السلام.

ولا يقاس ذلك على الإمام الحسين عليه السلام لما ذكرناه من أولوية نزع الشرعية عن السلطة.

أما نوع الأنشطة التي كانت ترتكز عليها معارضتهم الصامتة فعدة أنشطة:

أ-تحويل المعارضة إلى منظومة خلوية لا يعرف لها شكل تنظيمي حتى يتم استهدافه بل لا يدرك الناظر من الخارج انتماءها إلى إمامها.

وهذا كان يتم عن طريق نظام التقية الذي يخفي الروابط بين القاعدة والقيادة ويلغي التشابه بين خلايا القاعدة.

وهذا ما كان يحرص عليه الأئمة عن طريق إدانة بعض قادة الخلايا لرفع شبهة تبعيته لهم ، كما في أحاديث لعن الإمام الصادق عليه السلام لزرارة بن أعين.

وفي دب الخلاف الظاهري بينهم في بعض الشعائر كما حصل عندما أعطى الإمام الصادق عليه السلام حكمين متغايرين في مسألة واحدة لزرارة وأبي بصير فاختلف أتباع كلٍّ منهما، وعلّل الإمام ذلك بخوفه عليهم أن يكتشفوا ارتباطهم فيأتوا عليهم بضربة واحدة.

وبهذه الطريقة إذا انكشفت خلية من الخلايا وأرادت السلطة ضربها فإن ذلك لا يؤثر على الأخرى نهائياً، وبالتالي فإن المسيرة تستمر.

فضلاً عن إظهار التبعية للسلطة في بعض الأحكام الظاهرية ما يحوّل شعور السلطة بمعارضتهم من حس إلى حدس لا دليل ملموس عليه.

كما نراه جلياً في الحادثة التي أعلن فيها المنصور العباسي عيد الفطر ودعا الإمام الصادق للطعام فأجابه الإمام وأفطر مع أن العيد لم يكن قد حان يومه بعد.

ب-الاهتمام بالجانب الثقافي والتوعية العقائدية والسلوكية للجماهير ما يضمن تميّزاً نوعياً لأبناء هذه المعارضة يجعلهم فئة مميزة في المجتمع، ثم يربط العامة بهم وبخطهم نتيجة ترويجهم لهذه الثقافة.

وهذا الترويج يتم بطريقين:

أولاً: نشر المعارف والتعاليم في شتى المجالات: وهو ما عبروا عنه بإحياء الأمر( تتعلمون محاسن كلامنا وتعلموها الناس فإن الناس إذا سمعوا كلامنا أحبونا).

ثانياً: جانب القدوة العملية الناتج عن تطبيق المعارف سلوكياً:

(كونوا لنا دعاةً صامتين)

(كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم)

(حتى يقول الناس رحم الله جعفر بن محمد أدب شيعته فأحسن تأديبهم)

(لا أحب أن أحدكم في بلد فيه ألف وفيهم أورع منه)

إضافة إلى أن هذا الجانب يصب في خانة إصلاح الفرد كوحدة توصل إلى إصلاح الجماعة، ذلك أن هذا هو السبيل الموصل للإصلاح الحقيقي، فالإصلاح القائم على تغيير النظام واستبداله بنظام صالح سوف يغير القانون العام، لكنه لن يضمن العدالة، لأن جهاز الحكم يتطلب عدداً كبيراً من الناس، ومع عدم الإصلاح الفردي فإن هؤلاء ستتحكم بهم الأهواء والمصالح وستحصل مظالم كثيرة تحت مظلة الحكومة العادلة.

وهذا إن كان مغتفراً في حكومة عدالة بشرية فهو غير مغتفر في حكومة عدالة إلهية.

وهذا ما يفسر إعراض الأئمة عن الاستجابة لمطالبة الجماهير لهم بالنهوض وتذرعهم بعدم توفر أعداد بسيطة من البشر.

فهي كانت إشارة إلى عدم توفر الجهاز الكامل لإدارة حكومة العدل الإلهي.

ج- إيجاد نظام تكافل إجتماعي قوي يؤمن لهذه القاعدة العريضة حاجاتها ورعايتها وخدماتها بمعزل عن الحكومة، وهو صورة قوية ومتقدمة لنظام الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، فالخمس يجبى من الآفاق ويوزع في الآفاق وكذا الكفارات والزكاة وغيرها. فحتى لو فكرت الحكومة بحصارهم وحرمانهم من حقوقهم المدنية فهم في غنى عنها.

د-اختراق النظام الحاكم بأفراد يتبوّؤون مراكز هامة تؤثر على قرار الدولة فيتمكنون من جلب المصالح ودفع المفاسد دون إلفات النظر إليهم كمنصب الوزارة لعلي بن يقطين وتأديب ولي العهد لابن السكيت وغيرها كالقضاء والكتابة وولاية الأهواز.

فكان الإمام وهو داخل السجن أو الإقامة الجبرية يتحكم بمرافق هامة في الدولة.

يتبع..

مرتضى شرف الدين

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————-

www.iraq.shafaqna.com/ انتها

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here