نشر : September 30 ,2018 | Time : 09:30 | ID 128777 |

بقلم أبو الفضل فاتح.. خروج رئاسة الوزراء من قبضة حزب الدعوة أكبر تطور يشهده العراق

خاص شفقنا-إن لم يحدث تطور جديد، فان أكبر تطور يشهده العراق هو خروج الإستئثار برئاسة الوزراء من قبضة شخصيات الطراز الاول لحزب الدعوة بعد 15 عاما.

وبالرغم من أن المرجعية العليا غير حاضرة في الدستور والهيكلية الحقوقية للعراق، لكنها برهنت مرة أخرى بانها تضطلع بدور حيوي وحاسم في “البنية الحقيقية” و “السلطة الوطنية”.

إن مرور الوقت، أثبت أن أي حزب غير قادر بمفرده على الحسم وحتى أن تيارا ناتجا عن تحالفين أو ثلاثة تحالفات، غير قادر على ذلك أيضا.

ويمكن القول على سبيل المقارنة، أن السيد العامري من تحالف البناء والسيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم من تحالف البناء والإصلاح، قد أظهروا أنهم كانوا الوجوه الأكثر توفيقا واضطلعوا بدور أكثر محورية في تركيبة التحالفات السياسية.

ويعد حزب الدعوة والعبادي من الخاسرين الرئيسيين.

كما أن السيد المالكي والعبادي، كان لهما ضلع في تقرير المصير الحالي لـ “حزب الدعوة”.

وقد رسخت ايران موقعها في الشطرنج السياسي في العراق.

ولم تنل امريكا والسعودية وبالرغم من تلفيق المشهد والتظاهر وتقديم النفقات، مآربهما، لكن رجالات الدولة المقبلين لن يدخلوا في مواجهة معهما.

وإن كانت تجربة حكومة التحالف الجديدة، تجربة ناجحة، فانها ستسهم إلى حد كبر في إحلال الاستقرار وستكون مؤثرة في معالجة الأمور على المديين القصير والمتوسط.

وإن حددت الصيغة النهائية لتركيبة محمد الحلبوسي (رئيس البرلمان) وبرهم صالح أو فؤاد حسين (رئيس الجمهورية) ورئيس وزراء من خارج الشخصيات المعروفة لحزب الدعوة، فانها ستكون تركيبة حديثة نسبيا، لكن وبرغم جميع الخطوات الإيجابية والتطورات الحاصلة، فان من الصعوبة بمكان القول بان العراق الجديد هو على الأبواب. فثمة فارق جاد بين أن تبصر “الحكومة الجديدة” و “العراق الجديد” النور.

وفيما يلي نص المقال بقلم أبوالفضل فاتح:

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما أجريت الإنتخابات العراقية في 11 ايار/مايو 2018، طغت تكهنات مختلفة حول المستقبل السياسي للعراق، والأحزاب الفائزة والخاسرة في الانتخابات ومصير رئيس الوزراء، وجرى الحديث عن “العراق الجديد”. والان وبعد مضي نحو 5 أشهر على الانتخابات، وبلوغ عملية تعيين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مراحلها النهائية، بجانب الرئيس الجديد للبرلمان، فقد شهد المشهد السياسي والوجوه المنتخبه النهائية اصطفافات جديدة.

ومع الاقتراب من الخريطة النهائية للمشهد السياسي العراقي، ربما يمكن رصد نتائج الانتخابات وحصيلة مساراتها لحد اليوم في المحاور المختلفة. الأول: عاقبة الاستياء الجماهيري في العراق. والثاني: صدى هذا السخط من وجهة نظر المرجعية العليا. والثالث: إتجاهات ونتائج المحادثات والتحالفات والتخندقات والألعاب السياسية للأحزاب. والرابع: مصير حزب الدعوة والعبادي. والخامس: دور القوى الأجنبية وما تثبته على أرض الواقع.

ولكي ندرك مردود الانتخابات العراقية ومخرجاتها بشكل أفضل لابد من تسليط الضوء بداية على الوضع الحالي والمحتمل للإصطفافات النهائية للسلطة في العراق:

رئيس المجلس النيابي:

وقد تحققت الخطوة الاولى في التخندقات الإنتخابية والتقييم الأصح للتحالفات، مع الولوج إلى عملية انتخاب رئيس البرلمان وكانت حصيلتها السيد محمد الحلبوسي (38 سنة) من محافظة الانبار. وقد تسنم الحلبوسي الشاب مقعد رئاسة البرلمان بعد كسب موافقة تحالف الفتح ودولة القانون (العامري والمالكي) والأكراد ومجموعات من أهل السنة. ويملك الحلبوسي في سجله السياسي تاريخا من التواصل مع بعض الوجوه الرفيعة المدعومة من السعودية، لكن  انتخابه يعد ضربا من النصر للتحالف الخاضع لقيادة الفتح ايضا، لان التحالفات الشيعية الاخرى كانت قد اتفقت على خيار اخر.

رئيس الجمهورية:

وبعد سقوط صدام، ذهب منصب رئيس الجمهورية بصورة تقليدية للاكراد، ومن بين الاكراد، انيطت رئاسة الجمهورية في العراق ل”الاتحاد الوطني الكردستاني”  وادارة “اقليم كردستان العراق” بعهدة “الحزب الديمقراطني الكردستاني”. لكن وبعد وفاة جلال الطالباني وكذلك فشل مشروع استقلال كردستان العراق، أصبح الحزب الديمقراطي  بزعامة مسعود بارزاني بصدد تقديم شخصية من حزبه لتولي منصب رئيس جمهورية العراق، ليحتفظ ب “اقليم كردستان” وكذلك بالمقعد الرئيسي والمتنفذ في “بغداد” للاكراد. لذلك فانه رشح “فؤاد حسين” من المنتمين للحزب الديمقراطي والمقربين من مسعود بارزاني لرئاسة الجمهورية في العراق. لكن وكما يبدو في الظاهر، فان هذا الخيار لم يحظ لحد الان بمواقفة سائر الاحزاب العراقية والاكراد لاسيما الإتحاد الوطني الكردستاني، ويبدو ان التوجه منصب اكثر على “برهم احمد صالح”  (52 سنة) الذي يحظى بمقبولية أكثر من بين أغلبية الاكراد وذلك لكونه كان عضوا رفيع المستوى في الإتحاد الوطني حتى عام 2017 وصاحب تاريخ جيد في تولي رئاسة وزراء حكومة اقليم كردستان وتشكيل التحالف المستقل “الديمقراطية والعدالة” والحصول على العديد من المقاعد في الانتخابات. وقد عاد الان مجددا الى الاتحاد الوطني ويحظى بدعم هذا الاتحاد، ويحظى بقبول سائر الاحزاب العراقية الشيعية منها والسنية بسبب اعتداله وعقلانيته، وفي ضوء هذا التاريخ، يبدو ان حظوظ فؤاد حسين هي اقل من برهم صالح، إلا اذا حصل مجددا اتفاق بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي لتقديم رئيس للجمهورية.

رئيس الوزراء:

ولعل التحديات الداخلية السياسية الاكثر جدية في العراق تبلورت حول خيار انتخاب رئيس الوزراء، وانطوت على أكثر التدخلات الاجنبية للتأثير على مسار هذا الإنتخاب. وطرحت اسماء عديدة وادعت كل مجموعة أنها اكبر التحالفات لتعيين رئيس الوزراء، لكن اي مجموعة لم تستطع بمفردها تقديم رئيس للورزاء، لان الانتخابات لم يكن فيها فائز حاسم ، ولم يكن بمقدور التيار الصدري الفائز ب 50 مقعدا أن يملك الكلمة الفصل بين أكثر من 300 مقعد برلماني، وحتى أن تحالفه مع ثلاث مجموعات اخرى لم يسعفه. ولم يتم لحد الان حسم الخيار الرئيسي لتولي رئاسة الوزراء في العراق، لكنه سينبثق منطقيا من داخل التيارين الرئيسيين المتمثلين في البناء (المكون من الفتح ودولة القانون) و “البناء والإصلاح” (المكون من سائرون والنصر والحكمة والوطنية). وإلى هنا إتضح أنه لن يكون من الوجوه البارزة في حزب الدعوة.

وإن مضت فرضية شخصية غير شخصيات الطراز الاول من حزب الدعوة أو عادل عبد المهدي أو شخصية تشبهه، قدما في ظل توافق التحالفين الكبيرين، والتي تصطدم طبعا بعقبات، ورغم كونها تقع على مسافة من الخيار المرجو لدى المرجعية، لكنها تجعل رئيس وزراء بهذه الميزات والخصائص، يحظى بسند أكبر من لدن الشيعة، كما تجعل من الصعب إلى حد كبير انتخاب الوزراء، لان ثمة المزيد من المجموعات التي تطالب بنيل حصة من بين الحقائب الوزارية.

الفائزون الرئيسيون:

لقد وجه أبناء الشعب العراقي سواء الذين شاركوا في الانتخابات وأدلوا بصوتهم أو الذين امتنعوا عن المشاركة، كل بشكل ما رسائل جلية من أنهم غير راضين عن الظروف الحالية، وقد انعكس هذا  التذمر الى حد كبير وأثر على المشهد السياسي. وقد سعى اية الله السيستاني منذ اليوم الاول بان يقف في جبهة مطالب الشعب وأن يدعم عامة الجماهير. ويستشف من كلام المرجعية حول الإنتخابات والمواقف اللاحقة للمتحدثين باسم المرجعية بوضوح بان هاجس المرجعية يتمثل في سلامة التراب ووحدة الاراضي العراقية وعامة الشعب لاسيما المحرومين منهم، وفيما يخص رئيس الوزراء، فان شخصية وطنية ومستقلة ومعروفة بنظافة اليد، يمكن ان تحظى بدعم المرجعية، وفيما عدا ذلك، فان المرجعية لن تدعم رئيس الوزراء وحكومته وستكون مراقبا ناقدا ولن تستقبله. وبالرغم من أن  الرئيس الحالي للبرلمان والخيارات المحتملة لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء لا تلبي طموحات ورؤية المرجعية بالكامل، لكنها لا تقف على طرف نقيض من المرجعية العليا أيضا، ويبدو أن أدائهم المستقبلي سيشكل معيارا لكيفية تواصل المرجعية معهم. وإن استطاع هؤلاء تشكيل حكومة فاعلة ومناهضة للفساد، فانها ستكون موضع ترحيب المرجعية، وبغير ذلك، سيكون قدرها نفس ما حلّ بالسياسيين الحاليين. إن حكمة وحصافة المرجعية في الإنتخابات العراقية الاخيرة وما تلتها من تطورات، كفلت مصالح الشعب ومنزلة المرجعية بصورة جيدة، ووفرت إمكانية تداول السلطة والخروج غير المسبوق لاستئثار رئاسة الوزراء من قبضة “حزب الدعوة”. وبالرغم من أن المرجعية غير حاضرة في الدستور والهيكلية الحقوقية للعراق، لكنها برهنت مرة أخرى بانها تضطلع بدور حيوي ومصيري في “البنية الحقيقية” و”السلطة الوطنية”، إذ تجلت في التطورات الاخيرة الحكمة والتدبير الاستراتيجي وبعد النظر وكاريزما هذا الموقع في متابعة مطالب الشعب بصورة جيدة.

الأحزاب الشیعیة

إن الأحزاب الشيعية التي خاضت الإنتخابات ضمن 5 تيارات، وكانت تشاهد فجوات شاسعة بينها، لجأت بعد الإنتخابات إلى تحالفين كبيرين: تحالف “البناء” (بمحورية الفتح ودولة القانون) و “البناء والإصلاح” (بمحورية سائرون والنصر والحكمة وعلاوي). وإلى هنا، اضطلع تحالف البناء بدور أكثر محورية في إنتخاب رئيس مجلس النواب، لكن وكما أسلفنا، فانه يبدو خلال عملية إنتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، بان إتفاق كلا التيارين الشيعيين الرئيسيين، يضطلع بدور وأن أيا من هذين التيارين ليس بوسعه الزعم بتفوقه على الاخر. ونظرا إلى التناقلات والتخندقات والإنشقاقات التي حصلت لدى ممثلي كلتا المجموعتين، فان من الصعوبة بمكان القول من هو أكبر التحالفات البرلمانية العراقية. وعلى  النقيض من الدعاية الطنانة الأولية التي حاولت الإيحاء بتفوق تيار ما، على سبيل المثال، التيار الصدري واعتباره أكبر التيارات ومحور كل شئ ومصيري وحاسم في الخارطة السياسية العراقية، فان مضي الوقت برهن بان أي حزب، غير قادر بمفرده على حسم الوضع نهائيا، وحتى أن تيارا ناجما عن تحالفين أو ثلاثة تحالفات، غير قادر هو الاخر على الحسم. ومقارنة يمكن القول بان السيد العامري من تحالف البناء والسيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم من تحالف البناء والإصلاح، أبدوا أداء أكثر نجاعة، واضطلعوا بدورأكثر جوهرية في تركيبة التحالفات السياسية، وسيحتفظ هذا الدور على الأرجح بموقعه البارز في المستقبل وذلك مقارنة بسائر الشخصيات السياسية الحزبية. وفي هذا الخضم فان المالكي تمكن من الحفاظ على موقعه في المشهد السياسي.

القوى الجارة والقوى العابرة للحدود

ويجب التسليم بان موقع ايران لا يمكن مقارنته باي من القوى الأجنبية. إن غالبية الشعب العراقي هم من الشيعة وأن قلب الشعبين يخفق في العتبات المقدسة في العراق ومشهد المقدسة في ايران. هذا فضلا عن التواصل الوثيق والماضي الثقافي والتاريخ المجيد والمتجذر بين الشعبين الكبيرين الايراني والعراقي. وفي مرحلة ما بعد صدام، وقفت ايران دائما بجانب العراق وكان لها نصيب كبير في هزيمة ودحر داعش والوقاية من تقسيم العراق لاسيما كردستان وحفظ استقلال العراق وتعزيز بنيته الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وإضافة إلى الحياة السياسية والعلمية، فان القسم الأعظم أو الأغلبية الساحقة من الساسة والشخصيات الدينية العراقية في عهد صدام وحتى أن جزء منهم ممن يعرفون اليوم بمعارضتهم لطهران، نشأوا في ايران ونموا فيها. لذلك فان الانتخابات وأيا كانت نتائجها، فان نوع وجوهر التواصل العميق بين الشعبين العراقي والايراني لا تحد حدوده الإنتخابات، ولا يمكن تحليله من منظور الرؤية الانتخابية الضيقة، ومع ذلك فانه يمكن في الإنتخابات الاخيرة الذهاب إلى أن ايران والتيارات القريبة منها، استطاعوا إعادة تشكيل وتأهيل أنفسهم على شكل خطوة فخطوة على الرغم من الصدمات  الإنتخابية الاولية والضغوطات المباشرة والمحيرة التي مارستها القوى الأجنبية بما فيها امريكا والسعودية على الأحزاب العراقية وأزمات كالبصرة، وأن يحفظوا ويرسخوا موقعهم المصيري في الشطرنج السياسي العراقي. وقد أثبتت التطورات بان التقارب بين ايران والعراق هو العامل الحاسم والمصيري في تطورات العراق.

ومن جهة أخرى، فان امريكا والسعودية وبكل الاثمان السياسية والاقتصادية التي تكبداها، لم يستطيعا إحداث تغير جاد في المشهد السياسي العراقي، وتنصيب أدواتهما في مقاعد الرئاسة في العراق، ولم يجنيا شيئا من الإستعراضات المفتعلة في البصرة، وأخفقا بالتالي، وفي الوقت ذاته فانهما لا يريان إلى حد ما  بان الرؤساء السياسيين المقبلين في العراق، يقفون على طرف نقيض منهما ولا يدخلون في صراع ومواجهة معهما، ويريان إن ثمة إمكانية للتعاطي معهم. وربما يمكن القول بان الحكومة العراقية المستقبلية، ستكون حكومة تبحث عن الوفاق الوطني والإنفراج والتعامل مع جميع القوى الأجنبية.

الخاسرون الرئيسيون

إن “حزب الدعوة” بوصفه الحزب الأكثر تنظيما وتاريخا في العراق، والذي احتكر على مدى 15 عاما منصب رئيس الوزراء لنفسه، بات اليوم يرى أنه يقف في النقطة التي يجب أن يغادر فيها موقع رئيس الوزراء. وهذا يشكل حدثا مهما للغاية في الهيكلية السياسية العراقية ولهذا الحزب صاحب الماضي. وخلال هذه الأعوام ال15، مر العراق بفترات عصيبة للغاية وكان ساحة لأكثر التوترات الداخلية والخارجية جدية. وأي حزب اخر كان، كان سيواجه نفس القدر. ومع ذلك، يبدو أن حزب الدعوة لم يستطع خلال سنوات تولي السلطة، كسب رضا الشعب العراقي، وان الإنتخابات الاخيرة التي أعرض عنها 54 بالمائة واقبل عليها 46 بالمائة من شعب العراقي، مثال صارخ على هذا التذمر والاستياء الشعبي واسع النطاق. إن العراق الحالي، يحترق في أتون الفساد وعدم الكفاء والإنشقاق، ولا يعقد الناس الأمل على القائمين على الحكم حاليا. إن حزب الدعوة وبعد 15 عاما، يجب عليه أن يتقبل تغيير موقعه والإنتقال من الحزب الحاكم إلى الحزب غير الحاكم وفي الحقيقة يسلم بالهزيمة في هذه المرحلة، وأن يفكر في ظل إنجاز اصلاحات حقيقية بالعودة تاليا إلى السلطة. وبخلاف ذلك، فان من المستبعد أن يحصل مجددا على أكثرية الأصوات، وعليه أن يكون في المعارضة في الأغلب. وكان للسيد المالكي والسيد العبادي ضلع بشكل ما في المصير الحالي لحزب الدعوة، وأي منهما لم يستطع نيل تأييد أغلبية الشعب والمرجعية العليا. ولا ننسى أن حزب الدعوة باعتباره رصيدا إجتماعيا، يجب أن يبقى في نطاق الحزبية في العراق، ولا يجب أن تتبلور وتنشأ فكرة هزيمته والتفكير بالفناء والإنشقاقات أو ذبح نفسه، وطبعا هذا الخطر قائم بالنسبة لحزب الدعوة إلى حد ما، لكن مستبعدا أن يؤدي إلى تلاشيه وإضمحلاله. وسيبقى حزب الدعو، الحزب القوي في المستويات الحكومية والمشهد السياسي في العراق بعد تجاوزه العقبات والتحديات الحالية. إن الأحزاب تتأسس عادة لعدة قرون، وأن الهزيمة والنصر يكمنان في طبيعتها وجوهرها.

وبعد حزب الدعوة، فان الخاسر الأكبر في الإنتخابات الحالية، هو السيد “العبادي” شخصيا. لقد بذل غاية جهوده وطبعا بصورة غير ناجحة لحفظ موقعه كرئيس للورزاء ولجأ إلى تحالفات ومواقف غريبة، وحتى أن هذه الفكرة تبلورت من أنه أدار ظهره لبعض أصدقائه الأجانب القدامى بمن فيهم ايران ومد يد الرجاء نحو السعودية وامريكا، لكن هذه الوصفات لم تسعف العبادي، وبات على الأقل في الظروف الحالية مضطرا لتقبل أسواء ضروب الهزيمة. وربما أن تيارات وشخصيات على غرار العبادي إن كانت تستطيع الإنتباه إلى العمق الاستراتيجي للعلاقة بين الشعبين الايراني والعراقي، لما كانت تنطلي عليها هذه الأساليب بهذه الطريقة في الميدان السياسي.

إن تركيبة محمد الحلبوسي (رئيس مجلس النواب) وبرهم صالح أو فؤاد حسين (رئيس الجمهورية) ورئيس الوزراء من خارج الشخصيات الرئيسية لحزب الدعو، إن تبلورت نهائيا، فان من الصعوبة بمكان ورغم كل الخطوات الايجابية التي اتخذت والتطورات الحاصلة، القول بان العراق الجديد بات قاب قوسين أو أدنى. فثمة تباين جاد بين ولادة “الحكومة الجديدة” و بين “العراق الجديد”. نعم، لقد حصلت تغيرات في بعض اللاعبين الرئيسيين، وأن حكومة جديدة في طريقها لتبصر النور. إن عقبات الحكومة المستقبلية، جادة في مناخ التعددية والهش الحالي. الحكومة التي هي حصيلة التوافقات الكثيرة، والمتعددة وربما السياسية غير المتناهية على الصعيدين الداخلي والدولي، وهي منذ نشأتها عرضة للضغوط والتهديد والتخريب والمؤامرات الداخلية والحصول على الإمتيازات في كل لحظة، عسى أن تبقى قائمة. الحكومة التي هي من أجل بقائها بحاجة إلى أن تواجه هذه الضغوطات يوميا، في حين أن واجبها يتمثل في تلبية مطالب الشعب والإصغاء إلى صوته الناجم عن الإستياء والتذمر. الحكومة التي قد تتولد في زقاق مسدود رغم كل هذه التجاذبات والتناقضات، وأمامها مشوار تكتنفه المسوولية والعمل الشاق.

ومن جهة أخرى، فان الإستياء سيستمر إن هبوطا وصعودا في المستقبل القريب، كما أن نشوء التحالفات الحالية لن يترك أثرا مهما في معالجة استياء عامة الشعب طالما لم تتوضح نتيجته المشهودة والايجابية على حياة الناس على أقل تقدير. وفي الوقت نفسه، يبقى الأمل قائما من أنه إن كانت تجربة الحكومة الجديدة ناجحة، فانها يمكن أن تساهم في تثبيت الإستقرار وتسوية المشاكل على الأمدين القصير والمتوسط. وفي ظل الوضع الذي يعاني منه بلد ما في العالم الحالي بالغ التعقيد والهيكلية الهادف لـ الحكومة – الشعب فان التغيير على الأمد الطويل لن يكون بالعمل السهل إطلاقا. وقد يتم تداول الحكومات وحتى أنظمة الحكم، لكن البلدان تظل تحترق وتلتهب في الإحتقانات والأمراض القديمة. وهناك تباين بين ولادة “الحكومة الجديدة” و “العراق الجديد”. ومن أجل ولادة العراق الجديد والمتقدم والخالي من الفساد، فانه بحاجة إلى فلسفة الحكم وآلية استراتيجية وبرنامج دقيق وطويل الأمد وبالضرورة سياسيين يتسمون بالحكمة والدراية والنزاهة والفاعلية وعلماء ملتزمين ومحبين للوطن وشعب موحد ومتماسك. وبغير ذلك، فان الحكومة التي ستبقى وإن تغير نظام الحكم، فان الأمور ستكون على نفس المنوال.

الدکتور ابوالفضل فاتح

www.iraq.shafaqna.com/ انتها