نشر : June 23 ,2018 | Time : 08:33 | ID 118665 |

منظومة مضامين نصائح وتوجيهات المرجعية الدينية للمقاتلين في ساحات الجهاد (٦)

شفقنا العراق-تحدثنا في الحلقة السابقة عما يتعلق بهذه المنظومة للأديب الأستاذ محمد سعيد الكاظمي وتوجيهات المرجعية الدينية للمقاتلين، فبعد نظمه الفقرة الخامسة المتعلقة بتجنب قتل النفوس البريئة، والتثبت في حالات الاشتباه، ننتقل إلى الفقرة السادسة التي وردت التوصيات فيها بالقول: ((اللهَ اللهَ فِي ﭐتِّهَامِ النَّاسِ فِيْ دِيْنِهِمْ نِكَايَةً بِهِمْ، وَﭐسْتِبَاحَةً لِحُرُمَاتِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِيْهِ الْخَوَارِجُ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَتَبِعَهُ فِيْ هَذَا الْعَصْرِ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ، تَأَثُّرًا بِمِزَاجِيَّاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَبَرَّرُوْهُ بِبَعْضِ النُّصُوْصِ الَّتِيْ تَشَابَهَتْ عَلَيْهِمْ، فَعَظُمَ ﭐبْتِلاءُ الْمُسْلِمِيْنَ بِهِمْ، وَﭐعْلَمُوْا أَنَّ مَنْ شَهِدَ الشَّهَادَتَيْنَ كَانَ مُسْلِمًا يُعْصَمُ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيْ بَعْضِ الضَّلَالَةِ، وَﭐرْتَكَبَ بَعْضَ الْبِدْعَةِ ….)).

 وقد نَظَّمَ الأستاذ الأديب الكاظمي هذه الفقرة بقوله:

لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ ٱتِّهَامُ النَّاسِ فِيْ دِيْنِهِمْ فَكُنْ عَلَى ٱحْتِرَاسِ

فَذَاكَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْخَوَارِجِ مِنْ قَبْلُ – إِذْ حَادُوْا عَلَى الْمَنَاهِجِ

وَفِيْ زَمَانِنَا لَهُمْ أَتْبَاعُ  مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفِقْهِ فِيْنَا شَاعُوْا

حُكْمُهُمُ الْمَزَاجُ وَالْأَهْوَاءُ فَعَظُمَ الْخَطْبُ وَالابْتِلَاءُ

تَشَابَهَتْ عَلَيْهِمُ النُّصُوْصُ فَبَرَّرُوْا إِذْ خَانَهُمْ تَمْحِيْصُ

وَنَاطِقُ الشَّهَادَتَيْنِ مُسْلِمُ يُعْصَمُ مِنْهُ مَالُهُ كَذَا الدَّمُ

وَالْبَعْضُ فِيْ بَعْضِ ضَلَالَةٍ وَقَعْ مُرْتَكَبًا بَعْضَ الْخَطَايَا وَالْبِدَعْ

مَا كُلُّ بِدْعَةٍ تَجُرُّ كُفْرَا وَلا ضَلَالُ الْكُلِّ عُدَّ نُكْرَا

بَلْ رُبَّمَا يُهْدَرُ لِلْمَرْءِ دَمُ يَشْمَلُهُ الْقِصَاصُ وَهُوَ مُسْلِمُ

وَخَاطَبَ اللهُ الْمُجَاهِدِيْنَا فِيْ مُحْكَمِ الذِّكْرِ لَهُمْ تَبْيِيْنَا

وَلا تَقُوْلُوْا لَسْتَ مُؤْمِنًا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ وَٱطْمَأَنْ

وَجَاءَ فِيْ الْآَثَارِ نَهْيُ الْمُرْتَضَى تَكْفِيْرُ أَهْلِ حَرْبِهِ – بَذَا قَضَى

إِخْوَانُنَا هُمُ بَغَوْا عَلَيْنَا وَكَفَّرُوْا – وَنَحْنُ مَا بَغَيْنَا

أُوْلَاءِ قَوْمٌ وَقَعُوْا فِيْ الشُّبَهِ قِصَّتُهُمْ عَلَى الْمَدَى لا تَنْتَهِيْ

تحدث الأستاذ الناظم في منظومته عند تضمين الفقرة السادسة في أربع عشر بيتًا، يما يتعلق بآداب الحرب وضرورة أنْ يكون المقاتلون على حذر ووعي في التعامل مع الآخرين في الحرب، فالحرب كما تقدم هي ليست للانتقام بقدر كونها إنقاذ الأبرياء من الاعتداء والانتهاكات الكبيرة التي قام بها أولئك المجرمون وباسم الدين زورًا وبهتانًا، وإنَّ التعامل معهم بالنسبة للمقاتلين الكرام يجب فيه رعاية أحكام الشريعة المقدسة وتعاليمها، فعظمة وأهمية هذه التوصيات تكمن في دور المرجعية الدينية تجاه المقاتلين وتحصينهم من الوقوع في الشبهات، فضلاً عن المحرمات؛ لكرامة المعركة التي يخوضونها في الدفاع عن المقدسات، ويمكن بيان بعض الموضوعات المتعلقة بهذه الفقرة من خلال ما يأتي:

أولاً: تحذير المقاتلين من شبهات قد تعترضهم أثناء المعركة وتحرير المدن، وفي تعاملهم مع الناس باتِّهامهم في دينهم من أجل الانتقام منهم تحت أي ذريعة، كما قامت به عصابات داعش الإجرامية في الوقت الحاضر، والذين هم أتباع الخوارج عندما خرجوا على أمير المؤمنين عليه السلام في بغيهم، ﭐعتمادًا على وجهات نظر شخصية لا علاقة لها بالشريعة المقدسة، وقد أدت هذه الاجتهادات الشخصية إلى حدوث حروب متعددة، ومنها ما جرى مع الخوارج في معركة النهروان، والمرجعية الدينية إنَّما تذكِّر بما مضى من التأريخ الإسلامي لأجل أخذ الدروس والعِبَر من ذلك، فضلاً عن تذكيرهم بقدسية المعركة التي يقومون بها، والتي هي في الواقع ﭐمتداد لصراع الحق والباطل.            

ثانيًا: التأكيد على أهمية معرفة الأحكام العامة والخاصة ليكون الأمر واضحًا في التعامل معهم، من دون ﭐرتكاب ما يؤدي إلى ﭐنتهاك حرمات، فالمرجعية تؤكِّد على أنَّ ضلال المسلم لا يوجب أنْ يُحكم عليه بكفر أو بدعة تستوجب قتله، فَتَشَهُّدُهم الشهادتين يوجب حقن دمائهم، وهذا ما أكدت عليه الشريعة المقدسة من خلال روايات متعددة منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: ((الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَالتَّصْدِيْقُ بِرَسُوْلِ اللهِ “صلى الله عليه وآله” بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ، وَعَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَالْمَوَارِيْثُ، وَعَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ))، وفي هذا كمال الدعوة الإنسانية في السلم والحرب، وتطبيق أحكام الشريعة المقدسة كما أمر الله بها، من دون تزييف أو تحريف أو تفسير بأهواء وأباطيل، فتكون نتيجة ذلك تشويه الصورة المشرقة للإسلام، فضلاً عن الدمار الذي يحلُّ بالمخالفين لأمثال هؤلاء، وهذا ما رأيناه في التأريخ الإسلامي سابقًا من قبل الخوارج الذين كانوا أشد سوء وأذىً على المؤمنين من أصحاب معاوية بن أبي سفيان في معركة صِفِّين، وما نراه اليوم من أتباعهم والمؤمنين بمنهجهم التكفيري المُتَّبِعين لأهوائهم وأباطيلهم.

وقد أبدع الناظم في تضمين هذه الأحكام والمعاني السامية للشريعة المقدسة.

ثالثًا: لقد أكدت الوصية على آثار الإمام علي عليه السلام في حربه للخوارج وكيفية التعامل معهم، حيث أنَّهم مسلمون منحرفون، خارجون على الإمام المفترض الطاعة، فإنَّ جواز محاربة البُغاة والخوارج لا يعني جواز ﭐستحلال أموالهم وما يملكون؛ لأنَّهم على الرغم من ضلالهم وﭐنحرافهم فهم يتشهدون الشهادتين، ولكن يجب على الإمام مقاتلتهم لقطع دابر الزيغ والانحراف، وهناك من الروايات الشريفة الواردة في ذلك، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للإمام علي عليه السلام: ((يَا عَلِيُّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ الْجِهَادُ فِي الْفِتْنَةِ مِنْ بَعْدِيْ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمُ جِهَادٌ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ مَعِيْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ وَمَا الْفِتْنَةُ الَّتِيْ كُتِبَ عَلَيْنَا فِيْهَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: فِتْنَةُ قَوْمٍ يَشْهَدُوْنَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، وَهُمْ مُخَالِفُوْنَ لِسُنَّتِيْ، وَطَاعِنُوْنَ فِيْ دِيْنِيْ. فَقُلْتُ: فَعَلَامَ نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ وَهُمْ يَشْهَدُوْنَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُوْلُ اللهِ؟ فَقَالَ: عَلَى إِحْدَاثِهِمْ فِيْ دِيْنِهِمْ، وَفِرَاقِهِمْ لِأَمْرِيْ، وَﭐسْتِحْلالِهِمْ دِمَاءَ عِتْرَتِيْ)).

وأما فيما يتعلق بأحكام قتالهم فقد كان الإمام علي عليه السلام يتعامل معهم على أساس أنَّهم مسلمون، فلا يُجري عليهم أحكام أهل الكفر والشرك، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، عن أبيه: ((أَنَّ عَلِيًّا “عليه السلام” لَمْ يَكُنْ يَنْسِبُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ حَرْبِهِ إِلَى الشِّرْكِ وَلَا إِلَى النِّفَاقِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: هُمْ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا)).

إنَّ في هذه الأحاديث الشريفة كمال تطبيق أحكام الشريعة المقدسة في مواردها المتعددة المختلفة التي تحتاج إلى عالِمٍ بها، يعرف أحكامها التي تتشابه من جهة، وتختلف من جهات، وليس إصدار الحكم العام على الجميع، كما رأينا من أولئك الخوارج وأتباعهم في قتلِ كُلِّ مَنْ يخالفهم الرأي، أو قد يعترض عليهم، فضلاً عن مصادرة ممتلكاتها بحجج واهية تحت ذريعة أنَّها غنائم المخالفين، فهي في الواقع أهواء أو تأويلات فاسدة من أجل مصالح معينة، ناشئة من تفكير فاسد أو ضال، وهذا ما أشارت إليه المرجعية في هذه التوصية بالقول عن أتباع الخوارج: ((وَتَبِعَهُ فِيْ هَذَا الْعَصْرِ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ، تَأَثُّرًا بِمِزَاجِيَّاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَبَرَّرُوْهُ بِبَعْضِ النُّصُوْصِ الَّتِيْ تَشَابَهَتْ عَلَيْهِمْ، فَعَظُمَ ﭐبْتِلاءُ الْمُسْلِمِيْنَ بِهِمْ))، ولو تتبعنا آراء بعض علماء المسلمين من المذاهب الأخرى لرأينا حقيقة قول ((فعظم ﭐبتلاء المسلمين بهم))، فقد ورد في بيان عن شيخ الأزهر الدكتور “أحمد الطيب” حول جرائم داعش: ((إنَّ “داعشَ” بُغاةٌ محاربونَ للهِ ورسولِهِ، ومفسدونَ في الأرضِ، يجبُ على ولاةِ الأمرِ قتالُهُمْ ودحرُهُمْ، وتخليصُ العالَمِ من شرورِهِمْ …. وﭐعتبر البيان أنَّ إجابة “الطيب” تعد إجابة شرعية وسطية محكمة، ﭐنطلاقًا من العقيدة الصحيحة التي لا تكفِّرُ أحدًا من المسلمين بذنب، حتى لو كان من الكبائر، حيث بيَّن فضيلته أنَّه لا ينبغي أنْ نقع فيما وقعت فيه داعش الإرهابية وأخواتها من تكفير المجتمع حُكَّامًا ومحكومينَ حتى إذا ﭐرتكبوا الذنوب والكبائر)).

وإنَّ في قول الناظم: ((قِصَّتُهُمْ عَلَى الْمَدَى لا تَنْتَهِيْ)) فيه دقة كبيرة في وصف أمثال هذا المنهج، الذين يتبعون الباطل على وفق أهوائهم، وهي قصة سيبقى المسلمون يعانون منها؛ لوجود هؤلاء وفكرهم ومنهجهم الذي يؤمنون به، فضلاً عمَّا يقوم به أعداء الإسلام من ﭐستغلالهم لإيجاد الفرقة بين المسلمين.

إنَّ هذه التوجيهات تؤكد وجوب التمسك بتعاليم الأئمة عليهم السلام؛ للوصول إلى طاعة الله ورضاه، وقد أبدع الناظم رحمه الله في أرجوزته لهذه الفقرة، وما تضمنته هذه الأبيات لألفاظ هذه النصيحة للمجاهدين من إيجاز وبيان.. وإلى لقاء قادم إنْ شاء الله تعالى.

د . الشيخ عماد الكاظمي

———————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها