نشر : September 17 ,2018 | Time : 12:23 | ID 127310 |

من فلسفة إحياء عاشوراء

شفقنا العراق-احتفاء الامم بعظمائها سيرة عقلائية بل فطرية لانها تندردج ضمن العرفان بالجميل وهو من الامور التي فُطِرَ الانسان عليها ،ولكن ضع في خلدك ان علاقتنا بالامام الحسين ع ليست كعلاقتنا بسائر العظماء المصلحين والقادة والثوار الأحرار انما في الدرجة الاساس وقبل كل شيء تربطنا به سلام الله عليه علاقة المأموم بالامام المفترض الطاعة ،لذا كل كلمة وكل فعل وكل امضاء للامام الحسين عليه السلام هو حجة علينا فينبغي استحضار ذلك كله في وجداننا حتى تصبح ثقافة عاشوراء وعيا شعبيا جماهيريا لا في عاشوراء فقط بل في كل زمان وفي كل مكان هذا من جهة ، ومن أخرى فإن بعض  أحداث التاريخ تربطها وشائج صلة وثيقة بالمستقبل بل لا نغالي اذا قلنا أنها تساهم بفاعلية كبيرة في صناعة مستقبل أفضل فلولا الرصيد المعرفي والانساني الذي تستمده المجتمعات من التاريخ لما تقدمت خطوة واحدة في أي علم او فن ،والامر سيان في التجارب الاجتماعية والانسانية ،وثورة عاشوراء قد اختزلت الكثير من القيَم الإنسانية والاصلاحية والايمانية وبكمٍ وكيفٍ لن تجد نظيره في أي حدث تاريخي آخر ..والتاريخ الذي هذا شأنه حري به أن يبقى حيا في وجدان الأمة ما بقي الليل والنهار .

مع ذلك لقائل أن يقول: ان قِيَم ومبادئ عاشوراء الانسانية والاصلاحية والثورية …الخ انما تترسخ في النفوس من خلال التعريف بها بعقد الندوات البحثية والمجالس العلمية التي تفصح للشعوب عن أهميتها ،فما نفع البكاء ومجالس الندبة ومواكب العزاء؟

وللجواب على ذلك نكتفي بتذكير القارىء الكريم بثلاثة أمور:

الأمر الأول: إن ذكر مصاب الامام الحسين عليه السلام في نفسه يبعث على الحزن والأسى بل الجزع فليس في التاريخ من هو بعظمة الحسين ع وأصيب في نفسه وعياله بمصاب الامام الحسين فلا عجب بأن يُصاب الانسان بالجزع اذا ما اطلع على ما جرى في كربلاء ،بل هذا أمر لا مفر منه نظرا لما فُطِر عليه الانسان من عواطف ومشاعر جياشة ،وهذا ما عبَّرَت عنه أحاديث كثيرة من قبيل ما جاء في النبوي ” إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا” ثم يعَقِّب الامام الصادق عليه السلام على هذا الحديث بقوله : “بأبي قتيل كل عبرة ، قيل : وما قتيل كل عبرة يا بن رسول الله؟ قال : لا يذكره مؤمن إلا بكى”(1) وما جاء في وصفه ع في اكثر من زيارة بأنه “قتيل العبرات” فهذه النصوص تتكلم عن فطرة فُطر الانسان عليها ،وكربلاء التي هي أعظم حدث انساني مفجع في التاريخ تمثل اكمل مصداق لفاعلية هذه الفطرة.

الأمر الثاني: إن في ندبة الإمام الحسين ع جانب تعبُّدي يستند الى أدلة قطعية بالمنظار الفقهي وذلك نظرا الى تواتر الروايات الحاثة على ندبته والتي تَعِدُ بالثواب الجزيل والمقام الرفيع على ذلك ،بالإضافة الى روايات التأسي ،وهذه الروايات واردة بطرق صحيحة عند السنة والشيعة منها بكاء النبي ص على الامام الحسين ع(2) المروي في كتب الفريقين ،ومنها ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا: «كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكًا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه»(3) وهكذا روايات ثواب البكاء على مصيبة الامام ع وهي اجمالا متواترة .

الأمر الثالث: من ناحية علم النفس ،إن العوامل التي تؤثر في السلوك الاختياري للانسان لا تقتصر على المعرفة والعلم فقط بل هناك عامل آخر يؤثر في ذلك السلوك وبفاعلية لا تقل عن فاعلية المعرفة ألا وهو عامل (العاطفة ،الاحاسيس ،الميول ،الدوافع النفسية) فعامل المعرفة بمثابة الضوء الذي تستطلِع به أهدافك وما حولك أما العاطفة والأحاسيس فبمثابة الطاقة التي تتحرك بفعلها ،فالعلاقة بين هذين العاملين علاقة التكامل والتخادم كل واحد منهما مكَمِّلٌ للآخر وعاشوراء قد توفرت على كلا الجنبتين وبكمٍ وكيفٍ لا يضاهيه ما في أي قضية أخرى والهدف من المجالس والمواكب ايقاظ كلا الأمرين في نفوس الناس .

والخلاصة أن احياء عاشوراء هو تجديد لحياة الامام الحسين عليه السلام لنرتشف منها ما حَمَلَتْنا نفوسنا على متابعته في أحواله وقِيَمِه والا فبحره عميق الغور لا تناله الا النفوس الأوحدية ،ومن كل ذلك يتضح انه لا يصح الاكتفاء بالبحوث والندوات العلمية في احياء عاشوراء كما ينادي البعض لأن الانسان في تقويم سلوكه وفي تفاعله مع القيَم يحتاج الى كل من الفكر والعاطفة جنبا الى جنب.

أما ماهية تلك الدروس والقيم والمبادىء التي يغرسها عاشوراء وينميها في النفوس فليس أمام اي كاتب إلا الاعتراف بالعجز عن الاحاطة بها سواء من حيث الكم او الكيف ،انها مدرسة مترامية الأطراف ،عميقة الغور ،يرتشف منها كلٌ قدر وسْعِه ،والحسينيون أعرف الناس بذلك ،أما إذا كان لابد من وصفها فلابأس بالوقوف على بعض شواطئها ،وشتان بين من ذاق طعم السكر ومن اكتفى بحديث الناس عنه ..

في عاشوراء تتزاحم الصور التي تُجَسّد القيم على ارض الواقع بدل الاكتفاء بوصفها الذي اعتاده الفلاسفة والمتحذلقون ،كل صورة من عاشوراء هي صرخة مدوية أبد الدهر تقض مضاجع الانحراف ،وهي في الوقت ذاته منارة هدي للشعوب ،ترفع راية الاصلاح ،وتعرّي وتفضح الطغيان بشتى أشكاله: طغيان الاستبداد او طغيان الاموال والاقلام لافَرْق(4) .

فمن تلك الصور التي لا نظير لها في غير عاشوراء صورة الشباب الذي لا يساوم على مبادئه ولا يخفق قلبه في أحلك الظروف ،ذاب في حب الله فلا يهمه بل لا يلتفت الى ما قد يلقى من نصب او عناء في سبيل رسالته، يجد في حقانيته خير عزاء وسلوان وهو الذي اختصر علينا كل شيء بمقولته الخالدة “أولسنا على الحق؟ ..إذاً لا نبالي أَ وقعنا على الموت أو وقع الموتُ علينا” .

وصورة أخرى تتحطم عندها كل المقاييس إذ يبرز طفل في سنته الثانية عشرة – تقريبا – وحيدا لجيش قوامه الآلاف من الرجال المدججة بالسلاح ،فلم يتحجج بصغر سنه إذ هاجت الفتوة في قلبه عندما صارت مبادىءه في خطر  ،فارتجز فيهم انا القاسم ابن الحسن … اي تعاليم وشريعة تلك التي صنعتك يابن الأكارم .

أما الأخوة والوفاء فكان لها مشهدها الخاص في عاشوراء ومازالت معالم الكَفَّين القطيعين على شاطىء العلقمي شاهد صدقٍ على الايثار المنقطع النظير…

وفي صورة رابعة تصدرت المشهد امرأة طوَّعت الكون بعظيم ارادتها فصنعت فصولا من التاريخ تليق بمجدها وخدرها ،فعندما يكون الكلام عن زينب عليها السلام انما هو كلام عن الجزء الثاني من ثورة الامام الحسين ع ،ذلك الجزء الذي لو لاه لما آتت الثورة ثمارها ..

وهكذا في كربلاء تجد القائد القدوة كما تجد الطفل والشاب والمرأة وكلٌ منهم صنع من المجد ما هو حري ان يُقتدى به ما بقي من الناس باقية ،فمن يستطلِعُ مجموعة القيم والمفاهيم، والأحاديث، والأهداف، والدوافع، وأساليب العمل، والمعنويات والخُلق الرفيع الذي قيل أو فعل في ثورة كربلاء، أو الذي تجسد في أحداث تلك النهضة يجدها لا تقف عند فئة او مذهب معين انما تخاطب الانسان من حيث هو انسان مرة وعموم المتدين اخرى ،فعاشوراء في حقيقته شجاعة وعزة تحطم عروش الطواغيت وتقارع ظلمهم واستبدادهم ،عاشوراء ثورة الاصلاح التي تستأصل الفساد والطغيان من جذورهما ، عاشوراء تعني الفضيلة والتضحية لأجل المبادىء ،تعني الوفاء والايمان واليقين الذي تتزعزع له الجبال… باختصار لو اردنا تجسيد الانسانية بكل معانيها وقِيَمها ومبادئها العميقة فلا وِجْهَةَ لنا إلا صوب عاشوراء ؛لهذا وغيره نحييها في كل عام ،لانها ((مثال للقيم الإنسانية النبيلة كقيمة العدل والحرية والحق والجهاد والتضحية… فإحياء ذكرى الامام الحسين ع  إنما هو إحياء لجميع هذه القيم.

إن القيم لايمكن أن تحيى في قلوب الناس بشكل مجرد بل تحتاج إلى تجسيد حي ..ولذا نجد أن الله سبحانه يحيي في القرآن الكريم ذكرى الأنبياء والصالحين. مثل هابيل ونوح وإبراهيم ولقمان وأيوب (عليهم السلام) كي تحيى ـ باحيائهم ـ القيم التي جسدوها في حياتهم..فإحياؤنا لذكرى سيد الشهداء..الحسين بن علي(عليهما السلام) إحياء لكل تلك القيم النبيلة التي تمثلت في شخصه الكريم وفي أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين)) .

laithkarbalai@gmail.com

________

الهوامش

    مستدرك الوسائل ،ج10 ،ص318

    ظ: المستدرك ،الحاكم النيسابوري ،ج3 ،ص177 .

    الأمالي ،الشيخ الصدوق ،ص191 .

    الطغيان بمعنى مجاوزة الحد وقد ذكر القرآن الكريم صورا شتى من الطغيان منها: الاستبداد قال تعالى: “اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ” ،ومنها طغيان المال قال تعالى: “أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ” ،ومنها طغيان التضليل وافساد عقائد الناس قال تعالى: “قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } وفي آية أخرى: “أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَـٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ”، ووصف العقائد الضالة والمذاهب المنحرفة بالطاغوت “فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ” وفي القرآن صور أخرى للطغيان .

الشيخ ليث الكربلائي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها