نشر : October 1 ,2018 | Time : 09:57 | ID 128907 |

الصرخة الحسينية (٤)

شفقنا العراق-هناك مقولة معروفة وحتى وجدتها في الشاشة الكبيرة في مدينة كربلاء المقدسة عند زيارتي في العاشر من محرم وتقول (لا يقاس الحسين (ع) بالثوار، بل بالأنبياء ولا تقاس كربلاء بالمدن، بل بالسماوات ولا تقاس عاشوراء بحوادث الدهر، بل بمنعطفات الكون).

وهذه المقولة تبين أن الأمام الحسين هو فقط لا يقاس بالرجال أو الثوار ممن قاموا ببطولات في مكان وزمان معين وانتهت باستشهاد هذا الثائر لتطوى صفحته حاله الكثير من الثوار الذين مروا في التاريخ. بل هو ما قام وما سطره من ملاحم خالدة هو وأهل بيته وأصحابه المنتجبين هي بالملاحم الربانية والتي كانت تمثل سفر خالد يجب أن تكتب من احرف من نور وهذا السفر هو تم بعناية وامر من الله سبحانه وتعالى ولهذا كان الأمام أبي عبد الله هو يقاس بمنزلة الأنبياء وليكون السفر الخالد لملحمة الطف هو نهضة حسينية بكل معنى الكلمة حيث ترسخت جذورها في البناء والفكر الإنساني بكل قوة ورسوخ لتكون حاضرة عبر التاريخ وفي كل زمان ومكان.

فقد سفك الدم الشريف للحسين في ملحمة الطف الخالدة ولكن هذا الدم وباقي الدماء الطاهرة كان يمثل دفق الحياة الذي غذيت به كل البشرية بهذا الدم الخالد الطاهر والشريف ولتصبح هذه الدماء هي أكسير الحياة لكل الثوار والأحرار في كل العالم وكذلك لكل مسلم ومؤمن ولتكون النهضة الحسينية هي اكبر منار تهتدي بها البشرية للخلاص من كل أنواع القهر والظلم والجور، والتي حار فيها كل الأعداء قبل الأصدقاء في سر هذا الخلود الأبدي للفكر الحسيني ولنهضة الحسين والتي أضحت رمز لرفض الطغيان والظلم ولتتكسر عليها كل عروش الجبابرة والديكتاتورين ولتصبح راية الحسين راية الحرية ورمز لكل مظلوم يحملها ليتزود منها القوة في مقارعة الظالمين وكل نوع من أنواع الامتهان للإنسان وظلمه ولتكون راية الحسين هي راية الإنسان التي لا بديل لها والتي يتشرف إي إنسان إن يحملها بغض النظر عن اللون والجنس والدين، والبشرية ترنوا للإمام الحسين نورا كونيا كما ترنوا المسيحية ليسوع مخلصا حيث قال الرئيس الأمريكي محرر العبيد إبراهام لنكولن: (ان القران ومحمد والحسين ثالوث مقدس يجب النظر اليهم نظر التقديس لان فيهم الكثير من المثل العليا واحترام حقوق الانسان ).

ولهذا فإن معركة الطف بكل المقاييس العسكرية هي معركة غير متكافئة من حيث كثرة معسكر يزيد وهو معسكر الظلام الكفر والباطل وقلة عدد معسكر الحسين وهو معسكر الأيمان والحق والنور فكان الانتصار وبالقياسات العسكرية هو انتصار معسكر الطاغوت على معسكر الباطل.

ولكن كانت هذه النتيجة ظرفية ووقتية لتأتي مرحلة تصدر أفكار النهضة الحسينية ولتكون الصرخة الحسينية الهادرة هي انتصار الدم الحسيني على السيف الأموي الظالم ولتشع اهداف ومباديْ النهضة الحسينية إلى كل انحاء المعمورة والعالم أجمع ولتكون هذه الملحمة والإمام الحسين محل تقدير وتبجيل من كل المفكرين العلماء والعظماء ولكن اتباع السلفية والوهابية ومن لف لفهم كانوا وعلى الدوام و أفكارهم المتحجرة والعفنة ومناصبة العداء للشعب العراقي ولكل الشيعة ومحاربتهم وبأبشع واخس الوسائل وليكون الدم والعنف هو اللغة السائدة لهذا التطرف والغلو ولكل هو مايغاير سلفيتهم ووهابيتهم وتحت غطاء ومسمى مناصرة أتباع المذهب السني ( وقطعاً السنة منهم براء براءة الذئب من دم أبن يعقوب).

ولهذا الحسين هو حسين الفداء هو {قتيل العبرة} فقد بكته جميع الأنبياء والمرسلين من أبينا آدم (ع) إلى خاتم الأنبياء محمد (ص) وهو وارث الأنبياء كافة والتي في الزيارة المأثورة وارث للأمام تبدأ بالسلام على الأمام الحسين لتقول {السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله…} لتستمر في ذلك والذي بكاه الأنبياء والرسل كافة ومروا على أرض كربلاء وصلوا فيها. ومن هنا كان الأمام الحسين هو يقاس بمنزلة الأنبياء لما قدم خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى ومقولته المشهورة صباح يوم عاشوراء وكثرة جيش يزيد وبدء المواجهة العسكرية ومن هنا كلما اشتدد عليه البلاء أشرق لونه؛ ليس من أجل الجزاء فقط، وأنه سيلتقي بجده وأمه وأبيه وأخيه.

وإنما لأنه كان يرى أيضا أنه في مقام امتثال الأمر الإلهي.. كان يتلذذ بما يجري عليه في يوم عاشوراء؛ لأن كل ذلك كان في عين الله عز وجل، عندما ذبح ابن الرضيع بين يديه قال: (هوّن ما نزل بي أنه بعين الله)..(1) لتبين عظيم الامتثال لأمر رب السماوات والرضا بقضاء الله وقدره والتي باعتقادي المتواضع قد فاقت الأنبياء في الصبر وتحمل المصاعب والمشاق ارضاءً لأمر الله وقضائه والذي في لحظاته الأخيرة والأعداء متربصين به وكثرة عدتهم وعددهم لكن هذا لا يهمه فيتمتم ويناجي ربه فيقول {لك العتبى ياربّ، صبرا على قضائك، ياغياث المستغيثين، لا معبود سواك، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى}(2)، وكأن هذا الفداء العظيم الذي قدمه الأمام الحسين لايفي بمرضاة ربه بل يناجيه ويقول له خذ وتقبل هذا القربان حتى ترضى. فهل هناك طاعة وصبر وامتثال لأمر الرب عند العالمين؟ والتي لا نجدها إلا عند الأنبياء وملائكة السماء، بل تفوقت على هذه الطاعة الخالصة من كل شك وريبة.

ولتكون كربلاء المقدسة هي قبلة وكعبة لكل المؤمنين والثوار والأحرار ولتصبح هذه المدينة أرض من الجنة عندما قدم إليها أبو الضيم وليكون طريقها هو طريق الحياة والخلود والمسير نحو جنة الخلود ولتصبح كربلاء المدينة هذه المدينة الصغيرة تستوعب كل هذه الملايين الوافدة لزيارة ضريح أبي عبد الله (ع) الطاهر وليتزود كل المؤمنين بنفحات القوة الإيمانية لهذا الأمام الخالد ولتكون جرعات الفيض الآلهي تنبع من تحت القبة الشريفة لعطشان وغريب كربلاء ولتكون كل عبرة يسكبها زائر الحسين هي الإكسير الذي يتزود به الزائر في الرحلة الإيمانية لكل شخص ولتكون قوة ودافع لإدامة زخم الحياة للزائر تعينه على المسير على نهج الحسين ومسيرته الخالدة ولتصبح زيارة الحسين هي الطعم الجميل والحلاوة التي ما بعدها حلاوة في تلذذ المؤمن في زيارة قبر أبي الشهداء. لهذا اصبح الحسين خالدا وبقيت كربلاء الصغيرة رمزًا تملئ العالم رمزًا لا للحسين بل رمزًا للرسالات ورمزًا للنبي (ص)، رمزًا لجهاد النبي، لهدى النبي، لمبادئ النبي.

بقيت كربلاءُ هذه البقعة المباركة متساوية مع مكة المكرّمة وبيت المقدس، والمسجد النبوي وبقيت كربلاءُ منارًا شامخا خالدا لاتسعه الأرض بما رحبت! ولتصبح كربلاء عاصمة المجد الإلهي و كربلاء الملحمة الإلهية الكبرى التي أضحت عاصمة الثوار وقبلة الأحرار وهي مدينة الحق والعدل والإباء والكبرياء والشموخ وأضحت تفاخر الكعبة المكرّمة، والمدينة المنوّرة، والقدس الشريفة مع ما لهنّ من الفضل والكرامة عند الله والملائكة والأصفياء. وأحب أن اختم مقالتي بهذا العبارات والكلام الجميل عن كربلاء المقدسة لأحد الكتاب وقد نقلته من مقال مقتطع عن كربلاء المقدسة.

موقع كربلاء على خطّ الطول والعرض المعنوي

“تقع كربلاء على خطّ الطول في عالم المعنى «على خطّ الصراط المستقيم الذي يوصل لرضا الله تعالى وكلّ نعيم، وتطول بساكنها في المعنى والحقيقة والإيمان محلّ الكرامة في الجنّة« حتّى يحفّ المتمسك بكلّ وجوده بمنهج الحسين عليه السّلام بالمقام المحمود معه عند جدّه نبي الرحمة في ملكوت السماء« وعلى ضفاف الكوثر يسكن في الفردوس الأعلى في درجات العلا في مقام لدينا مزيد« ولا عين رأت ولا اُذن سمعت بكرامة الله لأوليائه وأحبائه المخلصين.

وتقع كربلاء على خطّ عرض الدين وحماته، وشرفه وهيبته وعزّه فسرت في الزمان من أوّل التاريخ لآخره هيبة وكرامة وشرفاً لمَنْ قبلها وتمسّك بمنهجها« وفي المكان وسعت جميع بقاع الأرض؛ فسكّانها كلّ الأحرار الطيّبين المؤمنين، والموالين والمحبّين لله ولأوليائه من الرسل والأنبياء، وبالخصوص نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ومحبّيهم وإن كانوا هم في أماكنهم ومساكنهم في جميع بقاع الأرض”(3).

عبود مزهر الكرخي

————————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المصادر:

1 ـ ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص69. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص46.

2 ـ انظر: شجرة طوبى 2: 409، مقتل الإمام الحسين عليه السلام (المقرّم): 357، ينابيع المودّة 3: 83.

3 ـ من مقال بقلم : حسن الأنباري ـ بتصرّف. هكذا عرفت كربلاء. موقع لمعهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام) للخطابة . باب المقالات الحسينية.

www.iraq.shafaqna.com/ انتها