نشر : September 27 ,2018 | Time : 11:30 | ID 128471 |

“ثروة الأربعين” بين الاستثمار الخجول والتحدّي اللدود

شفقنا العراق- ربّاه! لك الحمد أن أنعمت علينا بنعَمٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، فمنها: أن أبدلتَ سنيّ الخوف والرعب والتلثّم بجلباب الديجور والسير على حافّات المياه بقصد حرم الإمام،بزحفٍ ميليوني لايابه ببرد الليالي وحرّ الأيّام.. باندفاعٍ ذاتيٍّ وعشقٍ ولائي حيث ايقونة الغرام.. بطيّ المسافات الطوال مشياً على الأقدام، روماً لكربلاء السبط الهمام.

ملائكيةُ العراقيينالأربعينية حقيقةٌ وضّاءةٌ فاقت تصوّرات المخيال البشري وألِقت فوق ملّفات التوثيق السردي حتى شمخت باسقةًفي الوجدان الإنسانيّ النقي.

وإثر السيل البشري الهادر يؤدّي الكثير آداب التحية والزيارة عن بُعدٍ ثم يكرّ راجعاً للديار دون الوصول للمضجع الشريف؛ فقد حصل المقصود وتمّ المطلوب.

ياللسرّ الذي لا يُدرَك، تهفو الملايين بلهفةٍ وولَهٍ إلى مثوى الذبيح لأربعة عشر قرناً مضت.. ترنو إليه بلاطمعٍ دنيوي ولا مطمح سياسي، بل تسترخص الغالي والنفيس بفخرٍ واعتزازٍ ذاتي.

فما كنه هذا الدافع الذي يشدّ الأحرار فيزدادون حرارةً وحضوراً عاماً بعد آخر لإحياء أربعينية قتيل خليفة المسلمين!! هل من تفسيرٍ لهذا اللغز المحيّر ومغزى الحزن المتجمّر في قلوب المحبّين؟

لِمَ لا تبادر مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية لتقييم شعيرة الأربعين طبق الأُسس العلمية والمناهج المعرفية؟ أم أنّها تخشى النتائج التي تقود إلى تغييرٍ أساسي في نوع التصوّر الحاكم على عقل وشعور الآخر المغلوب على أمره إثر التضليل الثقافي والتعتيم الإعلامي الملمّع بطلاء حرّية القلم والبيان، هذه الحرّية العاملة هنا والمعطّلة هناك بفعل المصالح الراجحة على الأخلاق ومصلحة الإنسان.

إنّ البحوث المختصّة إن جرت على النسق السليم فإنّها تُحدِث الصدمة العقائدية الحاسمة واليقظة الأخلاقية المؤثّرة، وتحاكم القيم الزائفة والمبادىء الفاسدة في المجتمعات المضلَّلة، ممّا يؤدّي إلى نقلة معرفية هائلة تعيد جدولة الأفكار التائهة.

والنهج الإعلامي العدائيّ المدروس خير شاهدٍ على ما نقول، فلاشكّ أنّهم إن واكبوا الأربعين الحسيني بمهنيةٍ أُسوةً حتى بسائر الأحداث الأقلّ شأناً واستقطاباً وحضوراً، فلن يجدوا سوى الإنهزام إزاء عظمة الحسين الشهيد، الأمر الذي سيترك أخطر الأثر على كيفية تفكير الفرد الغربي والشرقي على السواء، فيسعى فاحصاً مستفهماً عن أسباب مليونية هذا الحدث النابض بالمُثل الإنسانية والفضائل الأخلاقية العالية.. ولاغرو أنّ الإنسان ميّالٌ بطبعه للخروج من التكرار المملّ، وهل مثل أربعينية الحسين أكثر حركةً وتغييراً وخلاصاً من الروتين الحاكم على الوجود الإنساني؟

نحن أيضاً نتحمّل قسطاً وافراً من اللوم والتقصير؛ حيث لم نعمل بعزمٍ وحزم كافيين على تحفيزوتنشيط الفضاءات العلمية بأدوات الاستقطاب المناسبة للتعريف بهذه الشعيرك تعريفاً شافياً وافياً، بل تجدنا ندور غالباً في فلك الأحاسيس المقطعية دون التنقيب المعرفي والضخّ القيَمي الأخلاقي الموّار بالحركة التواصلية.

إنّ أربعينية الحسين كنزٌ ألماسي ولا أثمن، كبريتٌ أحمر ولا أشبه، كيمياءُ حياةٍ وإكسيرُ خلاصٍ ولا أنقى؛ حيث نفحات الخير ونسائم الإيمان ورشفات الفلاح التي لاتجفّ ولا تُبلى.

إنّ المرجعية الدينية والمراكز العلمية والمعاهد الثقافية والمعاقل المختصّة برموزها ونخبها ومحاورها، يقع عليها العبء الأكبر والمسؤولية الأهمّ في هداية الأحاسيس الصادقة والمشاعر الجيّاشة نحو السبيل الأقوم والخير الأدوم، من خلال الإرشاد إلى بوصلة القيم ببيان صحيح المبادىء التي بذل المولى دونها النفس ولا أغلى.

لسنا أبداً في وارد البحث بالمنافع والمضارّ الاقتصادية والسياسية الناتجة من مليونية الوفاء، حتى غاص البعض في قاع الحسابات الرقمية محلّلاً ومنتقداً ومقترحاً، إنّما ندعوا إلى استثمار المشاعر الإنسانية الصادقة عبر تشييد المشاريع الأخلاقية المثمرة والمؤسّسات الإنسانية الفاعلة، والعمل على تثبيتها وتنمية نتاجاتها، ولا يُنجَز ذلك إلّا بالمناهج السليمة والآليات الرشيقة والحُلل القشيبة التي تترجم مضامين زيارة الأربعين إلى ممارسةٍ ميدانيةٍ واعيةٍ صحيحة.

كريم الأنصاري

————————

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها