نشر : October 17 ,2018 | Time : 13:08 | ID 130383 |

تأملات تربوية في تراث الإمام الحسن المجتبى

شفقنا العراق-روي عنه “عليه السلام”: ((مَنْ أَدامَ الاختلافَ إلى المسجدِ أصابَ إحدى ثمانٍ: آيةً مُحْكَمَةً، وأخاً مُسْتَفاداً، وعِلْمَاً مُسْتطرفاً، ورَحْمَةً مُنْتظرَةً، وكلمةً تَدُلُّهُ على الهُدى، أو تَرُدُّهُ عَنْ رَدَى، وتركَ الذنوبِ حياءً، أو خشيةً)). المصدر: تحف العقول / الحسن بن شعبة الحراني))

في هذا الحديث الشريف للإمام الحسن المجتبى تأملات متعددة يمكن قراءتها بتأمل وتدبر وهي إجمالاً كما يأتي:

– أولاً: إنَّ الحديث واضح الدلالة في حث المسلمين على الذهاب إلى المساجد باستمرار وعدم ترك ذلك، فالمسجد موضوع مهم جدًّا في الإسلام، وإتيانه هو نوع من أنواع تعميره، فليس التعمير يراد به هو البناء القائم على الطابوق، وإنما قائم على وجود المصلين فيه وأداء المسجد والمصلين دورهما في المجتمع، لذلك فتعميره قد اختص به فئة كريمة من الناس وهم المؤمنون بالله تعالى، والمصدِّقون بوعوده، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)) [التوبة/18] فالآية الشريفة تؤكد صفات متعددة للذين يعمرون المساجد بإتيانه، وأما عدم إتيان المسجد من غير عذر فهو من الأعمال المذمومة في الشريعة، بل لعله يُعَدُّ هاجرًا لبيت الله فيشكوه يوم القيامة عند الله تعالى.

– ثانيًا: إنَّ الإمام يبيِّن مسألة مهمة تتعلق بالمساجد وهي (المداومة) أي كثرة التردد على المسجد حتى يُعَدُّ المصلي ممن يُطلقُ عليه من المداومين فيه على الصلاة وغيرها، وقد وردت روايات متعددة تؤكِّد الثواب العظيم لذلك، وهذه المداومة لها آثار ثمانية كما وردت في هذا الحديث لو أدَّت المساجد ما ينبغي عليها في الشريعة المقدسة من دور كبير، وليس فقط هو فتح أبوابها والصلاة فيها فرادى أو جماعة فقط من غير الاعتناء بما ينبغي أداؤه من إرشاد وتعليم للناس، من قبل العلماء العارفين بموارد النصح والإرشاد، وأسلوبه القائم على الحكمة والموعظة الحسنى، ونحن -بصراحة- نفتقر إلى هذين الأمرين (المداوة، أداء المسجد دوره) أشد الافتقار في أحدهما دون الآخر، وحديث الإمام الحسن (عليه السلام) يدعو إلى التفكُّر والتأمُّل في ذلك، وتصحيح المسار فيهما، وفي ذلك ثوابًا عظيمًا، فالمسجد ليس مكان صلاة فقط قد تم عزله في أرض محددة، بل هو مكان ينطلق الإنسان منه وفيه لتربية نفسه وتطهيرها، وتوثيق علاقتها بخالقها، واستمداد عطاءها لإصلاح المجتمع، وكلنا يعلم أنَّ الإسلام قد انطلق من المسجد، وحقق انتصاراته المعنوية والمادية، ويجب أنْ تكون مساجدنا كذلك، فضلاً عن المؤمنين، وحديثنا عن المسجد هو ينطبق على المراقد المقدسة وأثرها في المجتمع، وخصوصًا أنَّ الأرضية فيها معدَّةٌ تمامًا، ولكن يبقى الدور الكبير على القائمين عليها، ومعرفتهم برسالتهم، ورسالة المرقد، وبالغذاء الصالح للزائرين، فهي البيوت التي أذن الله أنْ ترفع، فهذا الإذن التكويني بحاجة إلى مَنْ يوفَّق ليكون محلاً له.

– ثالثًا: إنَّ هذه الآثار الثمانية التي تترتب على تلك المداومة المقترنة -بطبيعة الحال- بالنية الخالصة لله تعالى -إجمالاً- هي:

1- آية محكمة: وهو أنْ يتعلم مسألة أم أمرًا واضح الدلالة والمراد، لا لبسَ فيه، ولا شك، ولا شبهة، ولا تشابه، بل هو محكم واضح يهديه في صراطه نحو الاتباع، أو العدم، من غير الخوض والتلبس بالشبهات والظنون والشكوك، فالمفروض أنْ يقوم المسجد بذلك من حيث رفع الشبهات التي تعتري النفوس أحيانًا، وهذا -بصراحة- يحتاج إلى إمام عالم عامل، أو متعلمين عاملين، إذًا ففي المسجد تتطهر النفوس من أمراض الشك والظن والجحود.

2- أخًا مستفادًا: يجب أنْ يتعامل المؤمنون فيما بينهم على أساس مهم جدًّا يربط فيما بينهم وهو (الإيمان) كما قال تعالى: ((إنَّما المؤمِنُونَ إِخْوَةٌ)) هذا بصورة عامة، وتتأكد هذه الرابطة في المسجد، فيكون التعامل بكُلٍّ صوره الظاهرة والباطنة على أساس الإخوة وما يترتب عليها من آثار الله مُطَّلِعٌ على حقيقة تنفيذها، وأول ذلك وأهمه وأعظمه (حب لأخيك ما تحب لنفسك) فقبل أنْ يبدر مني أي شيء تجاه الأخ أطالبُ نفسي: يا نفس أترضين بمثل ذلك لو قام أحد به تجاهك، وهكذا في جميع الأمور، فالمسجد بؤِّكِّدُ هذه العلاقة، ويصحح مسارها، ويربِّيها ضمن هذا الأجواء الروحانية في بيت الله تعالى الذي هي فيه، وتنطلق منه.

3- علمًا مُسْتطرفًا: إنَّ الذي يرتاد المجالس لا بد له أنْ يتعلم فيها شيئًا من العلوم المختلفة التي تحسُّ النفس بلطافتها وأهميتها في غذاء روحه وصلاح أمره، ففيه يتعلم أحكام دينه من حلال وحرام وأثر ذلك على عمله، وبالتالي على رزقه، ثم أثره الكبير على أسرته من زوجة وعيال في إتيان الطعام إليهم وورد في الحديث ((وُلْدُ المرءِ من رزقهِ)، ويتعلم في المسجد الأخلاق الفاضلة التي تسمو في النفس نحو كمالها ومقامها في الدنيا والآخرة، وما يقابلها من أمراض فتاكة بها، ويتعلم في المسجد أمور السياسة وما يجب عليه من معرفتها معرفة إجمالية توضِّحُ له معالم بلاده الإسلامية وما يُراد بها من سوء من قبل أعدائها وعملائهم ودسائسهم، وكُلُّ ذلك من باب (ليس بمسلم من لم يهتم بأمور السلمين) وعلوم أخرى تستطرف النفس لها بتنوعها، فالإسلام دين العلم، ودعا إلى تكريمه، وتكريم العلماء، بل وأنْ يكون تقييم الناس في المجتمع على أساسه، قال تعالى: ((قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وهذا يقوم ويتقوَّم تمامًا على مستوى علم وعمل القائمين على أمور هذه البيوت مساجد أو مراقد.

4- رَحْمَةً مُنْتظرَةً: إنَّ إتيان المساجد فيه ثواب عظيم جدًّا، فضلاً عن المداومة عليها، فالجلوس فيه فقط مع شروطه هو عبادة كما ورد في الروايات، فكيف لو كان الارتياد للصلاة والعلم والتعليم وقراءة القرآن وغير ذلك، ففي الحديث: ((ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلونَ كتابَ اللهِ ويتدارسونَهُ بينهم، إلا غشيتهُمُ الرحمةُ، وحَفَّتهُمُ الملائكةُ، وذكرهُمُ اللهُ فيمَنْ عندَهُ))، وثواب الاستماع إلى القرآن، وثواب الاستماع إلى الموعظة، وثواب تعليم الناس وإرشادهم، ونصيحتهم، وإعانتهم وغير ذلك، وهل توجد رحمة أعظم من هذه الرحمة التي تنتظر المؤمنين في المساجد والمراقد.

5- كلمةً تَدُلُّهُ على الهُدى: إنَّ الإنسان الذي يداوم على الصلاة في المساجد يقينًا سوف يسمع من الكلام المهم والمفيد في بيت الله تعالى، سواء من خلال القرآن، أو الدعاء، أو المجلسن أو الخطبة، أو دروس إمام المسجد، أو من غيرهم، ففي هذه البيوت نلتمس آثار الهداية مطلقًا من خلال قول، أو فعل؛ لأنه منطلق الرحمة والهداية، وقد اثبتت التجارب العملية والواقع ذلك تمامًا، فكثير من الناس يلمسون أثر ذلك على أنفسهم، وعلى المجتمع من خلال تصحيح هدايتهم نحو الخير والصلاح بسبب وجودهم في المسجد.

6- [كلمة] تَرُدُّهُ عَنْ رَدَى: إنَّ كُلَّ ما تقدم في الفقرة السابقة من أعمال يقابله في هذه الفقرة مما فيه نجاة الإنسان من الوقوع في المعاصي والمحرمات العبادية والمعاملاتية والأخلاقية، وليس -بصراحة- هناك مكان أعظم من المسجد في ذلك، واثره على التربية لو أدى (المؤمن والمسجد) رسالتهما التي يجب عليهما القيام بها، فكم من ردى محرم، وردى شبهة، وردى جحود، وردى حيرة، فكم من ردى هلاك فرديٍّ ونوعيٍّ كانت المساجد والمراقد هما المنقذان فيها ومنهما، فمن أين انطلق دعوة القرآن لخروج الناس من الظلمات إلى النور؟ ومن أين كانت انطلاقة الجهاد ضد الصهاينة والمستعمرين والخوارج (داعش وأمثالها) للخروج من ردى وذل تسلط الأعداء والأمثلة كثيرة جدًّا.

7- تركَ الذنوبِ حياءً: إنَّ الإنسان في المسجد في الأغلب يترك الذنوب ولا يفعلها؛ لأنَّ المقام لا يسمح بذلك بسهولة؛ فجميع الناس يعرفون بمقام هذه البيوت المشرفة وعدم صلاحيتها لارتكاب بعض الذنوب والمعاصي، ولكن هناك من الذنوب التي أمراض للنفس الإنسانية قد يمكنه الإتيان بها مثل الرياء، والعجب، والغرور، والنفاق وغيرها، ولكنه بفضل مداومته على إتيان المساجد سيوفَّق لتركها إما تدريجيًّا، أو دفعةً واحدة، وعلى كِلا الحالين فهو سيتركها، ويتخلص منها، ومن آثارها، ولكن هذا الترك ممكن أنْ يكون حياءً من الله الموجود في كُلِّ مكانٍ، أو من الله الموجود أكثر في هذا المكان على وفق رؤية قاصرة، أو حياءً من المكان ومقامه العظيم، أو حياءً من المؤمنين الوجودين في المكان، والذي يجب أنْ تكون العلاقة معهم قائمة على الصلاح، وارتكاب المعصية يخالف ذلك، فالنتيجة أنَّ الإنسان سوف يترك المعصية لأي سبب من الأسباب المتقدمة، ولا يُسجَّلُ عليه إثمها، ونتمنى أنْ يكون تركها للسبب الأول المقدس “حياء من الله” فهو أحق بالحياء، والتعظيم، وإنْ لم يكن ذلك موجودًا فليحاول الإنسان أنْ يربيَ نفسه عليه، ففيه من المقامات والمقامات العظيمة التي لا توصف بكلمات.

8- [تركَ الذنوبِ] خشية: وهذا المقام كما تقدم في ترك الذنوب حياءً، ولكن كذلك هل الخشية من الله، أو من الناس، فنتمنى أنْ تكون الخشية هي من الله وحده، من دون غيره من الغايات، والوصول تدريجيًّا إلى غاية الغايات وهو الأصل والأساس.

في الختام نقول وبكُلِّ صراحة هل أدَّى المؤمنون ما عليهم تجاه المساجد والمراقد من المداومة عليها بنية خالصة؟؟

وهل أدَّى القائمون على المساجد والمراقد مسؤوليتهم الإصلاحية للمجتمع في تهيئة هذه الآثار الثمانية وما يتعلق بها للمؤمنين؟؟

وهل رأينا تلك الآثار الثمانية واضحة في المجتمع وهو يؤدي بعض الشعائر بأعداد كبيرة جدًّا -في مناسبة واحدة فقط- تفوق أعداد حجاج بيت الله الحرام لسنوات متعددة؟؟

هي دعوة من إمامنا المظلوم، سيد شباب أهل الجنة، ريحانة حبيب الله وخاتم أنبيائه للتفكُّر والتأمُّل ومراجعة النفس ومحاسبتها ومراقبتها قبل فوات الأوان، حيث لا مندم في خسارة وضياع تلك الآثار العظيمة التي ما زال الثقلان (القرآن والسنة) يدعوان إليها، ونحن أتباعهما، ومحبيهما، والمحب لمن أحب مطيع .. اللهم وفقنا للعلم والعمل بما يرضيك بنية خالصة، واغفر لي ولإخواني المؤمنين إنك سميع الدعاء.

د . الشيخ عماد الكاظمي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها