نشر : July 13 ,2018 | Time : 16:46 | ID 120816 |

ممثل السید السیستاني: العراق يتمتع بإرث حضاري كبير وما خفي بالخزائن والمكتبات أكثر مما ظهر

شفقنا العراق-أكّد ممثل المرجعیة الدینیة العلیا السيد أحمد الصافي على أهمّية الحفاظ على التراث المخطوط والعناية به وتقديسه، لكونه يمثّل حضارةً وحالةً من حالات التواصل والاتّصال بين السابقين والحاضرين، وأن يتمّ التعامل مع المخطوطات تعاملاً خاصّاً سواء كان في البحث عنها وإظهارها الى العلن أو من جهة الصيانة والحفاظ عليها.

جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها في افتتاح الندوة العالميّة الموسّعة التي أقامها مركزُ تراث كربلاء في العتبة المقدّسة بالتعاون مع مركز إحياء تراث السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، والتي أُقيمت اليوم الجمعة.

ومما جاء فيها أيضاً: “لعلّ ممّا تمتاز به الشعوب وتفتخر به هو ذلك الإرث سواءً كان ذلك الإرث البنائي الشاهق أو الإرث المعرفيّ، ولعلّ هناك رابطاً بين الاثنين فالأوّل شاخص على وجود حضارة والثاني شاخص على وجود فكر”.

وأضاف المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية “وما يعنينا فعلاً في هذه الجلسة المباركة هو الاستفادة والاستثمار بعد مرور ثلاثة وخمسين عاماً على وفاة عَلَمٍ من أعلام البلد وهو السيد هبة الدين الشهرستاني والإرث المعرفيّ الذي تركه الأوائل لنا، ويمكن أن نقرأه من زوايا متعدّدة لعلّه تكمن بعض ما فيه من فوائد، مسألة هذا الإرث ومسألة المخطوطة تُنبئ عن عمرٍ زمنيّ محدّد لوجود بعض العلوم التي لولا المخطوطة يصعب البرهان عليها، خصوصاً ونحن نتعامل مع أفكار قد تؤخذ وقد تُسرق وقد تُنسب لغير أهلها”.

وبيّن السيد الصافي إن “المخطوطة يمكن أن تكون أفضل شاهد على الدعوى، الإنسان عندما يدعو الى دعوى يحتاج الى البيّنة ويحتاج الى شاهد، والمخطوطة اليوم تُمثّل هذا الشاهد الذي ينطق بالحقّ، ولعلّ من تلك الفوائد أيضاً هو التأريخ ومعرفة زمن المؤلّف وهذه مسألة أعتقد أنّها في غاية الأهمّية للإخوة الذين يجولون في أروقة المخطوطات، يستفيدون كثيراً في معرفة تاريخ وفاة المؤلّف أو كتابة المخطوطة، وذلك لحفظ حقّ هذا المؤلّف في زمنٍ معيّن على أنّه صاحب هذه الفكرة، أو قد سبق البعض من المتأخّرين لكن لم يسعفه الحظّ أن تكون تلك المخطوطة ترى النور إلّا في فترةٍ متأخّرة، والطباعة كان لها الأثر الأهمّ في تقدّم المتأخّر وتأخير المتقدّم”.

وتابع قائلاً إن “المخطوطة تُساعد كثيراً على إعطاء هذا الحقّ للذي ألّف وللذي كَتَب، ولعلّ بعض المخطوطات بالإضافة الى المادّة العلميّة فيها فنٌّ آخر، أعتقد أنّي شاهدت مخطوطة وأعتقد أنّها لا زالت عندي محفوظة، هذه المخطوطة فيها ثلاثة علوم لكلّ صفحة، أفقيّاً تقرأ لعلم وعموديّاً تقرأ لعلمٍ آخر وبشكلٍ متناظر الورقة مستطيلة بشكل أشبه بقطر الورقة تُقرأ لعلمٍ ثالث، ولا شكّ أنّ هذا فنّ يُضاف الى لذّة العلم الذي خُطّ”.

وأكّد السيد أحمد الصافي إن “الأوائل الذين كتبوا لهم حقٌّ علينا ولعلّ الأحاديث الشريفة التي تبيّن أنّ ابن آدم إذا مات انقطع عمله، لكن الذي يُعيد الحياة ويجدّد وجوده هو علمٌ صالح يُنتفع به، وهناك حقّ أعتقد علينا في أن نتعامل مع المخطوطة تعاملاً خاصّاً سواء كان في البحث عنها وإظهارها الى العلن حتّى نقول إنّ العالم الفلاني كان موجوداً ولسان حاله يقول: أنا موجود الآن بين ظهرانيكم، أو من جهة الصيانة والحفاظ عليها بشكلٍ نعطيها أهمّية كبيرة”.

واستدرك ممثل المرجعية العليا بالقول: “تعلمون أنّ ظروف العراق قاسية وكان حظّ تلف المخطوطات والأفكار حظّاً وفيراً، الأمّة عندما تُبتلى بجهلة وكما تعلمون إن الناس أعداء ما جهلوا، وعندما تُبتلى بجهلة سيئِنّ العلمُ منهم أنيناً كبيراً وستكون هذه المخطوطات الورقيّة التي أتلف العلماء أعمارهم الزكيّة فيها ستكون وقوداً أو حطباً لرغبات بعض هؤلاء الجهلة، وهذا ما شهدناه ونقرأ عنه في التاريخ قديماً أو ما لمسناه واقعاً في تسعينيّات القرن الماضي، فقد أُتلفت الكثير من المخطوطات وفي تلك الفترة العلم لم يكن أكثر من علم، المخطوطة في أروقةٍ خاصّة لكنّها للأسف نالتها يدُ الجهل والعبث وأُتلف ما أُتلف منها”.

وأضاف السيد أحمد الصافي إن “اليوم بالإضافة الى التأكيد على أهمّية المخطوط الجميع معنيّ بالحفاظ على المخطوط والسعي الحثيث من أجل البحث عن جميع الوسائل العلميّة المتاحة من أجل الحفاظ على هذا المخطوط، وهذه المرتبة الأدنى من الوفاء للعلماء السابقين، الإنسان إذا لم يكن عنده نصّ لا يستطيع أن يحقّق ولا يستطيع أن يستشهد ولا يستطيع أن يُحيل، وهذا النصّ إذا لم يُحفظ لا يُمكن أن يُعين أيّ باحث كان على دعواه، أعتقد أنّ مسألة الحفاظ على المخطوط الآن بل الإكثار منه واجب وأمانة في أعناقنا، وهذا الكلام لجميع الإخوة الذين يشتغلون في هذا الفنّ أن لا يقفوا عند حدّ”.

وتابع بالقول إنّ “كثيراً من العلوم والأفكار لا زالت حبيسة المخطوط، وللأسف بعض الذين يملكون المخطوط يكونون ضنينين به بالشكل الذي لا ترى هذه المخطوطات النور، وتعلمون كثيراً أنّ العلماء أشدّ ما مرّوا به بعد وفاتهم أنّ الورثة لم يكونوا يعلمون مقام ورفعة هذه المخطوطات، فكانوا يبيعونها كما يبيعون أيّ أثاث من أثاث البيت، وخصوصاً إذا لم يكن لهذا العالم ورثة من أهل العلم، والقصص في هذا كثيرة جدّاً وبالنتيجة يشتري المخطوطة بائعٌ يحاول أن يستفيد من الورق مثلاً بأن يلفّ به بعض المبيعات، فتُمزّق هذه المخطوطة التي قد كُتبت على ضوء شمعة وبعض منها كُتبت على ضوء القمر، حتّى أنّ بعض العلماء يموت وهو في رقبته ديون كثيرة من أجل أن يحفظ هذه العلوم أو يرحل الى بلاد بعيدة من أجل أن يحفظ أو أن يثبت سند حديث، أو يتّصل بأحدهم حتّى يستنسخ ما كتب، ولعلّ الجهود المضنية للعلّامة الحلّي الذي نتشرّف أن يكون لنا مركزٌ لتراث الحلّة، لها قصصٌ في هذا الجانب، فكان بنفسه الشريفة يحرص أن يستنسخ بعض الكتب في ليلةٍ واحدة حتّى يتمكّن من أن يطالعها أو يناقشها”.

وأوضح السيّد الصافي إن “المخطوطة اليوم لابُدّ أن تُقدَّس لأنّها تمثّل حضارةً وتمثّل حالةً من التواصل ما بين السابقين والحاضرين، لاشكّ أنّ هناك مناسبات تقتضي ذلك ومن جملتها هذه المناسبة، نحن سعينا أيضاً أن نشكّل مراكز تراث ومقصود التراث هو التراث المعرفيّ وليس التراث البنائيّ الشاخص، هذا مهمّ لكن نحن لم نتصدَّ له إنّما أوكلنا الأمر الى جهات أخرى خارج العتبة هي المسؤولة عن الحفاظ عليه، نحن أسّسنا مركز تراث كربلاء ومركز تراث البصرة ومركز تراث الحلّة وهناك أيضاً بعض المحافظات العزيزة ارتأت أن تكون لها مراكز للتراث، لأنّها تعتقد أنّها تمتلك من الثروة المعرفيّة والفكريّة الشيء الكثير، ونحن وعدناهم بخير عسى أن نوفّق أيضاً في استحداث هذه المراكز الجديدة”.

واختتم وكيل المرجعية العليا قائلا: “شكرٌ كبيرٌ للإخوة الأعزّاء في قسم شؤون المعارف الإسلاميّة والإنسانيّة وللمركز المعنيّ بتراث السيد المرحوم هبة الدين الشهرستاني، وأيضاً للإخوة الأعزّاء الذين لهم مشاركات في هذه الندوة ومشاركات مهمّة في تحقيق بعض النصوص ليستفيد منها المحقّق والباحث، حتى يُظهر لنا بعض ما كتبه السلف الصالح ويجعله أمام مرأى ومسمعٍ منّا، دعاء أيضاً لكلّ الإخوة الباحثين أن يشدّ الله تعالى على أياديهم ويوفّقهم لكلّ خير باستنطاق كلّ ما من شأنه أن يظهر الى العلن والى الملأ، وهذا البلد يتمتّع بهذا الإرث الحضاريّ الكبير وما خفي في الخزائن وفي المكتبات الخاصّة والعامّة لعلّه أكثر ممّا ظهر، نسأل الله تعالى لكم جميعاً دوام التوفيق والتسديد ونسأله تبارك وتعالى أن يجعل هذه الملتقيات دائماً ملتقيات علميّة ومهمّة تترك أثراً طيّباً في نفوس الإخوة الباحثين والقرّاء ونستفيد منها كثيراً”.

النهایة

www.iraq.shafaqna.com/ انتها