نشر : October 17 ,2018 | Time : 10:01 | ID 130353 |

الصرخة الحسينية (٦)

شفقنا العراق-والآن لنبحث ونستطلع نخبة من المعسكر الحسيني والذين تسموا بأشرف الأسماء والالقاب باسم أنصار الحسين والذين لهم زيارة مخصوصة في زيارة وارث المأثورة والذين وصفهم الأمام أبي عبد الله بأرقى وصف حيث قال { مّا بَعْدُ، فَإنّي لا أعْلَمُ أصْحاباً أوْفَى وَلا خَيْراً مِنْ أصْحابي، وَلا أهْلَ بَيْتٍ أبَرَّ ولا أوْصَلَ مِنْ أهْلِ بَيْتِي، فَجَزاكُمْ اللهُ عَنِّي خَيْراً، ألا وَإنِّي لأظُنُّ أنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ لَنا مِنْ هَؤُلاءِ }(1) فهذا المعسكر هو معسكر نور وتضحية وإيثار والذي يمثل هذا المعسكر أهل بيته وأصحابه المنتجبين وكانوا من القوة والاندفاع للدفاع عن أمام زمانهم الأمام الحسين واهل بيته بكل قوة وبدون أي حدود فهم كما وصفهم في أدقُّ وصفٍ لهم ما نطق به قائدهم وإمامهم في جوابه لأخته زينب سلام الله عليها: { والله لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس(2)، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل إلى محالب أمّه }(3).

ولهذا كان حب الشهادة عندهم ولقاء الله وأداء فرض الجهاد هو مغروز في وجدانهم ومطبوع على قلوبهم فهم الثلة الطيبة من الأصحاب المنتجبين ولهذا  يذهب أغلب علماؤنا والكتاب والمؤرخين بل وكلهم إلى القول أن انصار أبي عبد الله هم افضل الأصحاب بل وهم افضل من صحابة نبينا الأكرم محمد (ص) وهذا من جملة أسباب تم التطرق في مقالات سابقة لنا وموجودة في كتب وبحوث الكثير من علماؤنا الافاضل والكتاب والمؤرخين. ومن هنا كان أصحاب الحسين (ع) فقد كانوا هؤلاء الثلة الخيرة على علم بمقتلهم وانه واقع لامحالة والغلبة يعتبر من الأمور المستحيلة ولهذا اخبرهم أمامهم الحسين بأنه من لحق به فهو مستشهد لامحالة وقد قال لهم عند خروجه ن مكة للذهاب والمسير بركب المنية إلى كربلاء حيث قال لهم { أما بعد؛ فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف عنّي لم يبلغ الفتح }(4).وأيضاً  { من كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله}(5).

فهم كانوا على استعداد الى التضحية والدفاع عن الأمام الحسين واهل بيته والشوق الى لقاء الله وبكل قوة وبدون أي اغراءات او تهديد بل هم كانوا مندفعين في الاستبسال وخوض غمار الحرب ضد معسكر الطغيان والباطل فقد أخبرهم الحسين (ع) بأن من لحق به استشهد، وأنّ الله أذن بقتله وقتلهم، فصبروا، واستماتوا، وتفانوا في جهاد عدوّهم، ونصرة إمامهم. ولهذا فكل مانكتب ونقول من تعبير وبلاغة في وصف النخبة الطاهرة من معسكر الحسين فلا نقدر على إعطاء وصف دقيق لهؤلاء الثلة المباركة ومن هنا كان التقييم الوحيد لهم هو ما عَرَّفَهُمْ به إمامُهم بأنَّهم يستأنسون بالمنيّة كما يستأنس الطفلُ بمحالب أمِّه. ولذلك عندما خاضوا غمار الموت كانوا كالأسود الضارية التي لا تهاب شيئاً ولا تتراجع بحال؛ فقد نقل ابن أبي الحديد: ” قيل لرجل شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلتم ذرية رسول الله (ص)!؟ فقال: عَضَضْتَ بالجندَل، إنَّك لو شهدت ما شهدنا، لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي أنفسها على الموت؛ لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة، أو الاستيلاء على الملك؛ فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها فماذا كنا فاعلين لا أمّ لك!))(6).

وهذا الشوق بلقاء الله تعالى نابعٌ من الحبّ والعشق الإلهي… هذا العشق أنساهم حتى ألم الجراح، يقول الإمام الباقر (ع): { إنَّ أصحاب جدي الحسين (ع) لم يجدوا ألم مسّ الحديد }(7).

وأما على صعيد الشهادة، فلا شهداء كشهداء عاشوراء من الأولين والآخرين!!. وهذا ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف رتبتهم، فقد ورد عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: { خرج علي يسير بالناس، حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل، تقدم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقدفان، فقال: قتل فيها مائتا نبي ومائتا سبط كلهم شهداء، ومناخ ركاب ومصارع عشاق شهداء، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من بعدهم } (8).

وإن كانت بعض الروايات قد ألحقت شهداء بدر بشهداء كربلاء في رتبتهم، كما روى الطبراني بسنده المتصل إلى شيبان بن مخرم – وكان عثمانيا – قال: إني لمع علي رضي الله عنه إذ أتى كربلاء، فقال: { يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر}(9).

لكن ابن نما في (مثير الأحزان) قد أورد عن ميمون بن شيبان بن مخرم، وكان عثمانيا قال: إنا لنسير مع علي (عليه السلام) إذ أتى كربلاء، فقعد على تل، فقال: { يقتل في هذا الموضع شهداء الأشهداء }(10). ويكفي للقطع بأن شهداء الطف ليس كمثلهم شهداء مطلقا ما ورد في قول الإمام الحسين (عليه السلام) من إطلاق في مدحهم حيث قال: “… لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي… ” لشمول تفضيلهم فيه على من سبقهم ومن يأتي بعدهم.

ولسمو منزلتهم ورد في الأثر أن أم سلمة (رضي الله عنها) رأت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرها أنه قد فرغ لتوه من حفر قبور للحسين (عليه السلام) وأصحابه. فقد روى الشيخ الطوسي (قدس سره) بسنده إلى غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: { أصبحت يوما أم سلمة تبكي، فقيل لها: مم بكاؤك ؟ قالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة، وذلك أنني ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ مضى إلا الليلة، فرأيته شاحبا كئيبا، فقالت: قلت: ما لي أراك يا رسول الله شاحبا كئيبا! ؟ قال: ما زلت الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه ! } (11). فهذا العز والفخر لايدانيه اي شخص من الأولين والأخرين وهو المجد بكل معانيه السامية ان يكون الرسول الأعظم محمد(ص) يحفر قبورهم بيديه الشريفتين وها يؤكد سمو منزلتهم  وعلو شأنهم وأوردت أخبار الملاحم وأنباء الغيب بأسمائهم وأسماء آبائهم! فقد ورد في الأثر أن ابن عباس لما عنف على تركه الحسين (عليه السلام) قال: ” إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم!! ” (12) .

وقال محمد بن الحنفية: ” وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم!! ” (13).

ونختم مقالنا بما أحسن ما وصفهم به المؤرخ السيد محمد بن أبي طالب الموسوي حيث يقول: ” رجال صدقت عهودهم، ووفت وعودهم، وخلص يقينهم، وصفا معينهم، لم يلبسوا الظلم إيمانهم، ولم يشوبوا بشك إنفاقهم، بذلوا الأجساد في طاعتهم، وجادوا بالأرواح في نصرتهم، فأثبتهم سبحانه في ديوان خواصه، وشرفهم بتشريفه واختصاصه، وألحقهم بدرجة ساداتهم،. ورقى بهم إلى منزل قادتهم، لما بذلوا الأرواح والأجساد في جهاد الأعداء طاعة لربهم، وتلقوا الصفاح والصعاد من أكف الأشقياء في حربهم، وقويت بامتثال عزائم الله منهم العزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، جعلهم أشرف أهل الجنة بعد الأنبياء والمرسلين، وسادة الشهداء من الأولين والآخرين… “(14) .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 ـ الكامل في التأريخ: 4 / 57 وتأريخ الطبري: 3 / 315.  الإرشاد – الشيخ المفيد – ج ٢ – الصفحة ٩١. أصدار المكتبة الشيعية. جواهر البحار الجزء الرابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع). باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته.

2 ـ  الأشوس: الجريء على القتال، والأقعس: الثابت العزيز، المنيع.

3 ـ  المقرم، مقتل الحسين (ع): 226. الدمعة الساكبة ص 325.  الطبري، تاريخ الطبري، ج5، ص420-421؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج3، ص393؛ الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص 112- 113 والشيخ المفيد، الإرشاد: ج2، ص93-94 وابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، صص58-59 وابن شهرآشوب؛ مناقب آل أبي طالب: ج4، ص99.

4 ـ  ابن نما الحلي، مثير الأحزان: 39، والملهوف على قتلى الطفوف: 129.

5 ـ  السيد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف: 126-127.

6 ـ  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 3/263.

7 ـ  المقرم، مقتل الحسين (ع): 70.

8 ـ بحار الأنوار: 41 / 295، باب 114، حديث رقم 18.

9 ـ  المعجم الكبير: 3 / 11 1.

10 ـ  مثير الأحزان: 79.

11 ـ  أمالي الطوسي: 90 المجلس 3 وأمالي المفيد: 319، المجلس 38، ح 6.

12 ـ  مناقب آل أبي طالب: 4 / 53.

13 ـ  مناقب آل أبي طالب: 4 / 53  .

14 ـ  تسلية المجالس: 2 / 346. راجع كتاب إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام   مقدمة التحقيق. الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي رحمه الله. تحقيق: سماحة المحقق الشيخ محمد جعفر الطبسي. وسوعة أهل البيت (ع)  الإمام الحسين بن علي (ع)  كتب حول الإمام الحسين (ع) وأبطال كربلاء. موقع موسوعة انصار الحسين.

عبود مزهر الكرخي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها