شفقنا العراق-ما من طريقة صوفية إلا وسند اتصالها بالنبي صلى الله عليه وسلم يمر بالحسين عليه السلام فهو صراط المؤمنين للدخول للحضرة المحمدية.
فالحسين عليه السلام هو إمام الصوفية ورائد مدرستها الذي أبى حياة الخنوع والذلة والمهانة، فسطر للبشرية أجمع ملحمة الخلود التي لا يزال هذا الكون يردد عباراتها هيهات منا الذلة، هيهات منا الذلة.
فحينما رأى دين جده المصطفى صلى الله عليه وسلم قد تحول إلى مزرعة أموية تنخر فيه أرضة الطلقاء، رفض ذلك وقدم روحه و أرواح أل بيته عليهم السلام فداء في سبيل إعادة الحق إلى نصابه لتخليص الأمة من هؤلاء الدخلاء ممن لم يتسلل الإسلام إلا إلى أشكالهم فقط فما دخلوا الإسلام إلا رهبة لا رغبة، وذلك بعد فشل جميع مخططاتهم وتأمر اتهم في القضاء على الإسلام.
فبعد أن لبت مكة المكرمة نداء الحق واستقبلت حبيبها المصطفى صلى الله عليه وسلم وجاء نصر الله والفتح، كان لا مهرب لهؤلاء الطلقاء إلا الدخول في الإسلام ليعصموا بذلك نفوسهم من أن تزهق.
فكان إسلامهم مقتصر على الظاهر لا الباطن وهذا هو النفاق بعينه، أناس ما عرفوا التزكية وما ذاقوا طعم الإيمان و ما ترقوا في مقامات الإحسان.
فما كان الإسلام لديهم إلا مظهر ينقذون به رقابهم من القتل ويتسللون من خلاله لتحقيق أهدافهم الدنيوية الدنيئة، بل لقد حاولوا هدم الدين من داخله بعد عجزهم وفشلهم من هدمه من الخارج .
ولذا فقد كان لسيدنا الحسين عليه السلام حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم موقفا لا يزال التاريخ يستلهم منه الدروس, وتتعلم منه البشرية فن التضحية والفداء، ولا زال الثوار في كل زمان ومكان يستمدون منه جذوة ثوراتهم.
لم يستطع سيدنا الحسين عليه السلام السكوت على ذلك الحال المتردي الذي اصحب فيه أهل الزيغ والنفاق يمسكون بمركز القرار ويعبثون بخيرات الأمة وأمجادها العظيمة التي صار العابثون يستولون عليها، ومصيرها يمسك به فراعنة و جلادين طغاة، انزلوا ا بالبلاد والعباد من الأهوال ما يخجل الشيطان نفسه عن اقترافه.
فسار حاملا مشاعل النور لهذه الأمة عله يستعيد لها قرارها الشرعي الذي سلب ويخلصها من عبث الطلقاء وظلمهم.
فالدماء المحمدية السارية في شرايين سيدنا الحسين عليه السلام تأبى أن ترى هذا الدين العظيم الذي بُعث به جده المصطفى صلى الله عليه وسلم لتبليغه من اجل سعادة البشرية , وتحملوا من اجله المشاق قد تحول إلى ملكا عضوضا يهدم فيه الأميون.
فأين هي الأخلاق التي كانت أساس هذا الدين ؟ وأين هي العدالة الاجتماعية التي جاء لتحقيقها الصادق الأمين؟ وأين ما جاء الإسلام به من قيم ومبادئ؟ بل أين الإسلام ذاته ؟
أنقول عنها أنها ذهبت أدراج الرياح بفعل مكر وخداع وانتهازية وسيوف بني أمية؟
إذن فما المخرج والحل؟ ألا يوجد لهذا الدين من يستنهض الهمة ويتحمل المسئولية لإنقاذ الدين و الأمة؟ ويحيي ما حاول بنو أمية إماتته من هذا الدين ,فيعيد إسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا الوهن الذي أصابه.
بلا فهناك لا يزال حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وابن علي الكرار عليه السلام يعيش في هذه الأمة ليكمل مسيرة النور التي بعث بها جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهيهات هيهات لمن ارتضع الألبان الهاشمية أن يقف موقف المتفرج الذي يرى الأمة تغرق في مستنقع ووحل الطلقاء ولا يتحرك بين جوانحه أي شعور.
فكما ضحى الآباء سبيل تثبيت دعائم هذا الدين، كان لزاماً على سيدنا الحسين أن يتحمل مسئوليته التاريخية ويكمل مسيرة التضحية ليقول للباطل الذي طغى: توقف فما زال أبناء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحبل الله الذي تركه للأمة حتى الورود على الحوض من لا يضل من تمسك به على قيد الحياة .
فكانت لحظة النور التي أضاءت درب الأمة مبددة ظلمات الطلقاء , فكانت كربلاء حيث خرج الحسين عليه السلام إليها مع تلك النفوس الطاهرة من آل بيته الكرام عليهم السلام كي يعيد لنا هذا لدين من لص استلبه ,…خرج ليعلمنا الثورة و أخلاق الثورة وأن الإسلام دين لا يقبل الظلم والطغيان وليس غطاء للاستبداد , خرج ليعلمنا ألا نخاف من احد سوى الله ,خرج ليعلمنا أن نضحي من اجل الحرية بأعظم التضحيات وان نروي من اجل هذا المطلب السامي الأرض بالدماء التي لن تكون أكرم ولا اشرف من دم الحسين وأهله التي أروت ارض كربلاء لتنتصر على سيوف الظلمة والطغاة.
وألان نترككم لننصت جميعا لذلك الصوت الرخيم الذي لا تزال أصدائه تدوي في هذا الكون لتعلمنا دروس في الحرية والثورة و النضال والتضحية والفداء، إنه صوت الإمام الحسين وهو يتحدث إلى أخيه محمد بن الحنفية عن أسباب ثورته الحسينية المباركة (إني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما و انما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله اريد أن أمر بالمعروف و انهي عن المنكر).
وفي الخطبة التي خطبها بعد اعتراض جنود ابن زياد له فقد خاطب الإمام الحسين عليه السلام أصحابه وأصحاب الحر فحمد الله قائلا لهم:
“أيها الناس إن رسول الله قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير قد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.
بقلم الباحث اليمني الصوفي الشيخ عبدالناصر التيمي

