نشر : September 26 ,2018 | Time : 13:33 | ID 128382 |

فن صناعة الغباء الجمعي

شفقنا العراق-العلاقة بين الإنسان والحيوان ليست مجرد ترابط في ترتيب السلسلة الكونية، وإنما توجد أشياء ضمنية تجعلها في تكافل، أكثر من كونها في علاقة علِّية، ولذلك فإن البشر يختلفون عن الحمير بالضمير، وإن انعدم الضمير يمكن أن تنتفي الإنسانية من البعض، ويكون محض حيوان أو ربما حمار، مع فائق الاحترام للحمير؛ لأنها لا تقتل بعضها البعض عكس البشر.

سلوكيات المجتمع هي فعل أو رد فعل، وتكون مرتبطة بالبيئة التي يعيش بها الكائن الحي، ويمكن أن يكون السلوك واعيًا أو غير واع، مسير أو مخير، وله التأثير المباشر على المجتمع المحيط به، حيث هناك سلوكيات حيوانية وأخرى إنسانية، وكذلك ممكن أن تتداخل هذه العلاقات لتصبح إنسا-حيوانية، ويمكن إيضاح السلوك الحيواني في تجمعات الذئاب التي يسير بها الذئب الأقوى باقي القطيع، حيث هذا السلوك يوضح أن قطيع ذئاب سائرون خلف زعيمهم بكل قناعة، بعيدًا عما إذا كانت قناعة بذكاء أم غباء، الأهم أنهم سائرون.

إذًا العلاقة الإنسانية الحيوانية وترابطها تتضح جليًا في السلوك المسير أو غير الواعي، ومثال الذئاب يمكن أن يكون دارجًا بين البشر، ولكن يحتاج إلى أدوات أهمها أدوات فن صناعة الغباء الجمعي.

يمكن أن يكون الغباء مقبولًا في المجتمع عندما يكون شائعًا، حيث لا يمكن أن تعبر كمية الكتب عن الذكاء، وكذلك لا يعبر زيّ الفلاح عن الغباء، وما يحدث في الوسط العراقي خير مثال، حيث إن الأجندات الخارجية التي دخلت وتمخضت في الدورة الدموية بعقل التجربة السياسية في العراق، تيقنت أنه لابد من وجود عقل جمعي يغير ما هو مرفوض إلى مقبول، ولعل أهم مرتكزات هذه النظرية نشطاء التواصل الاجتماعي، فلتؤثر في 100 شخص، ما عليك سوى أن تصنع ناشطًا مدنيًا شكليًا لا جوهريًا.

مجموعة كتب وشعارات ثورية وسلمية، حسب الظروف التي تتحكم بالشارع في وقتها، ويفضل أن تكون امرأة لتستطيع الدخول لعقول أكبر عدد من الشباب بملابسها الفاضحة، مع كاميرا ذات دقة عالية تركز على مفاتنها أكثر من كلامها، لأن المشاهد يريد ذلك، وعندها أَطلق هؤلاء الناشطين الجسديين في مواقع التواصل الاجتماعي، ليبدأ البعض بالتغريد والآخر يتحدث في (فيسبوك)، حتى تغزو كافة مواقع التواصل، فيشرع الرعاع في التفكير ويتفلسف الأذكياء بالمعتقدات والثوابت، فيقع الاثنان في مصيدة الغباء، ويكون شائعًا بين المجتمع، ويسهل تسيير المائة بواسطة واحد.

إذًا السلوك الإنساني يمكن أن يكون حيوانيًا عن طريق التجرد من الفكر والوقوع في فخ الجهل، وهذا ما يؤثر على سلوكيات المجتمع، وكل هذا يتحقق عن طريق نموذج النشطاء الذي يمثل اليد العظمى لصناع الغباء الجمعي، لكن ما أهمية هذه النظرية في المجتمع السياسي؟ وما الغاية من جعل الغباء دارجًا على أرصفة العقول؟

الحداثة السياسية خرجت من مفهوم الحرب ودخلت مفهوم المكر والدهاء، ولعل الوصل إلى السلطة يتطلب السيطرة على الجماهير عن طريق الشعارات القومية، ولعل الوصول للأهداف المنشودة عن طريق القادة السلطوين صعب، تحتم صنع الغباء الجمعي ليصل إلى أكبر عدد من الجماهير، واستغلالهم في فترة الانتخابات، فينقسم المجتمع إلى عدة أقسام، كل حاكم حزبي لديه جمهوره المسير، لكن بعد انتهاء التصويت ودخول مرحلة تقسيم المناصب، تتجرد العقول السياسية من كل قدسية أخلاقية أو دينية، فتكون ممارسة على أساس المصلحة، لا طموح للخير أو الفضيلة فيها.

إذًا فبعد أن يسيطر الغباء على المجتمع، ويصبح غير المألوف مألوفًا لدى العامة، يكون من السهل للساسة التسلق للوصول للسلطة، فهم تجردوا من الضمير الحيّ، وتزاوجوا مع الحيوانية بكامل عنفوانهم؛ لأن الإنسان يمكن أن يعيش بكلية واحده، أو بقلب اصطناعي، لكنه لا يمكن أن يعيش بنصف ضمير.

الأهم: متى سيخرج مجتمعنا من ظلام الغباء، ويرى بعين الذكاء تصالح القادة والأعداء، وتراقصهم على جثث الشهداء؟

محمد جواد الميالي

————————

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها