نشر : September 26 ,2018 | Time : 10:30 | ID 128340 |

مشروعية قيام الرايات والدول قبل ظهور القائم

شفقنا العراق-هناك إشكالية تُثار في بعض الأوساط العامَّة، بل والخاصَّة أحياناً، مفادها: أنَّ كلَّ راية تُرفَع قبل قيام القائم عليه السلام هي راية ضلالة وانحراف، ممَّا يُحتِّم علينا عدم نصـرة هذه الرايات، وعدم القيام بالثورات، ولا دعمها، بل وتقويضها أحياناً، لأنَّها راية انحراف وفساد، وكذلك عدم إقامة نظام حكم ودولة في عصر الغيبة، هذا من جانب.

ومن جانب آخر أنَّ هذا قد يُصادم بعض الثوابت الإسلاميَّة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حكم الله في الأرض، وقاعدة الإرشاد، ووجوب إحقاق الحقِّ، ودفع الباطل، ونصـرة المظلومين، والقضاء علىٰ الظالمين، أو منعهم من الظلم، وتطبيق أحكام الله الإجرائية، كالقضاء والقصاص والحدود. وهذا لا يتمُّ بأعلىٰ مراتبه أو لا يتمُّ أساساً عادةً إلَّا من خلال قيام سلطة شرعية علىٰ رأس الدولة أو الحكم قبل قيام القائم عجَّل الله فرجه الشريف.

فكيف نحلُّ هكذا إشكالية؟ وما هو المراد من الراية والقيام؟ وهل ذلك ينافي إقامة دولة دينية في عصر الغيبة الكبرىٰ؟ وما هي وظيفتنا تجاه تلك الدول الدينية سلباً أو إيجاباً؟

والبحث في المقام يقع في محورين:

المحورالأوَّل: عرض روايات المنع ونقدها.

المحور الثاني: شبهة العجز عن إقامة دولة‌.

المحور الأوَّل: عرض روايات المنع ونقدها:

وردت عدَّة روايات تدلُّ علىٰ أنَّ كلَّ راية تُرفَع قبل قيام الإمام القائم (عليه السلام) هي راية انحراف، فهي بظاهرها تدعم فكرة عدم إقامة نظام حكم قبل قيام القائم (عجَّل الله قيامه).

وهناك روايات تدعم هذه الفكرة غير تلك الروايات المصـرِّحة بذلك المعنىٰ، لذا نعرض هذه الروايات بطائفتين:

الطائفة الأُولىٰ: روايات منع قيام راية قبل قيام القائم عليه السلام، وهي ما ورد فيها لفظ «كلُّ راية تُرفَع…».

الطائفة الثانية: روايات ظاهرها منع القيام بالسيف أو إقامة نظام حكم قبل القائم عليه السلام، وهي علىٰ ألسن مختلفة.

أمَّا الطائفة الأُولىٰ، ففيها روايات، أهمّها:

الرواية الأُولىٰ:

(وهي العمدة في الاستدلال) ما رواه الشيخ الكلينيّ في روضة الكافي (1): عنه – أي محمّد بن يحيىٰ -، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن‌ عيسىٰ، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام؛ قَالَ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)».

الكلام في الرواية سنداً ودلالةً:

أمَّا سنداً:

فلا إشكال في وثاقة الكليني، ومحمّد بن يحيىٰ العطّار، وأحمد بن محمّد الأشعري، والحسين بن سعيد الأهوازي، وحمّاد بن عيسىٰ، وأبي بصير. وإنَّما الكلام في الحسين بن المختار.

الأقوال فيه:

1 – النجاشي في رجاله(2): (الحسين بن المختار أبو عبد الله القلانسـي، كوفي، مولىٰ أحمس…، له كتاب يرويه عنه حمّاد بن عيسىٰ وغيره…)، ثمّ ذكر طريقه الصحيح إلىٰ كتاب الحسين بن حمّاد برواية حمّاد بن عيسىٰ.

2 – الشيخ في الفهرست(3): (له كتاب)، ويذكر طرقه إلىٰ كتاب حسين بن المختار، منها عن طريق محمّد بن يحيىٰ وأحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن الحسين بن المختار.

3 – الشيخ في الرجال(4): عدَّه في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام)، ووصفه بالكوفي؛ وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام)، وصفه: (واقفي، له كتاب).

4 – عدَّه البرقي في أصحاب الصادق (عليه السلام)(5).

5 – عدَّه الشيخ المفيد في الإرشاد – في فصل من روىٰ النصَّ علىٰ الرضا علي بن موسىٰ (عليه السلام) بالإمامة من أبيه، والإشارة إليه منه بذلك -، من خاصَّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته(6).

6 – حكىٰ العلَّامة في الخلاصة(7)، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسين: (إنَّه كوفي، ثقة)، لكن العلَّامة ذكره في فصل الحاء من الباب الثاني من القسم الثاني، وترك العمل بروايته من جهة بنائه علىٰ أنَّه واقفي.

والصحيح وثاقة الرجل لأُمور:

1 – ما قاله الشيخ المفيد من أنَّه من خواصِّ الإمام الكاظم (عليه السلام)، وثقاته، ومن أهل الورع والفقه من شيعته.

2 – روىٰ عنه محمّد بن أبي عمير الذي لا يروي إلَّا عن ثقة كما هو الصحيح (8) .

3 – ورد في كامل الزيارات بناءً علىٰ كبرىٰ وثاقة من ورد فيه، وإن كنّا لا نرىٰ إلَّا وثاقة المشايخ المباشرين كما بحثنا في محلِّه(9).

قد يقال: إنَّه واقفي، فلا يُوثَّق.

ويردّه: أوَّلاً: أنَّ الوقف لا يمنع العمل بالرواية بعد كون راويها ثقة، والحسين بن المختار ثقة كما عرفت من النقاط أعلاه.

ثانياً: أنَّه لم يثبت وقفه الذي ادَّعاه الشيخ، وذلك لشهادة المفيد بأنَّه من أهل الورع من الشيعة.

وممَّا يُؤيِّد ذلك أنَّه روىٰ الكليني في الكافي (ج 1/ كتاب الحجَّة 4/ باب الإشارة والنصّ علىٰ أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح 9) بسند صحيح عن الحسين بن المختار وصيَّة الكاظم (عليه السلام) إلىٰ أبي الحسن الرضا (عليه السلام)؛ ورواه الصدوق بسندين صحيحين مثله في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)/ باب نصّ أبي الحسن‌ موسىٰ بن جعفر (عليه السلام) علىٰ ابنه الرضا علي بن موسىٰ بن جعفر (عليه السلام) بالإمامة والوصيَّة 4/ ح 23 و24)، وهذا لا يجتمع مع وقفه.

فالصحيح أنَّه إمامي ثقة، فروايته صحيحة.

أمَّا دلالة الرواية:

فيمكن المناقشة في دلالة الرواية علىٰ حرمة كلّ راية قبل قيام القائم (عليه السلام) بعدَّة أُمور، أهمّها:

الأوَّل: أنَّ التعبير بالطاغوت، وأنَّه يُعبَد من دون الله يُعطي معنىٰ الصنمية والطغيان والحالة الفرعونية، وهذا يناسب فرض كون خروجه لنفسه، لا بنيَّة تسليم الأمر إلىٰ الإمام المعصوم (عليه السلام)؛ فمن الطبيعي أن يكون خروجه حراماً، فلا تكون الرواية مطلقة، بل خاصَّة بالخروج السلبي، أو الراية السلبية، أو الدولة الجائرة.

الثاني: من المحتمل أن تكون الرواية لبيان حكم قضيَّة خارجية، فيكون الذمُّ والمنع خاصَّاً بمن رفع رايات خاصَّة وبأوصاف خاصَّة، ممَّا دعىٰ الإمام إلىٰ إطلاق هكذا رواية، فلا تشمل كلّ الرايات.

الثالث: أنَّ كثيراً من الأعلام وخصوصاً المتقدِّمين، كالنعماني في غيبته، أورد هذا المعنىٰ من الروايات في باب ادِّعاء الإمامة من الله تعالىٰ، أي ادِّعاء أنَّه من الأئمَّة المعصومين المنصوصين من النبيِّ الأعظم (صلّىٰ الله عليه وآله)، وهكذا ادِّعاء لا إشكال في بطلانه، أمَّا لو لم تكن الدعوىٰ بهكذا أمر فلا تشملها الرواية.

الرابع: أنَّ هذه الصحيحة معارضه أو مخصصة بصحيحة العيص بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَىٰ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ فِيهَا الرَّاعِي، فَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ بِغَنَمِهِ مِنَ الَّذِي هُوَ فِيهَا، يُخْرِجُهُ ويَجِي‌ءُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ بِغَنَمِهِ مِنَ الَّذِي كَانَ فِيهَا، وَاللهِ لَوْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ نَفْسَانِ يُقَاتِلُ بِوَاحِدَةٍ يُجَرِّبُ بِهَا، ثُمَّ كَانَتِ الْأُخْرَىٰ بَاقِيَةً تَعْمَلُ عَلَىٰ مَا قَدِ اسْتَبَانَ لَهَا، وَلَكِنْ لَهُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، إِذَا ذَهَبَتْ فَقَدْ وَاللهِ ذَهَبَتِ التَّوْبَةُ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ، إِنْ أَتَاكُمْ آتٍ مِنَّا فَانْظُرُوا عَلَىٰ أَيِّ شَيْ‌ءٍ تَخْرُجُونَ، وَلَا تَقُولُوا: خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً، وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَىٰ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَىٰ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّىٰ الله عليه وآله)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَىٰ بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَىٰ سُلْطَانٍ‌ مُجْتَمِعٍ لَيَنْقُضَهُ، فَالْخَارِجُ مِنَّا الْيَوْمَ إِلَىٰ أَيِّ شَيْ‌ءٍ يَدْعُوكُمْ، إِلَىٰ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَنَحْنُ نُشْهِدُكُمْ أَنَّا لَسْنَا نَرْضَىٰ بِهِ، وَهُوَ يَعْصِينَا الْيَوْمَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَهُوَ إِذَا كَانَتِ الرَّايَاتُ وَالْأَلْوِيَةُ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُسْمَعَ مِنَّا، إِلَّا مَنِ اجْتَمَعَتْ بَنُو فَاطِمَةَ مَعَهُ، فَوَاللهِ مَا صَاحِبُكُمْ إِلَّا مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ رَجَبٌ فَأَقْبِلُوا عَلَىٰ اسْمِ اللهِ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَتَأَخَّرُوا إِلَىٰ شَعْبَانَ فَلَا ضَيْرَ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَصُومُوا فِي أَهَالِيكُمْ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَقْوَىٰ لَكُمْ، وكَفَاكُمْ بِالسُّفْيَانِيِّ عَلَامَةً»(10).

فإنَّ التعليل الوارد في مشـروعية ثورة زيد (عليه السلام) هو عامٌّ، ودالٌّ علىٰ المشـروعية مع توفّر صفات خاصَّة بالثورة، «فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً، وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَىٰ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَىٰ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّىٰ الله عليه وآله)»، فتُخصِّص إطلاق تلك الرواية، أو تعارضها وتُسقِطها.

وَفِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ: عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَىٰ المُكَتِّبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَىٰ الصَّوْلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ النَّحْوِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُبْدُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ قَالَ‌ لِلْمَأْمُونِ: «لَا تَقِسْ أَخِي زَيْداً إِلَىٰ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّىٰ الله عليه وآله)، غَضِبَ للهِ، فَجَاهَدَ أَعْدَاءَهُ حَتَّىٰ قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ عَمِّي زَيْداً، إِنَّهُ دَعَا إِلَىٰ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ ظَفِرَ لَوَفَىٰ بِمَا دَعَا إِلَيْهِ، لَقَدِ اسْتَشَارَنِي فِي خُرُوجِهِ فَقُلْتُ: إِنْ رَضِيتَ أَنْ تَكُونَ المَقْتُولَ المَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ فَشَأْنَكَ…»، إِلَىٰ أَنْ قَالَ: فَقَالَ الرِّضَا (عليه السلام): «إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ كَانَ أَتْقَىٰ للهِ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ قَالَ: أَدْعُوكُمْ إِلَىٰ الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّىٰ الله عليه وآله)»(11).

و غيرهما، ممَّا دلَّ علىٰ تقديس قيام زيد وأمثاله من الثوار، ممَّن كانت دعوتهم إلىٰ الحقِّ، ومنها قيام الحسين بن علي شهيد فخّ، ولم يُعرَف من أئمَّتنا (عليهم السلام) رواية تدلُّ علىٰ قدحه، بل وردت روايات مستفيضة ظاهرة في تقديسه وتقديس قيامه، ذكرها في مقاتل الطالبيين(12).

الخامس: أنَّ هناك روايات تدلُّ علىٰ أنَّ هناك رايات حقٍّ قبل القائم (عليه السلام)، منها هذه الروايات:

1 – في غيبة النعماني بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في خبر طويل في علامات الظهور: «وليس في الرايات راية أهدىٰ من اليماني، هي راية هدىٰ، لأنَّه يدعو إلىٰ صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح علىٰ الناس وكلِّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنَّ رايته راية هدىٰ، ولا يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلىٰ الحقِّ وإلىٰ طريق مستقيم»(13).

فظاهر الخبر أنَّ هذه الراية راية حقٍّ، وأنَّها قبل قيام الإمام القائم (عليه السلام)، فلا يبقىٰ إطلاق في الخبر المانع، فكلُّ راية داعية إليه وممهِّدة لظهوره، لا مانع منها، ويجب إسنادها.

2 – في كتاب الغيبة أيضاً بسنده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشـرق يطلبون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطَونه، فإذا رأوا‌ ذلك وضعوا سيوفهم علىٰ عواتقهم، فيُعطَون ما سألواه فلا يقبلونه حتَّىٰ يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلىٰ صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(14).‌

والخبر واضح الدلالة علىٰ أنَّ هذا القيام قيام حقٍّ، وهو قبل قيام القائم (عليه السلام)، فلا يبقىٰ إطلاق للرواية.

3 – في سنن ابن ماجة في حديث عن رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله): «إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علىٰ الدنيا، وإنَّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشـريداً وتطريداً، حتَّىٰ يأتي قوم من قِبَل المشـرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يُعطَونه، فيقاتلون فيُنصَـرون، فيُعطَون ما سألوا، فلا يقبلونه حتَّىٰ يدفعوها إلىٰ رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً علىٰ الثلج»(15).

4 – وفي سنن ابن ماجه أيضاً: قال رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله): «يخرج ناس من المشـرق، فيُوطِّئون للمهدي» يعني سلطانه(16).

5 – وفي البحار عن تاريخ قم بسنده عن أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام)، قال: «رجل من أهل قم يدعو الناس إلىٰ الحقِّ، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، ولا يملّون من الحرب، ولا يجبنون، وعلىٰ الله يتوكَّلون، والعاقبة للمتَّقين»(17).

6 – وفيه أيضاً عن تاريخ قم: روىٰ بعض أصحابنا، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً، إذ قرأ هذه الآية: ((فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً 5)) [الإسراء: 5]، فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء؟ فقال – ثلاث مرّات -: «هم والله أهل قم»(18).

7 – وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) يقول: «لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون علىٰ الحقِّ ظاهرين إلىٰ يوم القيامة»(19).

8 – وفيه أيضاً بسنده عن جابر بن سمرة، عن النبيِّ (صلّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال: «لن يبرح هذا الدين قائماً، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتَّىٰ تقوم الساعة»(20).

إلىٰ غير ذلك من الأخبار.

السادس: أنَّ الصحيحة لو قيل بإطلاقها فإنَّ طرحها واجب، لأنَّها معارضة لمحكمات الكتاب والسُّنَّة الواردة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فإنَّ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا إشكال في وجوبه إلىٰ يوم القيامة، والقول بإطلاق الرواية يمنع من القيام بهذه الوظائف في بعض مراتبها.

وسيأتي بعض بيان لهذه النقطة في المحور الثاني.

بل قد يجب ذلك حتَّىٰ لو فُرِضَ عدم القدرة علىٰ العمل إلَّا في ظلِّ راية الباطل، بشـرط عدم تأييد الباطل أو نصرته، بل الدفاع عن الحقِّ فقط، ولو في ظلِّ دولة الانحراف.

ففي خبر يونس، قال: سأل أبا الحسن (عليه السلام) رجل وأنا حاضر، فقال له: جُعلت فداك، إنَّ رجلاً من مواليك بلغه أنَّ رجلاً يُعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله، فأتاه فأخذهما منه، وهو جاهل بوجه السبيل، ثمّ لقيه أصحابه فأخبروه أنَّ السبيل مع‌ هؤلاء لا يجوز، وأمروه بردِّهما، قال: «فليفعل»، قال: قد طلب الرجل فلم يجده، وقيل له: قد قضـىٰ الرجل؟ قال: «فليرابط ولا يقاتل»، قال: مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ فقال: «نعم»، قال: فإن جاء العدوُّ إلىٰ الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: «يقاتل عن بيضة الإسلام»، قال: يجاهد؟ قال: «لا، إلَّا أن يخاف علىٰ دار المسلمين، أرأيتك لو أنَّ الروم دخلوا علىٰ المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟»، قال: «يرابط ولا يقاتل، وإن خاف علىٰ بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان، لأنَّ في دروس الإسلام دروس دين محمّد (صلّىٰ الله عليه وآله)»(21).

السابع: إنَّ إطلاق الرواية إلغاءٌ لصلاحيات الفقيه في عصـر الغيبة، بناءً علىٰ أدلَّة النيابة العامَّة عن المعصوم أو القيام بالجهاد – خصوصاً الابتدائي لمن يرىٰ ذلك -، ووجوب القضاء، ووجوب إقامة الحدود والقصاص، وإقامة العدل بين الناس، والحال أنَّ بعض تلك الواجبات لا تُقام إلَّا إذا كان هناك دولة علىٰ رأسها الفقيه أو يشرف عليها الفقيه .

الثامن: أنَّه خلاف ضـرورة الانتظار الإيجابي، والتمهيد لدولة الامام القائم (عليه السلام)، من خلال تقوية البنىٰ العامَّة لأهل الحقِّ، وتقليص وتحجيم دول الباطل، والقيام بالوظائف الشرعية.

التاسع: أنَّ إطلاق الرواية خلاف سيادة دين الإسلام، وهو دعوىٰ إلىٰ الانزواء، وأنَّ الدين ليس نظام دولة، وإنَّما نظام مسجد وعبادة، ممَّا يقوّي شوكة اللادينيين، ويُضعِّف شوكة المؤمنين.

الرواية الثانية:

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبَاحٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَىٰ الْحُسَيْنِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ رَايَةِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»(22).

الرواية الثالثة:

وأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ بِقُمّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ الرَّازِيُ،‏ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»(23).

الرواية الرابعة:

وأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبَنْدَنِيجِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَىٰ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ – أَوْ قَالَ: تَخْرُجُ – قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»(24).

وهذه الروايات الثلاثة يرد علىٰ دلالتها ما ورد علىٰ الرواية الأُولىٰ، فلا نُكرِّر. بالاضافة إلىٰ النقاش في بعض أسانيدها ورجالها لم نذكرهم دفعاً للإطالة من جهة، ولتطابق مضمونها الذي يوجب الاطمئنان بصدورها من جهة أُخرىٰ، وهذه الروايات الثلاثة كلّها من غيبة النعماني (رحمه الله).

الطائفة الثانية:

روايات ظاهرها منع إقامة نظام حكم قبل القائم (عليه السلام)، ولكنَّها روايات غير تامَّة دلالةً، لأنَّ الخطاب فيها عادةً إمَّا إلىٰ شخص معيَّن أو أشخاص بنحو القضيَّة الخارجية لا الحقيقية، فلا خطاب عامّ بها، فيحتمل فيها أنَّ الخروج كرأس وإمام أصل كإمامة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، فلا إطلاق بها للمنع، بالإضافة إلىٰ ضعف سند بعضها.

و ذلك من قبيل:

1 – الرواية التامَّة سنداً عن سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو علىٰ رجلك»(25).

2 – رواية جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يا جابر، الزم الأرض، ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّىٰ ترىٰ علامات أذكرها لك إن أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العبّاس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عنّي، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق…».

ولهذه الرواية سند تامٌّ – علىٰ الأصحّ – في (غيبة النعماني) كالتالي: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي(26).

والكلام في ابن أبي المقدام وجابر الجعفي، وقد روىٰ عنهما بعض المشايخ الثلاثة، فهما تامّان، ولقرائن أُخرىٰ.

وكون جابر (مخلطاً) كما عبَّر النجاشي لا يضـرُّ، إذ المقصود بالاختلاط الوارد في كلام النجاشي هو الجنون علىٰ الأرجح، وهو الذي تظاهر به فترة من الزمن، كما ورد في الكافي(27).

3 – رواية عمر بن حنظلة التامَّة سنداً، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني»، فقلت: جُعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا…»(28).

4 – رواية عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن الفضل بن سليمان الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: «ليس لكتابك جواب، اخرج عنّا…»، إلىٰ أن قال: «إنَّ الله لا يعجل لعجلة العباد، ولَإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة ملك لم ينقضِ أجله…»، إلىٰ أن قال: قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك، جُعلت فداك؟ قال: «لا تبرح الأرض يا فضل، حتَّىٰ يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا – يقولها ثلاثاً -، وهو من المحتوم»(29).

