نشر : December 1 ,2018 | Time : 10:10 | ID 133827 |

من وحي القصاصات المتناثرة

شفقنا العراق-إن طالما بقينا ندور في فلك الحواشي والهامشيات وتلميع السلوكيات وتقديس الأفراد وشخصنة الغايات ومصادرة النتاجات واستلاب المميّزات دون التشبّث بأصل المبادئ ومتن الأخلاق ودون السعي الحقيقي الجادّ نحو إرساء وترسيخ البُنى الفكرية المبتكرة المعطاء.. فلن تقوم لنا قائمةٌ هيهات.

مَن قال: إنّ الإشكال في إحياء الشعائر وأداء الطقوس وتكريم العظماء والاعتزاز بالهوية والجذور والتراث الثقافيّ المبرور ؛ بشرط لحاظ المفاهيم الأخلاقية الحميدة والمبادىء الإنسانية العظيمة؟!

إنّما الإشكال أن تستسلم أُمّةٌ وتقبل الذلّ والتخلّف والهوان، وتقنع أن يكون نصيبها من الحياة هو التغنّي بالماضي التليد، فتغدو أُمّةً معطّلةَ الفكر والتجديد، خصوصاً حين تختار التقليد الأعمى والتبعية المطلقة سبيلاً للاستمرار، بدل الولوج في فضاء المعارف والإبداع وصناعة الأفكار.

من المؤلم حقّاً أن تُعطي الثروةُ زخماً أكثر لمفهوم التكاسل والتقاعس بدلَ أن تكون أداةً للنهوض والازدهار، فيغدو الاتّكال على الآخر في ردم النقص وتلبية الحاجة منفذاً للهروب من مؤنة الحراك الفكري والمعترك المعرفي.. ناهيك عن الفقر الشامل الذي يُزيد فقيرنا النوعيّ بؤساً وإدقاعاً وربما ضلالاً وكفراً وتمرّدا.

لقد نجح الآخر في تدجيننا على لذّة الادّعاءات الفارغة والمهاترات التافهة والمكابرات السخيفة، وباعد بيننا وبين العمل بالمنهج العلمي الصحيح وكأنّنا لسنا أهله ولاجدارة بنا في ولوج معاقله، فازددنا غطساً وركوساً في قيعان التخلّف المعتمة دون أن نجدّ ونجتهد في تشخيص و ضبط منافذ الخروج من دهاليز الجهل المخيفة ولو بأقلّ الجدّ والاجتهاد قياساً إلى تجنيد الجوانح والجوارح في مثل مسألة رؤية هلال شهر رمضان وذي الحجّة، التي إن نالت تفهّماً نسبياً فلأجل ما فيها من التعقيد والاختلاف والابتلاء الباعث على الحراك الاجتهاديٍّ المعهود رغم الملاحظات المطروحة عليه من هنا وهناك.

ولكن ماظنّنا بمسائل عديدة وفروع كثيرة أنهى العامل الزمكاني مجال الخوض فيها وحسم موضوعها بلا رجعة، مع ذلك لازال الإصرار على إبقائها – تدريساً وبحثاً – قويّاً قائماً، ممّا أدخلها في خانة إضاعة الوقت وصرف الجهد في المرجوح على حساب الراجح؟ ولاسيّما أنّ مناطق الفراغ – وما أكثرها – لازالت تزداد عمقاً وتوسّعاً عندنا.. إلى ذلك: فإنّنا نعايش ظرف ألَق العقلانية وتسنّمها الريادة المعرفية بلارقيبٍ ومنافس، فحراكها الفكريّ النابض يدعونا إلى تبادل المنافع بلاإضرارٍ بالأُصول والثوابت.

من هنا تتأتّى الحاجة والضرورة إلى العمل بأدوات المنهج العلمي السليم من المراجعة وتكرار القراءة والبحث والبعثرة والمسح والاستقراء والمقارنة وتسجيل الملاحظة والتحليل، حتى نصل إلى الاستنتاج المُغَيِّر.. هذا إن رمنا الخلاص من واقع الجهل والتخلّف إلى حيث عطاءات العلم والتطّور

إلى ذلك: فقد أُشغِلنا بصراع المذهبيات والإثنيات والعرقيات والعشائريات…وصار من أقدس المقدّسات، فلم يعد لدينا الوقت الكافي للتأمّل والتدبّر والتفكير بالابتكار والإبداع والتغيير

ثم إلى ذلك: قد سُيِّرنا وسرنا حتى تخوم الرضوخ لمبنى: أنّ التخلّف فينا ذاتيٌّ مستندٌ إلى أساسٍ تاريخيٍّ جغرافي، فيه للماء والهواء دخلٌ أساسي.. فلا داعي إذن لإجهاد أنفسنا في مجازفاتٍ لا حاصل منها لنا أبداً!! فاستمرّ الآخر بالاستعلاء وسار بنا الاستدناء إلى حافّات الحضيض وكأنّهما بُنية تكوينية لا تقبل الانفكاك أو التغيير.

وقد ترتّبت على هذه الإيهامات والإيحاءات جملة نتائج مؤلمة، منها:

سيرورة الحياة فينا بتكرارٍ مُمِلٍّ قاتل، بحركاتٍ ثابتةٍ متماثلةٍ رتيبة بعيدة كلّ البعد عن مسير النموّ والتكامل.

منها: تضاعف تقديس الأفراد لا القيم والمبادىء والأفكار، فهيمنت الرغبات الذاتية والمقاصد الشخصية، حتى صيّرت منّا أُمّةً ذليلةً مهانةً تلهث خلف فِتات موائد الذين تنمّروا علينا بفضل ما لنا من الحقّ عليهم!! فأرسوا لحماية منظومة الاستبداد ثقافةً مزدوجةً تقوم على تلقين الأتباع دروساً في التملّق والتلوّن والتصنّم والاستعباد، فتكون للأسياد سبيلاً لصون الجاه وديمومة الاستبداد، ثم هي للذيول الصغار نفقٌ لنيل المراد.

منها: إنّ منابع المال العامّ عندنا آلت إلى مصدر قوّة فردية، فكرّست نزعة الديكتاتورية واستجابت لشهوة الذات المتغطرسة ورغباتها الفاسدة.

والأشدّ إيلاماً أن يُحسَب كلّ ذلك على منظومة الدين والأخلاق بتبريرات وتقديسات ما أنزل الله بها من سلطان.

ونحن على هذا الحال -بالرغم من الأمل والطموح اللذين لايغادران الفكر والجنان – كيف بنا أن نُرسي للمنهج العلمي السليم ذلك الفضاء المناسب المحلّق حيث رحاب المعارف وصناعة الأفكار الممضاة بعقلٍ جمعيٍّ مسؤول ومَيْدَنةٍ فاعلةٍ لاتقبل التراجع والنكوص؟!

فما دامت الگعدات الفكرية المعرفية الشجاعة الحازمة الشفّافة منتفيةً أو محدودةً ومادامت مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية المستقلّة الفاعلة مفقودةً أو مهملةً فستظلّ الحاشيةُ حاكمةً على المتن وسيبقى الأصل تحت عباءة الفرع في المغيب ولاكاشفَ لغطاء الجهل يلوح في الأُفق من قريبٍ أو بعيد.

كريم الأنصاري

www.iraq.shafaqna.com/ انتها