نشر : September 17 ,2018 | Time : 09:34 | ID 127267 |

خاص شفقنا.. المناسبات الدينية؛ بين الإحياء والغلو وحجم التفاعل

خاص شفقنا-بيروت-خص الله عز وجلّ المسلمين بمناسبات دينية متعددة، وتعد هذه المناسبات من نعم الله على عباده  والإهتمام بهذه المناسبات هو بمثابة شكر على هذه النعم فجاء قوله تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ).

وتتنوع المناسبات بين أعياد مثل عيد الفطر وعيد الأضحى،وذكرى ولادة النبي الأكرم محمد “ص” وشهادته أو ذكرى شهادة أو ولادة الأئمة المعصومين عليهم السلام و صحابتهم. ولكل عيد أو ذكرى شعائر إحياء خاصة بها، نحسبها فرصة للتقرب من الله وتذكير للأمة بالقدوات والنماذج الصالحة، وتوثيق للتواصل بين أبناء الأمة وتاريخهم الإسلامي المجيد، وهي إطلالة على الصفحات المشرقة من سير الأولياء ولعل أبرزها إحياء الشعائر الحسينية.

في الماضي كانت الوسيلة المتاحة لتخليد ذكريات وسير الأنبياء والأئمة عليهم السلام هي التحدث الشفهي عنهم، بالخطابة أو إنشاد الشعر، وتلاوة كتب السير، والإجتماع في المنازل والقاعات وتوزيع الحلوى وتزين المنازل والطرقات التي كانت تتشح بألوان الفرح أو الحزن. أما الآن فقد توفرت وسائل أكثر تطوراً وتأثيراً في النفوس، وينبغي أن يستفاد منها في عرض حياة الأولياء، وإبراز مواقفهم المشرقة وأخذ العبر، ليملأوا بها نفوس ومشاعر الجيل المعاصر كقدوات رائدة، ونماذج للتأسي والإتباع. ومن أبرز تلك الوسائل:المسرح والفيلم والرواية والمنبر، واقتحام وسائل الإعلام الحديثة، كالقنوات الفضائية، وشبكات الإنترنت، والصحافة اليومية.

دور الأحزاب بإحياء المناسبات الدينية

وتشهد مجتمعاتنا حضور كبير للأحزاب والجماعات التي تولي الإهتمام بإحياء المناسبات الدينية و الإسلامية سعيا وراء تحقيق أهدافها التي تارة تتمحور حول الإرتقاء بالمجتمع والحفاظ على الحضارة الإسلامية وتاريخها، وتارة تكون منطلقة من أهداف خاصة يسعى خلالها منظموا الإحياءات إلى جذب واستقطاب أفراد جدد للإنضمام إلى صفوفها او من اجل مكاسب مادية ودعائية تبتعد عن الفكرة المحورية التي يجب ان يستخلصها الناس من خلال إحياء هذه المناسبة او تلك الشعيرة.

https://lebanon.shafaqna.com/wp-content/uploads/2018/09/jaafar-1-640x336.jpg

ويؤكد القاضي الشيخ جعفر كوثراني هذا الواقع بقوله: “في مجتمعاتنا للأحزاب دور مهم وفعال في تفعيل إحياء المناسبات الدينية والإسلامية بسبب توافر المدد والدعم المالي وتواجد هرمية تنظيمية داخلها وهذا لا يمكن إنكاره، وكل حزب يسعى لتحقيق طموحاته وأهدافه وأفكاره، لذلك عندما يكون الحزب نشيط وفعّال في المجتمع الموجود به يصبح له تاثير اكبر عليهم مما يسهل له تحقيق أهدافه”. وأضاف “أن أساس أي عمل هو النية التي تدفعنا للقيام به والتي تحدد مدى التأثير وحجم استمراريته والذي يرتبط بالدعم الذي تقدمه الاحزاب لإحياء المناسبات والذي متى توقف ستفقد المناسبة التفاعل والتأثير”.

هل تراجع التفاعل ؟

ومن المؤكد ان هذا التراجع في التفاعل مع إحياء المناسبات الدينية الإسلامية يشكل خطرا على استمرارية الروحية التي توجدها الشعيرة نفسها داخل الأفراد والحاضرين فيها، والتي تبعث فيهم نورا يضيء لهم طريق الحق، وتشحنهم بالطاقة الروحية اللازمة للإستمرار بالسير على نهج الأنبياء والأولياء والأئمة الطاهرين. وإن المجتمع الذكي والشغوف برعاية جوهره، والذي يتطلع بوعي رمزي مميز وخلاق ومبدع إلى استمرارية مقومات هويته الثقافة وانتقالها عبر الأجيال هو ذاك المجتمع الذي تتفطن مؤسساته إلى أهمية توظيف الجدوى الاجتماعية للمناسبات الدينية في التعرف على الدروس الأخلاقية، وتمكين فئة الشباب المنشغلة طبيعياً ببناء هويتها رمزياً من خبرة إيجابية، تُحصّن بها نفسها ضد الأفكار الهدّامة المسمومة، التي تتبناها تنظيمات تعادي الحياة والاختلاف والحرية. وفي هذا السياق يعتبر الشيخ كوثراني أن سبب ذلك هو أن ” المنطلقات لاحياء هذه الشعائر  لم تعد منطلقة من نفَس خلفية الشعيرة بل من خلفية اخرى، أي تارة نحيي الشعيرة كوسيلة لتحقيق اهدافنا الخاصة وهذه تنتهي بتحقيق الهدف، وتارة نحيي الشعيرة ليس لاهداف خاصة بل لأجل تعزيز الارتباط بالمذهب والدين والمجتمع وفي هذا الإحياء نشهد حتما اقبال دائم ومستمر لانه يرشد المجتمع ويعزز علاقاته بعقائده”، وأضاف قائلاً :”واليوم بما أن الخلفيات اصبحت متغيرة بمعنى انها أصبحت محل شك وريب وتنازع مصالح هذا طبعا يؤثر بشكل سلبي على استمرارية إحياء الشعائر”.

كيف يمكن معالجة هذا القصور؟

اذا هذا الواقع الذي لا يمكن إغفاله، يجب البحث عن سبل مناسبة لمعالجته وتحسينه لتطوير العلاقة  بين أفراد المجتمع وهذه المناسبات من خلال العمل على تعديل مضامين الإحياء والإرتقاء بها لتلائم عقول الناس والإبتعاد عن الرتابة في تنظيمها عبر إستحداث طرق متطورة في كافة المجالات مع الإستفادة من كافة الوسائل المتاحة لإنجاح الشعيرة من تكنولوجية او فنية او بشرية. فلا تتضرر صورة الأمة وسمعتها بأكثر من الضرر الآتي من أهلها وأبنائها. فإن هُم فعلوا ذلك ولو بحسن نية، كانت الفرصة سانحة أكثر لغيرهم للانقضاض عليها ولا يمكن ساعتئذ أن نلومهم. ولضمان استمرارية إحياء المناسبات الإسلامية يرى الشيخ كوثراني أنه يجب أن تتضافر القوى جميعاً والطاقات بدءاً من العلماء الذين عليهم التصدي لهذه الامور بغض النظر عن قناعاتهم، إلى جانب توجيهات المراجع لهم والتي هي أمر مهم جداً لإحياء هذه الشعائر بعيدا عن الخلافات والذاتية. مؤكدا على دور العلماء بالتصدي للتقاعس في إحياء المناسبات وعلاج القصور والأخطاء، فتعاونهم ضروري لضمان استمرارية هذه الشعائر، لِما فيها أثراً إيجابياً على الناس والعقيدة”.

الدين لا يحتاج الى غلو

ولكن هذه المعالجة يجب أن لا تتخطى حدود المنطق والدين التي يجمع عليها العلماء والفقهاء كي لا تنحرف نحو التشدد والغلو في أدائها، مما يؤدي إلى انحراف الفكر وضعف العقل ويعبر عن قلة العلم والفهم السليم وتغليب المصلحة الخاصة على العامة ويقدم مادة مجانية للأعداء لتويب سهامهم المشككة والمضللة التي قد تتسبب في بعض الاحيان في خلق اجواء مشحونة تسيئ إلى قدسية وروحانية المناسبة، فالإمام علي عليه السلام يقول :((يهلك إثنان محبّ غال ومبغض قال)) حيث أوحى الإمام عليه السلام في قوله بأن الغلوّ والبغض سواء،  كما يقول النبي “ص” ((ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعى بدعوى الجاهلية )).. وهنا يشير الشيخ كوثراني إلى أن “الدين لا يحتاج الى تعصب ولا يحتاج الى غلو، بل إلى إلتزام الفرد بالفكر الصحيح والعقيدة المستندة على دلائل قرآنية والمتلقفة من السير التاريخية المتناقلة عن الأئمة والعلماء”. مضيفا أنه “لا داعي لأن نزيد أو ننقص من هذه الشعائر ونسعى للتفظيع في احيائها، لذلك علينا الإبتعاد عن كل ما يؤدي إلى هتك الدين والمذهب وتضعيفه والإستغلال بل المطلوب الإهتمام أكثر بكل ما يساهم بتقوية الدين والمذهب وهذا راجح شرعا”.

ويتابع الشيخ كوثراني “مذهب التشيع هو مذهب عقلائي والعقيدة منسجمة فيه مع العقل، وبالتالي فإن سلوكنا يجب ان ينسجم مع العقل والأعراف والاهداف، فلو افترضنا ان عمل معين يجوز ان اقوم به بحسب الفتوى والمعتقد، لكنه عمل قد يثير الشبهات فإن ليس بإمكاني ان اقوم بها امام الملأ بل يجب ان اقوم به في أماكن معينة خاصة وهناك حديث منسوب الى اهل البيت عليهم السلام وهو:”حدّثوا الناس على قدر عقولهم ولا تحدثونهم بما لا يعلمون فتغروهم بنا”. أي أن أقوالنا وتصرفاتنا أمام الناس يجب أن تكون موزونة ومدروسة وتراعي مستوى عقولهم وتفكيرهم.

مواقع التواصل سلاح ذو حدين في هذه المناسبات

وفي هذا العصر الذي يولي الاهتمام الأكبر لوسائل الإعلام والاتصال، من الخطأ التقليل من أهمية دورها بوصفها مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الثانوية في توظيف المناسبات الدينية وفي دعم هوية الأجيال الشابة وتحقيق الاندماج الاجتماعي الثقافي ومعالجة الآثار السلبية لظاهرة انشقاق البعض من شبابنا من ناحية، وتحصين البعض الآخر من ويلاته من ناحية اخرى. ومما لا شك فيه أن حجم التفاعل والتأثير الذي تشهده المناسبات الإسلامية في وقتنا الحاضرة يختلف بشكل ملحوظ عن ما كان عليه في السابق، وبما اننا اليوم في عصر الثورة التكنولوجية التي اجتاحت المجتمعات وجعلت من العالم كله قرية كونية صغيرة تتشارك المعلومات والاخبار والاحداث فيما بينها بشكل سريع وفوري، واخترقت كافة المنازل وكسرت الكثير من الاعراف والتقاليد،كان يجب ان نتوقف عند الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الإجتماعي -التي اصبحت متوافرة لدى جميع الناس بمختلف اعمارهم- في تعزيز أو إضعاف احياء المناسبات الإسلامية، فاعتبر الشيخ كوثراني أن هذه المواقع هي سلاح ذو حدين، فيمكن استخدامها بشكل إيجابي من خلال تعزيز الثقافة والتربية والتهذيب والاخلاق والعقيدة، واعتبر أن هناك جانب سلبي يضعف النفوس ويحرفها عن طريق الحق والتدين وغيرها من المفاسد، فهذه المواقع ليست وسيلة رئيسية بل ثانوية ولكنها فعالة إلا انه علينا أن لا نغفل الجانب الأساسي والمتمثل بتفعيل التثقيف المباشر من خلال المحاضرات والاحتفالات والحضور في المساجد والحسينيات واحياء الشعائر وجها لوجه”.

وختم الشيخ كوثراني بالقول:”علينا جميعا بذل الجهود اللازمة لتعزيز احياء الشعائر والمحافظة عليها، واعتبارها  فرصة قيمة لنا جميعا للتعبير عن معتقدنا”، مشيراً إلى ضرورة التركيز على هذه المعاني والمفاهيم السامية التي نستخلصها من إحياء للشعائر والمناسبات الإسلامية والتي تمتلك اثر ايجابي واجتماعي على حياتنا الفردية والاسرية والاجتماعية تعيش في هذا الوطن بشرط ان تكون بطريقة مدروسة وممنهجة ومنظمة لضمان تحصيل أكبر تأثير على النفوس.

إذا لا بد لنا ان نلتفت إلى ضرورة أن نعمل على تعزيز روابطنا بالمناسبات الدينية التي تعطينا غذاء روحي لا مثيل له وعزيمة قوية وإرادة صلبة للخوض في غمار الحياة وظلماتها، تجعلنا اقوياء ومحصنين امام مكائد الشياطين وترتقي باخلاقنا وإسلامنا إلى مراتب أعلى وأكثر إشراقا. لذلك يمكن القول أن إحياء المناسبات الدينية والتي تمثل معانٍ مرتبطة بالدين بشكل مباشر تشكل دفعاً معنوياً بالغ التأثير لزيادة إيمان الناس. وما إحياء هذه المناسبات سوى فرصة لبروز فحوى الهوية “الدينية” ومناسبة لتعميق المعنى القيمي لمضامينها وجوهرها، وحتى لو اختلفت طرق الإحياء وضعف التفاعل فيها إلا أن هذا الواقع يعتبر أفضل بكثير من واقع آخر تغيب فيه هذه الشعائر والذي سيؤدي حتما إلى إضمحلال الإيمان بالدين ذاته بشكل تدريجي.

مهدي سعادي

www.iraq.shafaqna.com/ انتها