نشر : June 6 ,2018 | Time : 12:17 | ID 116938 |

لماذا يستغرق تشكيل الحكومة العراقية وقتاً؟

شفقنا العراق-أجريتُ الانتخابات البرلمانية العراقية بدورتها الرابعة في (12 مايو أيار)  بمشاركة 44% من الشعب العراقي.

نتائج هذه الانتخابات تناولت تحاليل كثيرة كما استرعت طرق ترتيب التحالفات والأصوات اهتمام الخبراء حول مطالب الشعب.

وتبلور محوران اثنان ضمن ائتلافات الشيعة الساعية لتشكيل كتلة الأكثرية، إحداها كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر والأخرى كتلة دولة القانون برئاسة نوري المالكي.

في هذا السياق يمكن القول أنه قبل إجراء الانتخابات، أجمعت كافة التحليلات أن كتلة “نصر” بزعامة “حيدر العبادي”، وكتلة “فتح” بزعامة “هادي العامري” وكتلة “سائرون” بزعامة مقتدى الصدر و”دولة القانون” بزعامة نوري المالكي وتيار “الحكمة” بزعامة السيد “عمار الحكيم” ستحصل على أغلب أصوات المقترعين على مستوى التيار الشيعي، لكن الظروف تغيرت خلال الأسبوع الأخير.

كان يسود اعتقاد أنه بالإمكانات التي يمتلكها رئيس الوزراء، ستحل كتلة “نصر” في المقدمة، لكن جاءت النتائج على عكس ذلك.

ومن النتائج التي أفرزتها النسخة الرابعة من الانتخابات البرلمانية العراقية تحول المنافسات بين الطوائف التي كانت تجري في السابق، إلى منافسات داخل الطائفة و داخل الأحزاب.

ظهرت هذه المنافسات داخل التيارات الشيعية والسنية والكردية واتجهت كافة الأحزاب إلى معرفة حجمها ووزنها بحيث لم يعد هناك أثر للائتلافات الكبيرة التي كانت تتحالف خلال الدورات الثلاث السابقة.

على سبيل المثال، داخل البيت الشيعي خلال الدورة الأولى والثانية كانت الأحزاب تنخرط ضمن مجموعة واحدة وخلال الانتخابات البرلمانية الثالثة تبلورت التحالفات. لكن مباشرة تم تشكيل كتلة الأكثرية في البرلمان. وشهدنا خلال هذه الدورة تواجد 5 تيارات وائتلافات.

في إقليم كردستان أيضاً لم تكن هناك أحزاب تدخل الانتخابات منفردة وعلى الدوام كانت تخوض منافسات الانتخابات البرلمانية إلى جانب بعضها، لكن خلال هذه الدورة شاركت أكثر من 4أحزاب وتحالفات في المنافسة علاوة على الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني، وثلاثة تيارات تضم ” ائتلاف العدالة والديمقراطية” و”كوران-التغيير” و”الجماعة الإسلامية” والتيارات الأخيرة شكلت تحالفاً كبيراً خلال الانتخابات.

على صعيد التيار السني يمكن تلمس الأمر عينه أيضاً فقد تشكل ائتلاف “الوطنية” برئاسة إياد علاوي و”القرار العراقي” برئاسة أسامة النجيفي، وخاضا منافسة فيما بينهما في الانتخابات، بالإضافة إلى هذه الائتلافات، ظهرت تحالفات أخرى في المدن السنية العراقية.

 حصد ائتلاف “سائرون” بزعامة مقتدى الصدر أصوات جيدة خلال هذه الدورة، وحول تهافت الناس على هذا التيار بالوسع القول أن مواقف الصدر خلال السنوات المنصرمة المنتقدة لكيفية التعاطي مع مشاكل الناس، والمواقف ضد أمريكا والاحتلال ومواقفه العابرة للطوائف كان لها أثر بالغ في استقطاب الناس نحو ائتلاف “سائرون”. علاوة على ذلك فقد أقدم الصدر على تغيير بنيته التنظيمية الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع عدد المقاعد التي حصل علها من 30 معقداً خلال الدورة السابقة إلى 54 مقعد خلال الدورة الحالية. وإضافة مجموعات جديدة كان من بينها تيارات تكنوقراط وشيوعية أثر أيضاً في مسألة الحصول على مقاعد أكثر.

تتمحور أحد الشعارات التي يطلقها على الدوام السيد مقتدى حول قضية “العبور من الطوائف”؛ حيث يضم تيار “سائرون” عدداً قليلاً من السنة، لكن خليق القول أنه في التاريخ المعاصر للعراق نشهد تشكل تحالفات بين المتديين واليساريين، وليست هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الأمر. كما يتوجب القول أن الشيوعيين العراقيين يختلفون عن باقي الشيوعيين، ومن الناحية الإيدلوجية ليسوا شيوعيين بل هم كذلك من الناحية السياسية فقط، حيث أن الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي سافر لأداء مناسك الحج كما أنه يصوم في رمضان.

حصل تيار “الحكمة” أيضاً خلال هذه الدورة على أصوات جيدة نسبياً كونه تياراً تأسس مؤخراً وانشق عن المجلس الأعلى، فأكثر المتفائلين لم يتوقع حصوله على /12/مقعداً لكنه خلال الدورة الحالية حصل على /20/مقعداً ومن المحتمل أن يضاف إليها /3/ مقاعد أخرى.

استرعى موقف المرجعية خلال الدورة الحالية للانتخابات الانتباه أيضاً، مواقف المرجعية التي كان الشيخ مهدي الكربلائي يعكسها خلال خطب صلاة الجمعة. طالبت الناس بممارسة حقهم وجعلتهم أحرار في خيارتهم ولم تصر على مشاركتهم والتزامهم. لكن في الخطبة التي سبقت إجراء الانتخابات سعى الكثيرون لدفع المرجعية لانتقاد الحشد الشعبي ولزوم مشاركة الناس، لكن لم يصدر عن المرجعية أي مواقف مماثلة وتركت الأمر للناس. وهذا لا يعني أنها تركته بل لم تصدر فتوى بوجوب المشاركة في الانتخابات ورجحت عدم التدخل المباشر في هذه المسألة.

سعت السعودية وبعض الدول العربية ووسائل الإعلام الغربية إلى اتخاذ مواقف تضع تحالف “الفتح المبين” في قفص الاتهام وأن المرجعية تعارض مشاركة مسؤولي الحشد الشعبي في الانتخابات، لكن باءت هذه المساع بالفشل وحصل تحالف “الفتح” على /47/مقعداً مؤكداً أن الناس يثمنون جهود أبنائهم المجاهدين.

بعد الانتخابات نحن في مرحلة المساومات، ومن المحتمل أن يستغرق هذا الأمر وقتاً، وللحصول على تحالف أمن نسبياً داخل البرلمان لتشكيل الحكومة يحتاج الأمر إلى مساومات ومفاوضات كثيرة. إذا كانت المسافة بين الائتلافات كبيرة فسوف يتم الإسراع بتشكيل كتلة الأكثرية. لكن خلال الظروف الراهنة كافة المجموعات مرغمة على التفاهم مع بعضها لأن المسافة الفاصلة فيما بينها لا يعتد بها، وبالتالي مجموعة أو مجموعتين لا يمكنها منفردة أن تشكل كتلة الأكثرية.

في خضم التطورات الحاصلة في الانتخابات وتصدر تيار “سائرون” للمشهد الانتخابي، جرى طرح عدد تصريحات حول ايران، وعلى أثرها يطفو السؤال الآتي؛ إلى أين ستتجه العلاقات الإيرانية العراقية في ظل الحكومة القادمة ؟

النقطة الأولى مع تموضع الائتلافات بدءاً من المتصدر وصولاً إلى الذي حل في المركز الأخير، نستنتج أن تيار المقاومة غدا أشد قوةً وليس هناك أية تغييرات ستطرأ على العلاقات الإيرانية-العراقية. على سبيل المثال في السابق ” تحالف الفتح المبين” كان يشارك في الانتخابات بشكل مستقل تحت اسم “بدر”، وخلال الدورة السابقة حصل على /11/مقعد لكن اليوم وصل عدد مقاعده إلى /47/، وإلى جانب تيار “الحكمة” هناك تيارات متحالفة أيضاً لكنها لم تتبنى وجهات نظر مختلفة عن الائتلاف.

حتى تيار “سائرون” الذي تصدر مشهد الانتخابات مقرب لدرجة كبيرة من خط المقاومة كما أن مواقف تيار مقتدى الصدر ضد أمريكا وعهده بمقاتلة داعش واضحة للعيان.

النقطة الثانية أن العلاقات بين حكومات ايران والعراق خلال الخمسة عشر عاماً السابقة والعلاقات بين شعبي البلدين على مر مائة عام خلت تتمتع بعمق كبير وهي متجذرة، وإحداث بعض التغيرات في الحكومات لا يمكن أن يؤثر عليها. لاسيما خلال دورة الانتخابات الحالية فالجمهورية الإسلامية الإيرانية قدمت مساعدات كبيرة إلى العراق خلال حربه ضد “داعش”، وامتزجت دماء المقاتلين الإيرانيين والعراقيين على تراب جبهة واحدة ضد الإرهاب، كما أن توافد 5 ملايين سائح وزائر إيراني وعراقي من دول أخرى سنوياً يعمق العلاقات ويرتقي بها.

حول أخر الأوضاع التحالفات لكسب كتلة الأكثرية يتوجب القول، فقد تبلور في الوقت الراهن محورين ضمن ائتلافات الشيعة لتشكيل كتلة الأكثرية، إحداها كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر والأخرى كتلة دولة القانون برئاسة نوري المالكي.

أحد العوائق التي تمنع تشكيل كتلة أكثرية في الوقت الراهن تتمثل في أن ائتلاف “سائرون” لا يسعى للتعاون مع “دولة القانون” الأمر الذي سيطيل أمد تشكيل الحكومة.

 على ما يبدو أن حظوظ حيدر العبادي لتسلم رئاسة الوزراء مجدداً هي الأوفر متغلباً على البقية،  كما أن الجانبين منهمكين الآن بالمفاوضات والتشاور للحصول على المكاسب القصوى.

قدمت التيارات الكردية والسنية أيضاً في هذا الخضم إلى بغداد وتجري حالياً مفاوضات مع باقي التيارات الشيعية حتى تجد التيار الذي بوسعه تحقيق مطالبها بشكل أفضل ومن ثم تعقد العزم على التموضع واختيار الائتلاف.

مع كل هذه التفاصيل يجب القول أن الحكومة العراقية القادمة ستكون مغايرة لسابقاتها لأن مرحلة ما بعد داعش وتحقيق مطالب الناس، تفرض معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي دون اختلاق أي معاذير.

يقبع العراق منذ أربعة عقود في حروب خارجية وداخلية وقد تعرضت البنى التحتية في هذا البلد إلى أضرار جدية جسيمة وتحتاج إلى إعادة الإعمار والتأهيل والتطوير، وأي حكومة تتسلم السلطة عليها أن تهتم بهذه القضية، تأسيساً على ما سلف يتوقع تشكيل حكومة تكنوقراط.

المصدر: وکالة تستیم الایرانیة

www.iraq.shafaqna.com/ انتها