نشر : June 5 ,2018 | Time : 11:35 | ID 116851 |

الانتخاب الفردي، هل هو النظام الانتخابي الأمثل للعراق؟

شفقنا العراق-يتردد كثيراً عن أفضلية نظام التصويت الفردي وانه الحل السحري لتحديات الديمقراطية والانتخابات في بلدنا وانه يمثل الوسيلة الأفضل لاختيار الصالحين للمواقع السياسية والتنفيذية.

وإذا كان من المسلمات ان للانتخاب الفردي ميزات كثيرة ومتعددة مما جعل حوالي 70 دولة أي ما يقارب الثلث من دول العالم تستخدم هذا النظام بسبب تلك الميزات والتي من أهمها هي بساطة هذا النظام، وسهولة معرفته وتطبيقه من قبل الناخب والمرشح، بالإضافة إلى قلة نفقات الدعاية الانتخابية، ومعرفة الناخب الوثيقة لمن يختارهم من المرشحين بسبب صغر مساحة الدائرة الانتخابية، كما ان من أهم مخرجات هذا النظام هي تشكيل حكومة أغلبية قوية مع وجود معارضة قوية أيضا، فضلا عن قلة عدد الأحزاب التي تحصل على مقاعد في المجلس المنتخب.

ان هذا النظام يتحقق بتقسيم البلد إلى دوائر انتخابية بعدد مقاعد المجلس المنتخب، وفي حالة مجلس النواب العراقي فأن البلد يجب ان يقسم إلى 329 دائرة انتخابية فردية تضم كل منها 100 ألف مواطن طبقا لأحكام المادة 49 من الدستور العراقي.

وعلى الرغم من كل المزايا السابق ذكرها إلا ان هناك تحديات فنية وسياسية ليس من السهولة تجاهلها، وقد تشكل وبالذات في بلدنا، صعوبة كبيرة في استخدام هذا النظام ويمكن تلخيص هذه التحديات بالأتي:

أولا: كوتا النساء والمكونات

لا توجد ضمانات لتحقيق كوتا النساء والمكونات المنصوص عليها في الدستور والقوانين الانتخابية في حال استخدام النسخة الأصلية من هذا النظام، صحيح انه يمكن ضمان حصة الكوتا لكن ذلك يتم بعد القيام بإجراء تغييرات في أصل النظام لتتشكل نسخة أخرى منه لا تمت للنسخة الأصلية منه بصلة وفي ذلك تفصيل.

ثانيا: الإمكانيات الفنية لتقسيم الدوائر الفردية

لا تتوفر لحد الآن البيانات أو الإمكانيات أو الموارد الكافية لتوزيع البلد والمحافظات إلى دوائر انتخابية تضم كل منها 100 ألف مواطن أو حتى ما يقارب هذا العدد، وذلك لأسباب عديدة منها عدم إجراء التعداد العام للسكان وعدم وجود قاعدة بيانات تستطيع الجهات المختصة من خلالها إجراء هذا التقسيم، مع الإشارة إلى ان الأصل في تقسيم الدوائر في معظم دول العالم هو ان يكون ذلك من صلاحيات السلطة التشريعية في البلد، مجلس النواب العراقي، وبالتأكيد فان ذلك يتم بالتعاون مع الجهات الفنية المختصة.

ثالثا: الجيريمندر

يُنسب هذا المصطلح (الجيريمندر Gerry-mander) إلى إلبريدج جيري حاكم ولاية ماساتشوستس الأمريكية والتي كانت تضم أغلبية من المواطنين البيض مع وجود كتلة أقلية من المواطنين السود، وكان عدد ناخبي الأقلية السوداء تمكنهم من الحصول على عدة مقاعد في برلمان الولاية، وقام جيري بتقسيم الولاية إلى دوائر انتخابية فرديه عاملا على تمزيق الكتلة الانتخابية السوداء عن طريق تقسيم الدوائر الانتخابية بحيث يكون ربع عدد ناخبي الدائرة الواحدة من المواطنين السود وثلاثة أرباع ناخبي الدائرة من البيض، وتمكن بذلك من تمزيق القوة الانتخابية للمواطنين السود وكانت النتيجة عدم حصولهم على أي مقعد في تلك الولاية، مع العلم ان الجيريمندر لا تزال تُستخدم في العديد من دول العالم لإضعاف القوة التصويتية لطوائف أو قوميات أو مكونات بعينها عند استخدام الدوائر الانتخابية الفردية.

في العراق المشكلة أعقد من قضية مواطنين بيض وسود، فهناك تعدد في القوميات والأديان والطوائف والمهن وحتى العشائر، وان تقسيم البلد إلى دوائر انتخابية فردية خصوصا في المحافظات ذات الطابع المختلط والمتنوع مثل كركوك، وصلاح الدين، ونينوى، وبغداد سيواجه صعوبات جمة.

فعلى سبيل المثال في محافظة كركوك كيف سنضمن ان الدائرة الانتخابية الفردية ستضم 100 ألف مواطن من قومية واحدة فقط (الأكراد فقط أو من العرب فقط أو من التركمان فقط)، ولنتخيل الحالة لو كانت نتيجة التقسيم الانتخابي لسكان المحافظة إلى دوائر فردية ان كانت إحدى الدوائر الانتخابية الفردية تضم 90 ألف مواطن كردي مع 10 آلاف مواطن تركماني مثلا، حيث سيكون من الواضح ان أصوات الناخبين التركمان ستضيع في زخم الأغلبية الكردية، فهل سيكون هذا التقسيم مقبولا؟ ولنتخيل ما هي التعقيدات والمشاكل التي ستظهر جراء هكذا نوع من الدوائر الانتخابية، كما ان ذلك يمكن تكراره في المناطق المختلطة الأخرى (سنية-شيعية، عربية-كردية، إسلامية- مسيحية).

ومثال آخر على التعقيدات التي ستظهر نتيجة التقسيم إلى دوائر انتخابية فردية، فإذا افترضنا ان استحقاق منطقة بلد والدجيل الشيعية وعذرا لذكر التقسيمات الطائفية، هو 3 نواب في محافظة صلاح الدين استنادا إلى الكتلة العددية لسكان هذه المنطقة، فان بالإمكان تقسيم الدوائر في المحافظة بحيث لا تحصل هذه المنطقة أو الكتلة الشيعية على أي مقعد وذلك عن طريق تمزيق الكتلة وإلحاق كل جزء منها مع أجزاء اكبر من المناطق المجاورة السنية، وبذلك لن تحصل على أي مقعد من مقاعدها الثلاث المفترضة استنادا إلى استحقاقهم العددي، كما يمكن ان يحدث العكس وذلك بمضاعفة عدد المقاعد الانتخابية لسكان هذه المنطقة، ويتم ذلك عن طريق تقسيم المحافظة إلى دوائر بحيث تتكون كل دائرة من 60% من أفراد هذه الكتلة الشيعية و 40% من ناخبي المناطق المجاورة، وبذلك يمكن ان يرتفع عدد المقاعد النيابية لهذه المنطقة إلى 5-6 مقاعد، وهذا أكثر من استحقاقهم طبقا لنسبتهم العددية  ان هذا التلاعب يمكن تنفيذه أيضا في مناطق أخرى مثل الأعظمية السنية أو الكاظمية الشيعية.

لا بل يمكن العبث حتى في الدوائر ذات اللون القومي والديني والطائفي الواحد لكنها متمايزة اجتماعيا، مثال ذلك التقسيم الديموغرافي العشائري الواضح في العديد من المحافظات مثل محافظة المثنى أو النجف الأشرف على سبيل المثال، فكيف إذ نتج عن تقسيم الدوائر في هذه المحافظات ان 60% من ناخبي إحدى الدوائر الانتخابية الفردية هم من العشيرة أ، و40% من ناخبي هذه الدائرة هم من العشيرة ب وكان لكل عشيرة مرشح في هذه الدائرة، ولنا ان نتصور حجم المشاكل والتحديات التي ستحدث أثناء التقسيم وبعده، لا بل إني اجزم ان مجلس النواب وهو الجهة المسؤولة عن تقسيم الدوائر، لن يستطيع التوصل إلى حلول للتحديات والاعتراضات التي ستظهر أثناء تقسيم الدوائر إلى 329 دائرة منفردة في الانتخابات النيابية و 440 دائرة منفردة في الانتخابات المحلية.

رابعا: الفائز يأخذ كل شيء

هذا النظام يوصف بأنه نظام “الفائز يأخذ كل شي” باعتبار ان في الدائرة الواحدة مقعدا واحدا فقط، وأي مرشح يحصل على صوت واحد زائدا عن بقية المرشحين فانه يحصل على كل شي،ء أي على المقعد الوحيد في الدائرة الانتخابية، ولو طبقنا هذا المفهوم على الأرض وقياسا بنتائج الانتخابات البرلمانية السابقة 2014، فقد تكون النتائج صادمة للكثيرين، فعلى سبيل المثال فان ائتلاف دولة القانون قد حصل على 55% من أصوات الناخبين في عموم محافظة النجف الأشرف، ونتج عن ذلك حصول هذا الائتلاف على 6 مقاعد من أصل 12 مقعدا نيابيا مخصص للمحافظة وهو أمر منطقي وفقا للقاعدة التناسبية، حيث حصل هذا الائتلاف على 50% من المقاعد مقابل 55% من الأصوات، وحصلت الكيانات السياسية الأخرى مثل الأحرار، والمواطن، والدولة العادلة على مقعدين لكل منهم وذلك بنسب تصويت اقل مما حصل عليها دولة القانون.

جرى هذا عند تطبيق نظام التمثيل النسبي، أما لو طبقنا نظام التصويت الفردي في محافظة النجف الأشرف فسيحدث الآتي: ان ائتلاف دولة القانون قد حصل على 55% من الأصوات في كل المحافظة عندما كانت دائرة واحدة، أما إذا قسمت محافظة النجف الأشرف إلى 12 دائرة انتخابية، فان المنطق والبيانات التي تحققت سنة 2014 تُبين ان الدائرة رقم 1 في المحافظة حقق فيها ائتلاف دولة القانون نسبة 55% أو ما يقاربها من الأصوات وتليه بقية الأحزاب الأخرى وبالتالي فان هذا الائتلاف سوف يفوز بمقعد الدائرة الانتخابية رقم 1، وفي الدائرة الانتخابية رقم 2 في المحافظة يتبين ان هذا الائتلاف قد حصل على 49% من عدد أصوات الناخبين أو ما يقارب ذلك وتليه بقية الكيانات السياسية الفائزة، وهنا أيضا يحصل ائتلاف دولة القانون على المقعد الوحيد في الدائرة الانتخابية رقم 2، وهو المقعد الثاني لهذا الائتلاف في المحافظة، وهكذا دواليك.

وعند إكمال نتائج جميع الدوائر الفردية في المحافظة ستكون النتيجة ان ائتلاف دولة القانون سيحصل على المقاعد الـ 12 جميعها في محافظة النجف الأشرف، ونفس الأمر ينطبق على العديد من المحافظات، استنادا إلى بيانات انتخابات 2014.

وباختصار فان الحزب الذي يحل أولا في أي محافظة، عدا المحافظات المختلطة، سيحصل على جميع المقاعد أو العدد الأكبر منها في تلك المحافظة، إلا إذا كان هناك تركيز مكثف لحزب آخر في رقعة جغرافية بعينها في المحافظة، لذلك فان من مخرجات هذا النظام هو فوز حزب واحد فقط أو حزبين بأغلبية المقاعد نتيجة المفهوم السابق.

وإذا كانت هذه نتائج هذا النظام مقبولة في دول مثل أمريكا وبريطانيا فهل سيكون الأمر مقبولا في الوسط السياسي العراقي؟ وهل سيُقدم مجلس النواب العراقي على إصدار هكذا قانون ونظام انتخابي إذا ما تبين له ان النتائج ستكون بهذا الشكل؟ لا بل ان السؤال الأهم هو هل ان هذه النتيجة والمتمثلة بهيمنة حزب واحد أو حزبين على المشهد السياسي تصب في مصلحة البلد ومسيرته الديمقراطية؟

خامسا: هدر نسبة كبيرة من أصوات الناخبين

من مخرجات هذا النظام هدر نسبة كبيرة من أصوات الناخبين، فعلى سبيل المثال إذا حصل مرشح الحزب أ على 30% من الأصوات في الدائرة الانتخابية الفردية، وحصل مرشح الحزب ب على 25% من أصوات ناخبي الدائرة الفردية، ومرشح الحزب ج على 20% من الأصوات، ومرشح الحزب د على 15% من الأصوات، ومرشح الحزب هـ على 10% من الأصوات، ستكون النتيجة ان مرشح الحزب أ يحصل على كل شيء (المقعد النيابي)، على الرغم من حصوله على 30% فقط من أصوات الناخبين، في حين ان 70% من الناخبين لم يصوتوا له، وهذا يعتبر هدر في أصوات وإرادة الناخبين، على عكس ما موجود في نظام التمثيل النسبي المطبق الآن والذي من مخرجاته ان من يحصل على 30% من أصوات الناخبين يحصل على 30% من المقاعد فقط، ولذلك يوصف نظام التمثيل النسبي بأنه نظام عادل وتكون دوائره كبيرة وتضم العديد من المقاعد.

سادسا: التأثير على إرادة الناخب والمرشح

من التحديات الأخرى التي تؤشر على هذا النظام هي ان صغر حجم الدوائر الانتخابية يساعد في التأثير على إرادة الناخبين عن طريق الهدايا والرشاوى والترغيب والترهيب.

كما ان المرشح الفائز سيدين بالفضل لناخبي دائرته الانتخابية الصغيرة والتي تمثل في الغالب طيفا دينيا أو قوميا أو طائفيا أو عشائريا، وسينصب جهد المرشح الفائز على تمثيل دائرته الصغيرة ولن يسعى لتمثيل كل المحافظة أو البلد بأجمعه، مما قد يؤثر على توجه النائب المنتخب وتصرفاته أثناء الدورة النيابية والتي يطمح من خلالها ان يُعيد ناخبي دائرته الانتخابية الفردية انتخابه مرة ثانية.

بعد كل هذه الملاحظات هل سيبقى نظام التصويت الفردي هو النظام الأمثل في نظر الكثير من المحللين والمفكرين الذين يبحثون عن النظام الانتخابي الذي يحقق حياة ديمقراطية سليمة وتمثيل نيابي صحيح وأداء مميز للمجالس المنتخبة؟

مع الإشارة إلى ان هناك نظام آخر يجمع بين النظام الفردي والنظام النسبي قد يحقق ما يطمح له الباحثون عن النظام الانتخابي المناسب للبلد، وهذا ما سنتناوله في مقال آخر ان شاء الله.

سعد العبدلي

———————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها