نشر : November 22 ,2018 | Time : 13:41 | ID 133153 |

عبد المهدي والدولة العميقة

شفقنا العراق-تبادلت وسائل العراقية مؤخرا مصطلح ما يسمى ( بالدولة العميقة ) وقد انتشر هذا المصطلح تداولا في مواقع التواصل الاجتماعي ولدى عامة الناس , ولا يخفى على الكثير من المتابعين والمحللين في مجال السياسة أن مصطلح الدولة العميقة ليس حديث التداول , بل انه بمرادفاته الكثيرة , يعود إلى سبعينات القرن الماضي , ويرى آخرون أن مصطلح الدولة العميقة هو بالأصل مصطلح تركي , ظهر قبل حقبة السبعينات بالتزامن مع تشكيل الجمعيات السرية بالدولة العثمانية خلال (1789 – 1807م) , و تم استعماله في أدبيات السياسية التركية , ومن أهم مظاهر ومعطيات الدولة العميقة هي قدرتها بالتأثير على القادة المنتخبين .

ومن هذه المقدمة السريعة نرى أن العراق من الدول التي تأثرت في بناءها الحديث , خاصة في فترة ما بعد السقوط , في تطبيق مصطلح ( الدولة العميقة ), بجميع مرادفاته المعروفة في الإرث السياسي العالمي , مثل ( دولة داخل دولة ) و( حكومة الظل ) و ( والحكومة الخفية ) وما إلى ذلك من تعابير سياسية معروفة , حيث تم إعادة إنتاج هذا المصطلح وفق متغيرات الظروف السياسية والجغرافية لادراة دولة واحدة من الداخل , أو مجموعة دول تهيمن عليها قوة واحدة من وراء الكواليس .

ونرى أن ( الدولة العميقة ) في العراق , قد نشطت اليوم بصورة أوسع , خاصة بعد تسلم الدكتور عادل عبد المهدي مهام رئاسة الوزراء , والبدء بتشكيل حكومته , وتطبيق برنامجه الحكومي , الذي شكك الكثيرون في قدرة عبد المهدي على تطبيقه , وفق الضغوطات السياسية الكبيرة التي يواجهها , ورغم الفقرات المهمة التي تضمنها برنامجه الحكومي , والتي نلخصها في , استكمال بناء أسس الدولة ، وسيادة النظام والقانون وتعزيز الأمن الداخلي والخارجي، واستثمار الطاقة والموارد المائية، وإعادة بناء قطاع الكهرباء , وبناء الاقتصاد ، والخدمات والتنمية البشرية والمجتمعية، بالإضافة الأولية إلى تفاصيل برامج الوزارات . , إلا أن عامل التشكيك مازال قائما من القريب والبعيد .

كما نرى أن السيد عادل عبد المهدي , قد بدا بالفعل بتطبيق ملفاته المهمة في برنامجه الحكومي , وهو يسير على طريق استكمال كابينته الوزارية , إذ انه بدا بالحراك الميداني ولقاءه المباشر مع المواطنين للوقوف على أهم المعرقلات التي يواجهونها في حياتهم اليومية , والسيطرة على الاحتقان العشائري في مدن الجنوب , كما واجه الحراك السياسي الواسع , للتقارب مع الكتل السياسية التي كان الكثير من رؤوسها يعتقدون إن عبد المهدي , سيعمل وفق إرادتهم , ولعل هذا الأمر من اخطر التحديات أمامه , فقام البعض في تحريك ذباب جيوشه الالكترونية والفضائية , لتفتيت مساعيه وإحباط مشروعه في بناء دولة حقيقية , بعيدا عن الدولة العميقة التي أسس لها من سبقوه .

الحراك الدولي الذي بدأه السيد عبد المهدي , يندرج ضمن أولوياته في مجال تثبيت سياسة خارجية كانت مترهلة , حيث تمكن من إزالة الاحتقان الخارجي في العلاقات بين العراق ومحيطه العربي من دول الجوار , خاصة ملف العقوبات الأمريكية ضد طهران , ودور العراق في مواجهة احتمالية التراجع الاقتصادي الذي يمكن أن يتأثر جراءها , مع إمكانية تقريب النظر بين طهران والولايات المتحدة الأمريكية , وإمكانية تحقيق استثناء للعراق من تلك العقوبات , أو إيجاد بدائل أخرى للطاقة من دول الجوار .

الدولة العميقة في العراق مازلت قائمة , وهي تعمل من خلال شرايينها في الوزارات والبرلمان وجميع الدوائر التابعة لها , للتأثير على قرارات الرجال المنتخبين لإدارة الدولة , والسيد عبد المهدي بحاجة إلى قرارات سريعة لإيقاف نشاط المتخفين وراء الكواليس , رغم انه حقق نجاحا كبيرا في تشكيل حكومة بعيدا نسبيا عن المحاصصة و النمطية المعتادة , لكنه تمكن أيضا من حسم ملفات مهمة , كان قد اعتمدها من سبقوه في مجال المناصب السياسية ونواب رئاسة الجمهورية ورئيس الوزراء .

وفي الحقيقة أن المواجهة المباشرة مع قيادات الكتل والكيانات السياسية ليست سهلة , بل إنها ستكون اقرب إلى معركة المصالح , التي يسعى عبد المهدي لحرمانهم منها , والتي أسس لها هؤلاء القادة منذ السقوط والى الآن , وهو ما نسميه بالإدارة الخفية , التي منحتهم قوة غير مشروعة في الحصول على مكاسب شخصية بعيدا عن مصلحة البلاد .

ولا نريد العجلة في الحكم على أداء السيد عادل عبد المهدي , ومدى نجاحه أو فشله , حيث انه بحاجة إلى الوقت الذي مازال مبكرا لتقييم جهوده على مستوى ملفات كبيرة , رغم وجود بعض المؤشرات التي تثير الضجة الإعلامية ضده من توقعات عدم النجاح , وهي بطبيعة الحال , موجة يركبها الجميع بشكل مقصود أو غير مقصود منهم , وبتوجيه لا إرادي , لتسقيط كل من يمكن له أن يحقق نجاحا في البلاد , علينا أن نراقب الرجل بهدوء , وننتظر استكمال ما تبقى من كابينته الوزارية , التي سبقها رغبة مدفونة لدى البعض في الفشل بهذه المهمة .

فؤاد الطيب

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها