نشر : June 14 ,2018 | Time : 17:04 | ID 117874 |

خاص شفقنا.. “حقيقة العيد”.. للمفتي الشيخ عبدو قطايا

خاص شفقنا-العيد لغة: من العود؛ أي الرجوع، فذكرى الأيام التي تنداح فيها المشاكل عن قوم، أو مجتمع، وتعود أيام الفوز والهناء الأول تكون عيداً.

لذلك قيل سمي العيد عيداً؛ للعود من الترح إلى الفرح؛ فهو يوم سرور للخلق كلهم.

إنّ كل يوم فيه مسرة وتذكار لذي فضل؛ فهو يوم عيد، كذلك هي الأعياد الإسلامية، يوم مسرة وفرحة، يقول الرسول الأكرم: “العيد أيام أكل وشرب وفرح” وأي فرح هذا؟ فرحٌ في طاعة الله، وعبودية الله، والقرب من الله تعالى، فقد ورد عن رسول الله قوله: “للصائم فرحتان؛ فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه”.

فبعد شهر من طاعة الله في فريضة عبادية شرّف بها العباد ودعاهم إلى ضيافته، وبعد الهجرة إليه لأداء فريضة الحج والإمتثال له بكامل العبودية؛ يعود إلى النفس طهرها وصفاؤها الأول، ويزول التلوث عن الفطرة التي فطر الناس عليها؛ فيكون العيد.

يقول الإمام علي: إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد.

فالعيد فرحة يشعر بها الإنسان بعد أدائه الواجب الذي فرضه الله تعالى عليه، وإنّ كل من الصوم والحج مضمار للخلق يتربون فيه ثم يكون يوم العيد؛ أي بعد أن يقوم الإنسان بواجب العبادة من صوم أو حج، ويمثل بين يدي الحي القيوم، خاشعاً خاضعاً ذليلاً، متوجهاً ومتقرباً إليه سبحانه؛ يفرح بيوم العيد؛ يوم العودة إلى الخالق الكريم الذي منّ عليه بكل النعم التي لا تعد ولا تحصى.

وقد جعل الشارع المقدس الأول من شهر شوال عيدا للمسلمين، ولمحمد ذخراً وشرفا وكرامة ومزيداً، وزينه تعالى بزينة الصلاة، والزكاة.

هو أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، يَحِلُّ فِيهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَأَحَبَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَجْمَعٌ يَحْمَدُونَهُ فِيهِ وَيُقَدِّسُونَهُ .

عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ يذْكَرُ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ الرِّضَا:”أَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَ يَوْمُ الْفِطْرِ الْعِيدَ؛ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ مُجْتَمَعاً؛ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَيَبْرُزُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُمَجِّدُونَهُ عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ يَوْمَ عِيدٍ، وَيَوْمَ اجْتِمَاعٍ، وَيَوْمَ فِطْرٍ، وَيَوْمَ زَكَاةٍ، وَيَوْمَ رَغْبَةٍ، وَيَوْمَ تَضَرُّعٍ”.

وهو يوم الغربة عن الذات، يوم الطهارة، والتوبة، والمحبة، والعواطف الخالصة، يوم التكبير والشكر، يوم انتصار المخلوق على كل النوازع الدانية، والسير نحو الأهداف السامية. يقول مولانا زين العابدين: “اللَّهُمَّ مَنْ تَهَيَّأَ وَتَعَبَّأَ وَأَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ لِوِفَادَةٍ إِلَى مَخْلُوقٍ رَجَاءَ رِفْدِهِ وَطَلَبَ نَائِلِهِ وَجَوَائِزِهِ وَفَوَاضِلِهِ وَنَوَافِلِهِ فَإِلَيْكَ يَا سَيِّدِي وِفَادَتِي وَتَهْيِئَتِي وَتَعْبِئَتِي وَإِعْدَادِي وَاسْتِعْدَادِي رَجَاءَ رِفْدِكَ وَجَوَائِزِكَ وَنَوَافِلِكَ، فَلَا تُخَيِّبِ الْيَوْمَ رَجَائِي يَا مَنْ لَا يَخِيبُ عَلَيْهِ سَائِلٌ وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ فَإِنِّي لَمْ آتِكَ الْيَوْمَ بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتُهُ وَلَا شَفَاعَةِ مَخْلُوقٍ رَجَوْتُهُ وَلَكِنْ أَتَيْتُكَ مُقِرّاً بِالظُّلْمِ وَالْإِسَاءَةِ لَا حُجَّةَ لِي وَلَا عُذْرَ فَأَسْأَلُكَ يَا رَبِّ أَنْ تُعْطِيَنِي مَسْأَلَتِي وَتَقْلِبَنِي بِرَغْبَتِي وَلَا تَرُدَّنِي مَجْبُوهاً وَلَا خَائِباً يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ أَرْجُوكَ لِلْعَظِيمِ، أَسْأَلُكَ يَا عَظِيمُ أَنْ تَغْفِرَ لِيَ الْعَظِيمَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَارْزُقْنِي خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي شَرَّفْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ وَتَغْسِلَنِي فِيهِ مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِي وَخَطَايَايَ وَزِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ”.

فعندما يبلغ الإيمان مرحلة الشهود وعين اليقين؛ أي عندما ترى الحقيقة بأم العين لا يبقى مكان لأي شك أو تردد، وإنّ مسؤولية الإنسان المخلوق تزداد وتثقل؛ لأنه لم يعد ذلك الإنسان الذي كانت تنتابه الوساوس والشكوك من قبل، بل هو في مرحلة جديدة من الإيمان وتحمل المسؤولية؛ فإنّ أي تقصير، أو غفلة من جانبه تستدعي العقاب الشديد؛ لهذا كانت مسؤولية الأنبياء والأولياء أشدّ وأثقل، بحيث كانوا في خشية دائمة منها.

فالعيد ينشط نفوس العائدين إلى الله، ويعلن كلما عاد عظمة الدين، ومن شأنه أن يجمع الكلمة ويجدد حياة الأمة؛ لأنه يوم الجمع والحياة.

فالعيد كل مجمع، واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه؛ إلى الله سبحانه وتعالى. وقيل سمي بذلك؛ لأن كل إنسان يعود فيه إلى الله بالتوبة والدعاء، والخالق يعود عليهم بالمغفرة والعطاء.

وقيل سمي بذلك؛ لعود الله تعالى على عباده المؤمنين بالفوائد الجميلة والعوائد الجزيلة، والعائد هو المعروف والصلة.

وهو يوم الزينة، يقول تعالى: ((مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)) يعني يوم عيدهم؛ لأن الناس يجتمعون فيه من الآفاق، ويوم الدين الجزاء. ويقول النبي: “زينوا أعيادكم بالتكبير والتهليل والتمجيد والتقديس”، ويقول: “يقول الله لملائكته يوم العيد، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون يا ربنا جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول اشهدوا ملائكتي أني غفرت لهم”.

إنّ الحضور بين يدي الله جل جلاله وقت صلاة العيد والدعاء عند ذلك المقام السعيد؛ فيه فوائد لأهل العنايات بهذه العبادات.

إنّ الحضور في خدمة مولى المماليك والعبيد لصلاة العيد؛ زيادة استعداد لأهل الإخلاص والاجتهاد، وذلك أنه يوم ترجيح مقام جانب العفو والغفران والأمان والإحسان والرضوان على جانب المؤاخذة على الذنوب والعيوب والعصيان .

العيد يوم الإذن في بسط أكف السؤال ومدها إلى محل القبول والإقبال، ووقت الإطلاق لركائب الآمال في الورود على كعبة الكرم والإفضال، وزمان طي بساط الغضب والعقاب وغلق باب التعنيف والعتاب.

ليكن العبد الحاضر لصلاة هذا اليوم المبشر لإعتاق أهل الاسترقاق بالعتاق والمهنئ لأهل حبوس النحوس بالإطلاق، والمقوي أصحاب العجز في ميدان الإمكان حتى يشرفهم باللحاق لأهل السباق باذلا للمجهود في شكر مالك الجود على تأهيله لذلك المقام المسعود ليكن على وجه قلبه ولسانه وجنانه أنوار الثقة بما بذله مولاه من غفرانه وأمانه ورضوانه، فإن الملك إذا وثق عبيده من جوده ورآهم غير قائمين بما يطيقون من شكره وتحميده ولا واثقين بإنجاز وعوده كانوا مخاطرين في الوقوف بين يديه، أو مستهزءين بتهوينهم بإطلاعه على سوء ظنهم بما دعاهم إليه بل إذا آمنك الموثوق بأمانة فكن من الآمنين ولو كان لك عنده ذنوب العالمين، وإذا دعاك إلى حسن الظن بجوده والثقة بإنجاز وعوده فكن من أعظم الواثقين فلو لم يكن لك في ذلك من الشرف والوسيلة إلى الإقبال وبلوغ الآمال إلا تجميل ذكر مولاك وتزكيته وتصديقه في الفعال والمقال فيوشك أن تثمر شجرة حسن ظنك واعتقادك في مالك من أدل ثمار إسعادك وإيجادك في دنياك ومعادك.

جعلنا الله وإياكم من المتذكرين، العاملين، العابدين، المتوسلين، الفائزين، الفرحين في الدنيا والآخرة . والحمد لله رب العالمين.

المفتي د. الشيخ عبدو قطايا

www.iraq.shafaqna.com/ انتها