وغيرها.

المحور الثاني: شبهة العجز عن إقامة دولة وجوابها‌:

هناك شبهة تقول: إنَّه لا يمكن أن نُقيم دولةً في زمن الغيبة قبل قيام القائم (عليه السلام)؛ وذلك لأنَّ المعصوم غير حاضر، والدولة تحتاج إلىٰ حضور المعصوم.

فهل عدم وجود المعصوم مانع من قيام دولة دينية؟

هل هذا صحيح حتَّىٰ مع وجود مرجعية مبسوطة اليد؟

وهذا كلامنا علىٰ مستوىٰ التنظير، ولا ننظر إلىٰ الدول القائمة خارجاً، سواء الآن أو ماضياً أو مستقبلاً.

الجواب:

إنَّ قيام نظام ودولة أمرٌ لا بدَّ منه، وإلَّا لاختلَّ النظام العامّ، وهذا أمر ممنوع عقلاً وعقلائياً وشرعاً، بل وفطرةً.

فإنَّ لابدّية إقامة نظام حكم لا بدَّ منه، سواء كان القائمون به ملتزمون أو غير ملتزمين، فلا خصوصية لهؤلاء أو هؤلاء لإقامة نظام حكم من حيثية أصل الإقامة، وإنَّما الخلاف في نظام الحكم وأسالبيه فحسب.

وبما أنَّ فرصة إقامة النظام متوفِّرة للجميع، فلا يُفرَّق بين المؤمنين وغير المؤمنين من حيث إقامة النظام، وتوفير فرصة لحياة نظامية.

فليس من الصحيح إذن أن نقول: إنَّ نظام الحكم يمكن أن يقيمه العلماني أو اللاديني، ولا يمكن أن يقيمه الديني.

فأصل القدرة علىٰ التشكيل لنظام حكم متوفِّرة بلا إشكال، فلا خصوصية للكافر أو المسلم من هذه الناحية، إذ أنَّ أسباب النجاح متوفِّرة وموزَّعة بعدالة علىٰ البشـر، كما قال تعالىٰ: ((كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً 20)) (الإسراء: 20)، وقوله تعالىٰ: ((رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً)) (غافر: 7)، وقوله تعالىٰ: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ 15)) (الملك: 15)، وقوله تعالىٰ: ((وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ …)) (الزخرف: 33).

فلا انحصار للنعم بيد الكفّار، كما هو ظاهر الآيات الكريمة.

بل لعلَّ هناك امتيازاً للمؤمنين أحياناً بالنعم المادّية والمعنوية، كقوله تعالىٰ: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 32)) (الأعراف: 32).

وغيرها من الآيات.

فلا انفراد لفئة دون فئة بالإمكانيات المادّية والمعنوية، التي تكون أساساً لإقامة الحكم، فما يقوله اللادينيون بأنَّ الدينيين لا يصحُّ أن يُقيموا حكماً غير صحيح، فلا مدخلية للمعتقد في ذلك، وإنَّما يقولونه لكي يستفردوا بالسلطة، ويعيثوا في الأرض فساداً، مادّياً ومعنوياً.

فإنَّ الإيمان ليس سبباً لخلق العجز عند الإنسان، بل علىٰ العكس من ذلك، فهو يخلق في الإنسان روح التحدّي والصمود والصبر وقوَّة التحمّل، ويدعوه الىٰ العمل الجادِّ، ويُجنِّبه من كلِّ لهو وعبث، بل إنَّ إيمانه يدعوه إلىٰ إتقان العمل، وتقديمه بإخلاص وتفاني، لأنَّه يرجو أجراً آخراً يوم القيامة.

وكون الإمام المعصوم غائباً لا يكون مانعاً عن إقامة النظام، ولو من باب (ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك كُلّه).

بل إنَّ إقامة النظام الديني قد يكون واجباً، من باب إقامة أحكام الله (عزَّ وجلَّ)، ولو بنحو الموجبة الجزئية، إذا امتنع إيجادها بنحو الإيجاب الكلّي، وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاهدة علىٰ ذلك، كما أنَّ إقامة الحدود والقصاص والانتصاف للمظلوم بالقضاء شاهد آخر، وهذه الأُمور يصعب إقامتها بلا نظام ديني عملي.

كما أنَّ منع إقامة نظام ديني، يؤدّي إلىٰ هيمنة الخطّ اللاديني علىٰ المقدّرات العامَّة للبلاد والعباد، ممَّا يؤدّي إلىٰ دخول الناس أفواجاً في حزب الشيطان لا في حزب الرحمن.

فالظروف وإن لم تكن مؤاتية لإقامة النظام الأكبر والأتمّ، إلَّا أنَّ الظروف مؤاتية لإقامة ما هو أقلّ، تحت قيادة نائبة كما نصَّت الروايات، وهذه القيادة تُمهِّد لظهور القيادة التامَّة، تحت لواء صاحب العصر والزمان (عليه السلام).

فليس من الصحيح أن نحصـر إقامة الحكم في صورة قيام القائم (عليه السلام) فقط، بل نتوسَّع إلىٰ ما هو أكثر تمهيداً للقائم (عليه السلام).

فيجب بذلك القيام بالوظيفة الشـرعية تجاه إقامة أحكام الدين وحماية المؤمنين والثروات وغيرها، من خلال تأمين نظام يقوده الفقهاء العدول، مع الخبرات في كلِّ مجال، كما هو حاصل في بعض الدول المعاصرة.

فالوظيفة الشـرعية تُحتِّم القيام بالمسؤولية الدينية تجاه الأُمور الواقعة، التي هي مسؤولية القائد، والنخب، والرعيَّة.

فيجب حينئذٍ علىٰ المؤمنين العمل علىٰ تشكيل الحكومة الإسلاميَّة، والقيام بها علىٰ الكفاية، حين تتحقَّق ظروفها، في أيَّة بقعة من بقاع الأرض.

وبعبارة ثانية:

ما هو موقفنا من تأسيس دولة دينية في زمن غياب المعصوم (عليه السلام)؟

إنَّ الجواب لا يخلو من وجوه ثلاثة:

الوجه الأوَّل:

أن تُترَك إقامة الحكومات إلىٰ اللادينيين من علمانيين، أو ليبراليين، أو ملحدين، من ظلمة وفاسقين وكافرين، فيحكموا البلاد والعباد، بلا تدخّل من الدين والدينيين.

وهذا القول خلاف خاتمية الشـريعة، بل خلاف كلِّ الأديان السماوية، التي هي لصلاح الدارين، كما أنَّه تسويغ لنشـر الأفكار الظالَّة والمنحرفة، وسيادة القوانين الوضعية واللادينية، وتقوية الاتِّجاه اللاديني.

فلا يمكن الالتزام بذلك إطلاقاً.

فكيف نقبل لدين جاء لإنقاذ البشـرية، أن يُسلِّم بلاد الإسلام والمسلمين بيد الفاسق والظالم والكافر؟

الوجه الثاني:

أن نفترض أنَّ موقف الدين هو رفض وجود دولة وحكومة ونظام بلا وجود المعصوم (عليه السلام)، وهذا كلام لا يصحُّ ولا يُقبَل من إنسان عاقل كما بيَّنا، فهذا الاحتمال واضح البطلان.

الوجه الثالث:

وبه ينحصـر الأمر، وهو أنَّه لا بدَّ من إقامة دولة الإسلام في كلِّ آنٍ ولو تعذَّر وجود المعصوم (عليه السلام)، فالأمر ينحصـر في أفضل الموجودين، وهي المرجعية النائبة، كما نصَّت الروايات التي بُحثت في محلِّها، الدالَّة إمَّا علىٰ الولاية المطلقة، أو الولاية الحسبية، أو غيرها من النظريات.

فالشريعة فيها جوانب فردية، كأكثر العبادات.

وفيها جوانب جمعية، كبعض العبادات، وأكثر المعاملات.

وفيها جوانب تطبيقية وإجرائية، أي جنبة تنفيذية، لا بدَّ من وليٍّ يقيمها، وهذا هو نظام الدولة، والذي يُعبَّر عنه بالسياسات، كالنظام القضائي، ونظام الحدود والقصاص، ونظام الحرب والسلم، وغيرها.

وهذه الجنبة الأخيرة هي نظام دولة أكثر من غيرها، وإن كان غيرها بالنظرة الدقّية قد يدخل في فقه الدولة أيضاً، كالنظام الاقتصادي – الخمس والزكاة وغيرها -، والاجتماعي كالزواج والطلاق وغيرها، والسياسي كصلاة الجمعة وخطبتيها الساسية وغيرها، والعسكري والأمني كالجهاد والمرابطة وغيرها.

وأبواب الفقه أكثرها فيها نظام دولة، ولا بدَّ من وليِّ يديرها.

فمثلاً الجهاد، فهو عمل جماعي لا يمكن أن يتحقَّق إلَّا أن يكون وليّ الأمر علىٰ رأسه غالباً، ولا شكَّ في وجوب الجهاد في الجملة في زمن حضور المعصوم (عليه السلام) وفي غيبته، كما هو رأي الفقهاء وإن كان هناك خلاف في الجهاد الابتدائي أو الهجومي.

فكثير من الموارد يُحتاج إلىٰ إقامتها إلىٰ نظام وسلطة ودولة، علىٰ رأسها سلطة شرعية، تملك السلطات الثلاثة: التشـريعية والتنفيذية والقضائية، بغضِّ النظر عن النظرية بالحكم، ومدىٰ تلك الصلاحيات، فإنَّ تفصيل ذلك ليس من البحث.

وكذلك إقامة نظام القضاء والحدود والقصاص، يحتاج إلىٰ نظام ودولة وسلطة إجرائية تُنفِّذه.

وكذلك الحفاظ علىٰ معالم الدين وشعائره، كالحجِّ مثلاً، فإنَّ هناك روايات تدلُّ دلالة واضحة علىٰ ارتباط أداء هذه الفريضة بوجود حكومة قائمة ووليِّ أمر.

فعن الصادق (عليه السلام): «لو عطَّل الناسُ الحجَّ، لوجب علىٰ الإمام أن يجبرهم علىٰ الحجِّ…»(30).

وعن الصادق (عليه السلام) أيضاً: «لو أنَّ الناس تركوا الحجَّ، لكان علىٰ الوالي أن يجبرهم علىٰ ذلك وعلىٰ المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبيِّ (صلّىٰ الله عليه وآله) لكان علىٰ الوالي أن يجبرهم علىٰ ذلك وعلىٰ المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين»(31).

إنَّ إجبار الناس والإنفاق عليهم من بيت مال المسلمين، يستدعي وجود إمام مبسوط اليد، وله ولاية فعلية.

فهذه نماذج من ضرورة الدولة والحاكم الشـرعي في زمن الغيبة، بحسب الضوابط الشـرعية، وبما توصلنا الأدلَّة من حدود وصلاحيات.

الشيخ محمد رضا الساعدي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع


المصادر:

 ([1]) الكافي 8: 295/ ح 452.

([2]) رجال النجاشي: 54/ الرقم 123.

([3]) الفهرست: 107/ الرقم (205/2).

([4]) رجال الطوسي: 183/ الرقم (2211/68)، 334/ الرقم (4972/3).

([5]) رجال البرقي: 26.

([6]) الإرشاد 2: 248.

([7]) خلاصة الأقوال: 337 و338/ قسم 2/ باب 2/ الرقم 1.

([8]) كما حقق في محله من كتابي (تطبيقات رجالية)

([9]) المصدر السابق .

([10]) الكافي 8: 264/ ح 381.

([11]) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 225 و226/ باب 25/ ح 1.

([12]) مقاتل الطالبيين: 288.

([13]) الغيبة للنعماني: 264/ باب 14/ ح 13.

([14]) الغيبة للنعماني: 281/ باب 14/ ح 50.

([15]) سنن ابن ماجة 2: 1366/ ح 4082.

([16]) سنن ابن ماجة 2: 1368/ ح 4088.

([17]) بحار الأنوار 57: 216/ ح 37.

([18]) بحار الأنوار 57: 216/ ح 40.

([19]) صحيح مسلم 1: 95.

([20]) صحيح مسلم 6: 53.

([21]) الكافي 5: 21/ ح 2، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

([22]) الغيبة للنعماني: 114 و115/ باب 5/ ح 9.

([23]) الغيبة للنعماني: 115/ باب 5/ ح 11.

([24]) الغيبة للنعماني: 115/ باب 5/ ح 12.

([25]) الكافي 8: 264/ ح 383.

([26]) الغيبة للنعماني: 288 و289/ باب 14/ ح 67.

([27]) الكافي 1: 396/ ح 7.

([28]) الكافي 8: 310/ ح 483.

([29]) الكافي 8: 274/ ح 412، عنه وسائل الشيعة 15: 52/ باب 13/ ح 19968.

([30]) الكافي 4: 272/ ح 2.

([31]) الكافي 4: 272/ ح 1.

www.iraq.shafaqna.com/ انتها