نشر : April 29 ,2018 | Time : 08:17 | ID 113518 |

هل حذرت المرجعية الدينية العليا الأمة من داعش؟ (۱٩)

شفقنا العراق ـ المرجعية لم تكن لتنتظر أحدا أو تستشيره لإعلان الجهاد!

هل حذّرت المرجعية العليا الأمّة الشعب العراقي من داعـش ومِن خطره العظيم؟ وإذا كانت قد حذّرت فمتى كان ذلك؟ وأين؟ وكيف؟ مع يقيننا بأنها تُواكب الأحداث وتُراقبها وتعلم بشكل جيد بأدق تفاصيلها. وسؤال آخر:

هل حذّرت المرجعية العليا من خطورة النيل من الدولة؟ وهل عمِلت على صون وحفظ الدولة ومرتكزاتها؟ متى كان ذلك؟ وأين؟ وكيف؟ مع يقيننا بأن في حفظ وصون الدولة وتعزيز مقوماتها المُتمثلة بـ (الشعب-الأرض-السلطة) هي حفظ وصون أمن واستقرار الشعب ومقدساته وأراضيه.

لا مناص من أن الجواب على الأسئلة أعلاه وما ينبثق من أسئلة أخرى هو: نعم! نعم حذّرت المرجعية العليا مرارا وتكرارا من الإرهاب والإرهابيين الذي داعش هو أحد صوره ومصاديقه. فتحذيراتها جاءت مبثوثة عبر أساليب خطابها المتنوع والموجه للجميع. ولعل منبر صلاة جمعة كربلاء هي أكبر الوسائل وأوضحها.

لذا أعرض هنا مساهمة متواضعة لرصد بعض مواقف المرجعية العليا بتقصّي أقوالها المُحذرة عن تلكم الأخطار، لتكون شاهدة وحجّة على من جَحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا. وبالتركيز على فترة قتال داعش والمحصورة ما بين خطبتي الجهاد والنصر وما بعدها لما لحق بالفتوى من ظلم وتعدّي وتشويه وتقوّل.. بمقال يحمل عنوان “هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش”، متسلسل على شكل حلقات مرقمة، تأخذ من جملة (هل تعلم بأنّ المرجعيّة الدينيّة العليا) التي تبدأ بها جميع الحلقات، لازمة متكررة موجبة للعلم والفهم (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) لمجمل مواقف المرجعية العليا حول ذات الموضوع. ربما نلمس مِن خلال هذا السِفر جهاد وصبر وحكمة المرجعية العليا في حفظ العراق بلدا وشعبا ومُقدسات.

ــــــــــــــــــــــــ

87-هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا..

كانت قد نهضت في يوم 13/6/2014 بالمسؤولية العظمى -الشرعية والوطنيّة والتاريخيّة- المُلقاة على عاتقها في حفظ بيضة الإسلام والمذهب وإرثه العريق والوطن ومُقدساته والمصلحة العليا للعراق وشعبه، وأصدرت فتوى الجهاد الكفائيّ لصد أكبر هجمة بربريّة لأعتى منظومة إجراميّة عالميّة تعرض لها العراق في العصر الحديث، والمتمثلة بالعدو -داعـش-.

ذلك العدو الذي انتهج منهجا ظلاميا بعيدا عن تعاليم الإسلام ورفض قبول الآخر أو التعايش معه، واعتمد أساليب العنف والقتل وإثارة الإحتراب الطائفي أينما حلّ في بسط نفوذه وسلطته حتى بات يُهدد مدنا أخرى غير الموصل وصلاح الدين والرمادي ككربلاء والنج المُقدستين بعد أن قرع أبواب أسوار العاصمة بغداد.

جاءت فتوى الدفاع المقدسة نتيجة قراءة مستفيضة عميقة ومتأنية من قبل المرجعية العليا لمجمل سير الأحداث السياسيّة والأمنيّة والإجتماعيّة سواء في الداخل العراقي أو خارجه، خصوصا لحقبة ما بعد التغييرعام 2003 وإرهاصاتها. ونكون قد جانبنا الحقيقة حينما نركن الى فكرة أن الفتوى أتت كردّة فعل آنيّة ومستعجلة من المرجعية العليا كما يتصورها البعض.

ولأهميّة الموقف وحساسيته نرِد نصّ خطبة فتوى الدفاع المقدسة في جمعة كربلاء 13/6/2014:

والتي جاء فيها: (إنّ الأوضاع التي يمرّ بها العراق ومواطنوه خطيرة جداً، ولابُدّ أن يكون لدينا وعي بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقنا أنّها مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة، لذا نود توضيح ما يلي:

1- إنّ العراق وشعب العراق يواجه تحدّياً كبيراً وخطراً عظيماً وإنّ الإرهابيين لا يستهدفون السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين فقط بل صرّحوا بأنّهم يستهدفون جميع المحافظات، ولا سيّما بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف، فهم يستهدفون كلّ العراقيين وفي جميع مناطقهم ومن هنا فإنّ مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم هي مسؤولية الجميع ولا يختصّ بطائفةٍ دون أخرى أو بطرفٍ دون آخر.

2- إنّ التحدي وإنْ كان كبيراً إلاّ أنّ الشعب العراقي الذي عُرِفَ عنه الشجاعة والإقدام وتحمّل المسؤولية الوطنية والشرعية في الظروف الصعبة أكبر من هذه التحديات والمخاطر، فإنّ المسؤولية في الوقت الحاضر هي حفظ بلدنا العراق ومقدساته من هذه المخاطر وهذه توفّر حافزاً لنا للمزيد من العطاء والتضحيات في سبيل الحفاظ على وحدة بلدنا وكرامته وصيانة مقدساته من أن تهتك من قبل هؤلاء المعتدين، ولا يجوز للمواطنين الذين عهدنا منهم الصبر والشجاعة والثبات في مثل هذه الظروف أن يدبَّ الخوفُ والإحباطُ في نفسِ أيِّ واحدٍ منهم، بل لابُدّ أن يكون ذلك حافزاً لنا لمزيد من العطاء في سبيل حفظ بلدنا ومقدساتنا.

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). وقال تعالى: (وَقاتِلُوا في‏ سَبيلِ اللَّهِ الَّذينَ يُقاتِلُونَكُمْ‏ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدينَ).

3- إنّ القيادات السياسية في العراق أمام مسؤولية وطنية وشرعية كبيرة وهذا يقتضي ترك الاختلافات والتناحر خلال هذه الفترة العصيبة وتوحيد موقفها وكلمتها ودعمها وإسنادها للقوات المسلحة ليكون ذلك قوة إضافية لأبناء الجيش العراقي في الصمود والثبات، مُوضّحاً أنّها -أي القيادات السياسية- أمام مسؤولية تاريخية ووطنية وشرعية كبيرة.

4- إنّ دفاع أبنائنا في القوات المسلحة وسائر الأجهزة الامنية هو دفاع مقدّس ويتأكّد ذلك حينما يتّضح أنّ منهج هؤلاء الإرهابيين المعتدين هو منهج ظلامي بعيد عن روح الإسلام يرفض التعايش مع الآخر بسلام ويعتمد العنف وسفك الدماء وإثارة الاحتراب الطائفي وسيلةً لبسط نفوذه وهيمنته على مختلف المناطق في العراق والدول الأخرى، فيا أبناءنا في القوات المسلحة أنتم أمام مسؤولية تاريخية ووطنية وشرعية واجعلوا قصدكم ونيتكم ودافعكم هي الدفاع عن حرمات العراق ووحدته وحفظ الأمن للمواطنين وصيانة المقدسات من الهتك ودفع الشر عن هذا البلد المظلوم وشعبه الجريح.

وفي الوقت الذي تؤكّد فيه المرجعية الدينية العليا دعمها وإسنادها لكم تحثّكم على التحلي بالشجاعة والبسالة والثبات والصبر، وإنّ من يضحّي منكم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم فإنّه يكون شهيداً إن شاء الله تعالى.

والمطلوب أن يحثّ الأبُ ابنه والأمُّ ابنها والزوجة زوجها على الصمود والثبات دفاعاً عن حرمات هذا البلد ومواطنيه.

5- إنّ طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي (بمعنى أنّ من يتصدّى له وكانت فيه الكفاية بحيث يتحقّق الغرض وهو حفظ العراق وشعبه ومقدساته يسقط عن الباقين) وتوضيح ذلك بمثال أنّه إذا تصدّى عشرة آلاف وتحقّق الغرض منهم سقط عن الباقين فإن لم يتحقّق وجب على البقية وهكذا، ومن هنا فإنّ على المواطنين الذين يتمكّنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيّين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوّع للانخراط في القوات الأمنية لتحقيق هذا الغرض المقدس.

6- إنّ الكثير من الضباط والجنود قد أبلوا بلاءً حسناً في الدفاع والصمود وتقديم التضحيات فالمطلوب من الجهات المعنية تكريم هؤلاء تكريماً خاصاً لينالوا استحقاقهم من الثناء والشكر وليكون حافزاً لهم ولغيرهم على أداء الواجب الوطني الملقى على عاتقهم).

في الخطبة أعلاه ستّة مطالب:

  • الأول: أن هناك عدو يُهدد العراق وشعبه ويستهدف جميع المحافظات بلا استثناء ومسؤولية التصدّي ومقاتلة هذا العدو هي مسؤولية الجميع بلا استثاء.
  • الثاني: إنّ المسؤولية في الوقت الحاضر هي حفظ العراق ومُقدساتهـ من هذه المخاطر، وحفظ وحدة البلد وكرامته وصيانة مقدساته من هتك المُعتدين. فلا يجوز أن يدبّ الخوف والإحباط في نفس أيّ واحد من المواطنين.
  • الثالث : جميع القيادات السياسية أمام مسؤولية وطنية وشرعيةـ كبيرة. تقتضي ترك الإختلافات والتناحر خلال هذه الفترة (المحنة) العصيبة. وتوحيد كلمتها، ودعمها وإسنادها للقوات المسلحة (ليكون ذلك قوة إضافية لأبناء الجيش العراقي في الصمود والثبات).
  • الرابع: إنّ أبناء القوات المُسلحة وباقي الأجهزة الأمنية أمام مسؤولية تاريخية ووطنية وشرعية، وأنّ دفاعهم هو دفاع مقدس وإنّ من يضحّي منهم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم فإنّه يكون شهيدا إن شاء الله تعالى.
  • الخامس: إنّ هذا الدفاع المُقدّس واجب على المواطنين بـ(الوجوب الكفائي) ومن هنا فإنّ على المواطنين الذين يتمكّنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيّين عليهم التطوّع للإنخراط في القوات الأمنية لتحقيق هذا الغرض المقدس.
  • السادس: هناك الكثير من الضباط والجنود قد أبلوا بلاءً حسناً في الدفاع والصمود وتقديم التضحيات رغم الإنهيار العسكري والأمني فهؤلاء يستحقون التكريم والثناء والشكر.

ما الذي حصل؟ ربّ سائل يسأل: ما بال مطالب المرجعية العليا التي تضمّنها بيانها يوم 10/6/2014؟

فما عدا ممّا بدا حتى اضطرّت المرجعية العليا الى إصدار فتوى لقتال داعش بعد مرور 72 ساعة منه؟

فما الذي حصل؟

الذي حصل هو ما يحصل لتحذيرات المرجعية العليا وتنبيهاتها ووصاياها في كل مرّة. فلم تلقى آذانا صاغية البتّة، بل لاقت من قبل المُتصدّين للشأن الحكومي ومن قبل جميع الفرقاء السياسيين اللامُبالاة، إن لم يكن هناك إلتفاف جدّي حول فتوى الجهاد أصلا. فلم تستجب الحكومة آنذاك وكذلك القيادات السياسية لوصفة المرجعية العليا لحل الأزمة ولتدارك الخطر الكبير والمتضمنة على توحيد الكلمة، كلمة السياسيين، والوقوف بوجه الإرهابيين باتخاذ موقف موحد وتوفير الأمن للمواطنين.

ولم تخطو الحكومة آنذاك خطوة واحدة رسميّة وطنية على ضوء ذلك لقتال داعش بشكل جدّي عن طريق القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية.

بل استمر بينهم مسلسل المُناكفات السياسية وزادت نبرة والإتهام والتخوين وطفحت على السطح عدّة مُبادرات وسيناريوهات للحل بديلة وبعيدة عن مُبادرة المرجعيّة العليا بل وتقف بالضدّ منها، ويُشمّ منها رائحة المساوامات والصفقات السياسية العطنة على حساب العملية السياسية والحكومة والشعب والدولة ككل.

فبات العراق وشعبه ومقدساته على شفا حُفر من نار وليست حفرة واحدة، نار عصابات تنظيمات داعـش الذي راح يتضخّم ويتسع بصورة كارثيّة كالسرطان المدمر ويتمدد في كل آن، ونار سيناريوهات السياسيين الفاسدين وأمراء الحرب والإقتتال مثل سيناريو تطبيق الأحكام العرفيّة الرامي الى تعطيل الدولة والدستور معا، ونار إطلاق يد الميليشيات والمجاميع المسلحة التي وصفتهم المرجعية يوما ما بأنهم خارجين عن القانون والتي استنفرت معظمها أصلا من قبل كافة الأحزاب السياسية الفاعلة كأذرع لها في الساحة، أو نار سيناريو دخول الحكومة بمفاوضات مع ما يُسمّى الثوّار أو ثوّار العشائر، أو هكذا يُحبّ أن يُسمّي داعش بعد سقوط الموصل في المناطق الساحنة عن طريق أذرعهم السياسية والمنخرطين أصلا ً في العملية السياسية.

ومن بين سموم ودخان هذا الأتون..نهضت المرجعية العليا بمسؤليتها العظمى وأحبطت كل سيناريوهات تعطيل الدولة أولا، وإفشلت كل مؤامرات جرّ العراق نحو التقسيم والحرب الداخلية الطائفية وتمزيق النسيج الإجتماعي ثانيا، وأحبطت مفاوضات الحل مع تنظيم داعش من خلال الأذرع السياسية المتواطئة ثالثا.

المرجعية العليا لم تكن لتنتظر أحدا

أطلقت المرجعية العليا فتوى الدفاع المقدسة ولم تكن لتنتظر استشارة أحد أو مشاورة أيّ أحد كان. فلم تكن لتنتظر من حكومة ولا من وزارة ولا من تحالف سياسيّ ولا من حزب أو كتلة سياسيّة موافقة ما ولا حتى أخذ رأي أحد ممكن أن يخطر على ذي بال داخل العراق أو خارجه.

فبعد أن استشعرت المرجعيّة الخطر الداهم على الأرض والعرض والمقدسات راحت تستنهض همم الشعب العراقي المجروح واطلقت الفتوى.

ولعل دعوة المرجعيّة العليا القيادات السياسية بدعم وإسناد القوات المسلحة ليكون ذلك قوة إضافية لأبناء الجيش العراقي في الصمود والثبات في إشارة واضحة الى امتلاك معظمهم على فصائل مسلحة مرتبطة بأحزابهم السياسية.

وكان خير لها أن تنخرط للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ولكن مضى الأمر على غير ما تريده المرجعية العليا والشعب العراقي وتُسجّل هنا أول عملية ابتزاز وإلتفاف على الفتوى المُقدسة، حيث ظلت تلك الميليشيات والمجاميع المُسلحة تعمل خارج المنظومة القانونية والدستورية كرديف غير شرعي للجيش والأجهزة الأمنية العراقية.

وهذا ما رفضته المرجعية العليا رفضا باتا وردّت عليه وتناولته في الخطبة اللاحقة لخطبة الجهاد الكفائي يوم 20/6/201 ففي النقطة الثانية قالت المرجعية العليا بالحرف الواحد:

(إنّ دعوة المرجعية الدينية إنّما كانت للإنخراط في القوات الأمنية الرسمية وليس لتشكيل مليشيات مسلّحة خارج إطار القانون)!

ويجدر الإلتافت هنا الى أن المرجعية العليا اعتبرت أن مَن يُضحي بنفسه من أجل الدفاع المقدس من القوات المسلحة حصرا هو الشهيد إن شاء الله تعالى.

عودة الى بيان 10 حزيران

المرجعية العليا قد ألمحت ببيانها يوم 10 حزيران، بأنها كانت ولا زالت تُراقب وتُتابع بقلق التطورات الأمنيّة الحاصلة، وهي العالمة والعارفة بعدم إمكانيّة التعويل على الحكومة ولا على معظم القيادات االسياسية في ردّ الهجمة الشرسة لداعش على العراق. وهم من التقصير والقصور ما كان سببا للوضع الدامي الجديد وممّا زاد الطين بلّة.

ولكن المرجعية العليا ومن باب إلقاء الحجة عليهم كانت قد ألقت طوق النجاة الأخير اليهم في بيان 10 حزيران، وكان في إنقاذ الموقف وإنقاذ العراق بلداً وشعبا ومقدسات لا يزال فيه فسحة، ألا أن تقصير الحكومة بتدارك الأمر وقصورها وعجز الفرقاء السياسيين الفاسدين والمتخاونين فيما بينهم جعل من ردع خطر داعش أمر عقيم وغير مجدٍ البتة، بل أن سوء إدارتهم للبلد والفساد المستشري في أكثر مفاصل الدولة، وسماحهم للأجندات الخارجيّة لأن تعبث بمقدرات العراق والعراقيين، أسباب مكّنت داعش من الدخول وغزو العراق.

المرجعية العليا لا غيرها

وبهذا تكون المرجعية الدينية العليا بحق هي لا غيرها:

  • مَن عرّفت الأمّة (الشعب العراقي) العدو وعيّنته له وشخّصته كعدو حقيقي يُشكل خطرا ً عليه وعلى مُقدساته.
  • وأنها هي لا غيرها مَن صرّحت بإسم ذلك العدو وكان داعـش.
  • وأنها هي لا غيرها مَن حدّدت السبيل الوحيد للقضاء عليه وهو إعلان الحرب وقتاله حتى زوال خطره على العراق وشعبه ومُقدساته.
  • وأنها هي لا غيرها صاحبة قرار وقف قتال العدو بعد إعلان الإنتصار عليه نهائيا.
  • وانها هي لا غيرها مَن بيدها سحب الفتوى المقدسة متى ما حققت جميع أغراضها  واهدافها.
  • وانها هي لا غيرها مَن أنقذت البلاد والعباد والمقدسات.
  • وأنها هي لا غيرها مَن أعادت الهيبة للدولة العراقية ومنعت انهيارها وأنتشلتها من براثن العدو .
  • وأنها هي لا غيرها مَن أعادت الأمل في نفوس العراقيين كافة، وجعلت النصر واستعادة العزّة والكرامة مُمكنا بعد أن غرقوا بالإحباط والإنكسار والإحساس بالهزيمة.
  • وأنها هي لا غيرها مَن أفشلت مُخططات تقسيم العراق وتفتيت مُحافظاته وضرب السلم الأهلي فيه.
  • وأنها هي لا غيرها مَن أطلقت دعوتها لقتال داعش ومن غير أن يتهمها أحد بالطائفية.
  • وأنها هي لا غيرها مَن كانت دعوتها لقتال داعش دعوة وطنية خالصة لا تشوبها شائبة.

قراءة في خفايا خطبة فتوى الدفاع المقدسة

وإذا ما رجعنا الى مضامين خطبة فتوى الدفاع المقدسة وقرأناها قراءة واعيّة متأنيّة، وأمعنّا النظر بفقراتها المتسلسلة جيدا نجد أن المرجعية العليا كانت قد شخّصت التحدّي الخطير الذي واجه العراق والعراقيين واقع في خطابها على نوعين من التحديات لا ثالث لهما:

  1. ظاهر جلي أسمته بالإرهابيين المعتدين ووصفته بالتحدّي الكبير والخطر العظيم وهذا يجب مقاتلته لا محالة لحفظ العراق ومقدساته.
  2. مُستتر خفي أسمته بـالقيادات السياسيّة وهي المتصديّة للشأن السياسي، ووضعتهم أمام مسؤوليّة وطنيّة وشرعيّة وصفتها بـالكبيرة في إشارة إلى أنهم السبب المباشر في تردّي الأوضاع في العراق وهو ممّا لا يخفى، والسبب الغير مباشر الذي مهدّ لدخول داعش الى العراق!

ولإدراك واستيعاب هذا المطلب علينا أن نلحظ بأن المرجعيّة العليا قد وجّهت خطابها ليشمل فئات أربع وهي:

أ- الشعب العراقي على النحو العام.

ب- المواطنون على النحو الخاص.

ج- القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

د- القيادات السياسية.

فبعد أن استهلّت المرجعيّة العليا الخطاب وهي تحثّ العراقيين جميعاً على الشجاعة وشحذ الهمم، ودعتهم بأن يكون لديهم الوعي الكافي بعمق المسؤوليّة الشرعيّة والوطنيّة الملقاة على عاتقهم، وكانت قد أعطت لكلّ دوره ومسؤوليته بحسب مقتضى حاله.

فلا غرو أن نجد المرجعيّة العليا قد جمعت الفئات الثلاث الأولى (أ+ب+ج) وهي الشعب العراقي والمواطنين والقوات المسلحة بـمقتضى الحال وشملتهم بخطاب واحد ذا مهمّة واحدة مقدّسة هي القتال، قتال داعش والدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه.

ولكن لماذا؟

لشمولهم ووقوعهم في دائرة التهديد والتحدّي والخطر المداهم لهم جميعا، والذي وصفته بـالكبير والعظيم المتمثل بعصابات تنظيمات داعش، حيث قالت: (إنّ طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي.. وإنّ من يضحّي منكم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم فإنّه يكون شهيداً إن شاء الله تعالى)!

في حين نراها قد عزلت الفئة الرابعة (د) وهي القيادات السياسيّة من مهمة القتال المقدّس، حيث كان مقتضى الحال لديهم لم يكن إلا في ترك الإختلافات والتناحر فيما بينهم، خلال هذه الفترة على أقل تقدير والتي وصفتها المرجعيّة بـالعصيبة، ودعتهم الى دعم القوات المسلحة وإسنادها من خلال زج فصائلهم المسلحة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أولا، وتوحيد موقفهم المشتت وكلمتهم المبعثر ثانيا، حيث قالت: (إنّ القيادات السياسية في العراق أمام مسؤولية وطنية وشرعية كبيرة وهذا يقتضي ترك الإختلافات والتناحر خلال هذه الفترة العصيبة , وتوحيد موقفها وكلمتها ودعمها وإسنادها للقوات المسلحة)!

السرّ في عزل المرجعيّة العليا للقيادات السياسيّة وعدم شمولها بالخطاب الموحد مع باقي الفئات إنما ينطلق من مُنطلق (فاقد الشيء لا يُعطيه، لعلمها ودرايتها المسبّقة بهم بإنغماسهم بالصراعات والمناكفات السياسيّة, التي بسببها أودت بالبلد إلى ما هو عليه من التردّي والتمزق والتشظّي المدمر، حتى صاروا مسوّغا ً لدخول داعش وتمكنه من احتلال ثلثي أرض العراق وتهديد أمنه الوطني وأمن شعبه!

والدليل هو ما أشارت اليه المرجعية العليا في وقت لاحق من تاريخ خطبة الجهاد ومن خلال (وكما سنعلم ذلك بالتفصيل مستقبلا) أجاباتها على أسئلة الصحافة الفرنسيّة في 20/ 8/ 2015 حيث قالت بالحرف الواحد: (إنّ السياسيين الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية يتحمّلون معظم المسؤولية عمّا آلت إليه الامور..)!

بل وحملتهم المرجعية العليا مسؤوليّة تمكين داعش للدخول الى العراق حيث قالت: (لولا استشراء الفساد في مختلف مؤسسات الدولة ولاسيّما المؤسسة الأمنية، ولولا سوء استخدام السلطة ممن كان بيدهم الأمر، لما تمكّن تنظيم داعش الإرهابي من السيطرة على قسمٍ كبيرٍ من الأراضي العراقية، ولما كانت هناك حاجة الى دعوة المرجعية العليا للعراقيين الى الإلتحاق بالقوّات المسلّحة للدفاع عن الأرض والعِرض والمقدّسات)!

ــ وبهذا تكون فتوى الدفاع المقدسة قد أشارت إلى أن القيادات السياسيّة هي وبلا شك ثاني أكبر تحدّي خطير يواجهه العراق والعراقيين بعد داعش!

يتبع ..

نجاح بيعي

———————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها