نشر : April 19 ,2018 | Time : 10:58 | ID 112559 |

“شخصية السيد السيستاني وسيرته السياسية”..شفقنا تحاور العلامة منير الخباز (۱)

خاص شفقنا-سماحة العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد منير السيد عدنان الخباز، من أفاضل علماء القطيف، هو أحد تلامذة المرجع الديني الأعلى آية الله السيد السيستاني دام ظله وكذلك من تلاميذ المرجع الديني الراحل آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي، درس في النجف الأشرف كما في قم المقدسة، وحضر مجالس ودروس كبار علماء المدينتين، تنقل بين العراق والسعودية وسوريا وإيران طلبا للعلم والنهل من كبار مراجع الدين.

تميز حوار “شفقنا” معه بتحليلاته ومعلوماته المثيرة التي تتحف القارئ بمعرفة عميقة وواسعة حول الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والمرجعية الشيعية، وكذلك شخصية المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني دام ظله.

وفيما يلي الجزء الأول من حوار “شفقنا” مع العلامة الخباز، وسننشر الجزء الثاني لاحقا.

يقول السيد الخباز لـ”شفقنا”، عن وضع حوزة النجف ومناهج التدريس فيها:

“حينما ذهبت إلى النجف الأشرف في سنة 1978 كانت النجف زاخرة بالمراجع العظام منهم الإمام الخوئي والإمام الخميني والسيد الشهيد محمد باقر الصدر والعلماء الأفاضل أمثال آية الله العظمى السيد محمد الروحاني وآية الله العظمى السيد عبد الله السبزواري وآية الله العظمى السيد السيستاني وكثير من المجتهدين”.

ويضيف إن “حوزه النجف الأشرف تضم مدارس متعددة منها مدرسة المحقق النائيني التي تركز على الفقه والأصول وكانت تمثلها آنذاك بحوث السيد الخوئي، وكذلك مدرسة المحقق العراقي وكانت تتمثل في بحوث السيد الشهيد سيد محمد باقر الصدر، ومنها ما هو امتداد لمدرسة المحقق الأصفهاني الكمباني تمثلها بحوث آية الله العظمى السيد محمد الروحاني، ومنها مدرسة مزجت بين الأصول والفلسفة يمثلها منهج الإمام الخميني، كل هذه المناهج والمدارس كانت عامرة وواضحة في حوزة النجف الاشرف في تلك المرحلة”.

ينفي السيد منير الخباز وجود تعارض وتزاحم بين هذه المناهج أو من يعارضها، ويقول “كان بينها التكامل وقد كونت للحوزة العلمية في النجف الأشرف أجواء علمية معمقة ومركزة، وكان للطلاب حضور متميز في مسجد الخضراء والمسجد الهندي ومسجد الشيخ الأعظم وكانت المدارس المختلفة مثل مدرسة الخليلي، ومدرسة الآخوند، ومدرسة اليزدي تعج بالبحوث وبالحوارات على ضوء هذه المناهج المتنوعة التي يكمل بعضها بعضا.

سألناه عما كان يميز النجف في تلك المرحلة من حيث المكانة والمراجع والمناهج الدراسية والأخلاقية والروحية، وعن علاقة الأستاذ بالطلاب، وكذلك الفوارق بين مدرسة النجف وبين الحوزات العلمية الأخرى، إن كان هناك مدرسة باسمها طبعا، فأجاب موضحا:

“لا إشكالية في وجود فوارق بين حوزة النجف وبين بقية الحوزات العلمية في قم أو مشهد أو اصفهان أو أي مكان آخر، فالنجف تتميز على مستويين: المستوى النوعي والكمي. كما ان لمستوى الفكر الحوزوي في النجف الاشرف تميزا وتوهجا واضحا على مستوى بقية البحوث في الحوزات الأخرى، كذلك هناك تميز نوعي يتجلى في عدة أمور”.

يضيف الخباز لشفقنا، إن “الميزة الأولى تتمثل في اتسام حوزة النجف بقوة التحقيق في مجال الفقه والأصول، فمسار البحث الفقهي في النجف ليس كما في مدرسة السيد البروجردي في حوزة قم، فتتبع الكلمات والمقارنة بين فقه الإمامية وفقه العامة واستقصاء البحث الرجالي والحديث هي سمة البحث الفقهي في قم وسيما في أبحاث السيد البروجردي”.

ثم يقول: “أما مسار البحث الفقهي في حوزة النجف الأشرف فكان يعتمد على التحقيق والتجديد، فلم يكن يقتصر على تتبع الكلمات والتعليق عليها بل كان يعتمد على تحقيق القواعد وتنقيحها وذلك بمحاولة كل فقيه أو مجتهد في النجف الأشرف أن يبدع طرحا جديدا على مستوى القواعد الفقهية المختلفة؛ فالتحقيق هو معلم بارز من معالم حوزة النجف الأشرف”.

ويتابع حجة الإسلام والمسلمين السيد منبر الخباز: “أما الميزة الثانية لحوزة النجف فهي تنوع المدارس…فهناك مشرب عرفي كان يتجلى في بحوث السيد محسن الحكيم ومن خلال كتابه (مستمسك العروة الوثقى). وهناك مشرب عقلي كان يتجلى في فقه المحقق الأصفهاني الذي تناول كثيرا من بحوث الفقه تناولا عقليا فلسفيا. وهناك مشرب عقلي يستند على المرتكزات والقضايا العقلانية تميز به المحق النائيني في الفقه وقد انعكس بشكل واضح على بحوث تلميذه الإمام الخوئي. فهذا التنوع في الاتجاهات والمشارب أعطى النجف زخما من العمق وزخما من الإبداع والتميز على البحوث الأخرى فعندما نلاحظ نتاج حوزة النجف نرى جواهر الكلام، وبحوث الشيخ الانصاري، ومصباح الفقيه للمحقق الهمداني، كما إن المدارس الأصولية الثلاثة مدينة للنائيني، والعراقي، والأصفهاني، كما أنتجت حوزة النجف موسوعة السيد الخوئي في الفقه التي تبلغ ثلاثة وأربعين مجلدا وكذلك مستمسك العروة الوثقى، اذن فنتاج حوزة النجف نتاج غزير وكثير ومتنوع ومشتمل على التحقيق والتجديد والإبداع”.

ويضيف السيد الخباز إن “الميزة الثالثة لحوزة النجف، هو انفتاحها على الزوايا المختلفة للفكر؛ فعلم الفلسفة كان يدرس فيها، وخلافا لما يقال، لا تختص الفلسفة بقم فقط. فالنجف الأشرف كان زاخرة بكبار الفلاسفة ومنهم المحقق الأصفهاني وقد تخرج السيد الطبطبائي، صاحب تفسير الميزان، من النجف وليس من حوزة قم، فهو نتاج حوزة النجف ثم انتقل إلى حوزة قم. كذلك الشيخ صدرا البادكوبه‌اي وهو من أشهر مدرسي الفلسفة، وآية الله الشيخ عباس القوجاني الذي اشتهر في مجال الفلسفة والعرفان، وآية الله العظمى السيد عبد الله السبزواري؛ إذن فالنجف منفتحة على علم الفلسفة بشكل واضح.. كما أن النجف منفتحة على علم الرجال، وقد ألف السيد الخوئي كتابه (معجم رجال الحديث) الذي يبلغ اثنين وعشرين جزءا.

“لقد انفتحت النجف على العلوم الأخرى أيضا، فكلية الفقه ومنتدى النشر أدخلا إلى حوزة النجف علوما جديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ والجغرافيا، وقد برز من حوزة النجف مؤلفون كثيرون على مستوى التاريخ وعلى مستوى العلوم الأخرى، فمن النجف كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر (فلسفتنا)، و(اقتصادنا) وناقش فيها نظرية الماركسية والاشتراكية والمدارس الغربية. كما إن العلامة الشيخ باقر القرشي كتب في النجف موسوعته التاريخية المعروفة، فكل هذا يشهد على إن حوزة النجف متميزة بالتنوع والانفتاح على العلوم المختلفة.

يعرف عن النجف، معارضة بعض علماءها لتدريس الفلسفة، لكن السيد الخباز يوضح بالقول:

“يرجع ذلك إلى ما ينقل عن الراحل السيد أبو الحسن الأصفهاني حين منع الراتب الشهري لمن يدرس الفلسفة أو العرفان، ولكن بعد وفاة السيد الأصفهاني، عادت الفلسفة والعرفان إلى حوزة النجف دون معارضة…نعم هناك أصوات تعارض تدرس الفلسفة في الآونة الأخيرة، فالفلسفة والعرفان، فيهما نظريات خاطئة ونظريات صحيحة وبعض الإشكالات وبعض الحقائق…ولما كان بعض الطلبة أو المعممين يتشبث ببعض الآراء الفلسفية ويحكمها حتى على النصوص الواضحة المستفادة من القرآن والأحاديث الشريفة، بادر عدد من المراجع إلى تحريم ومنع دراسة الفلسفة والعرفان لسد هذا الباب وأقصد منه استغلال بعض النظريات الفلسفية أو العرفانية لتحريف بعض الحقائق المستفادة من نصوص القرآن و الأحاديث الشريفة، ولكن هذا لا يعني سقوط علمي الفلسفة و العرفان عن قيمتهما الواقعية من حوزة النجف، بل ما زال البحثان عامران في ضمن حوزة النجف الاشرف فضلا عن تدريسهما.

سألنا العلامة الخباز عن سلوك علماء النجف في تلك المرحلة، اجتماعيا وأخلاقيا، وكذلك علاقتهم بالناس والطلاب، كما عن طريقة إدارة بيوت المراجع وتوجهاتهم الأخلاقية.

فأجاب: “لاريب إن هناك نقاط إيجابية في العلاقة الاجتماعية بين علماء النجف وبين عموم الشعب العراقي، فضلا عن لنقاط السلبية”.

“هناك سمة عامة لعلماء النجف، لا أقول كل المعممين بالنجف، فهي سمة نوعية لعلماء النجف وسيما مراجعها، الزهد والتعفف عن السعي وراء الأموال والمناصب والعناوين الاجتماعية البّراقة…المعروف عن علماء النجف بصفة عامة انهم يعيشون عيشة الفقراء ويبتعدون عن مشاركة الناس في أموالهم ويناؤون بأنفسهم عن السعي وراء المناصب والعناوين والشهرة والدعاية، وخلافا لكثير من المدن والحوزات التي لا يمكن رؤية المراجع إلا في أوقات مخصصة ولا يمكن الحديث معهم إلا بشروط وبحدود معينة فضلا عن الأجواء و الحواجز التي تمنع المرجع والعلماء عن الانخراط مع الناس، عرف عن علماء النجف عيشهم البسيط وثيابهم المتواضعة واختلاطهم مع الناس عبر حرم العلوي الشريف وتواضعهم لعامة الشعب وجلوسهم مع الفقير والغني، فترى المرجع بنفسه موجودا في الحرم الشريف وبين الناس يجيب عن المسائل ويتحدث ويستخير ويتكلم؛ لم تكن هناك حواجز ومواعيد تفصل المرجع عن عامة الناس؛ فكانت حوزة النجف تعيش بساطة في التعامل وتلاقيا حميما بينها وبين عامة الناس….ولذلك كان الناس يتعاملون مع العلماء تعامل الاحترام والاجلال و انوا يثقون بهم ثقة مطلقة، فأصحاب الدكاكين يبيعون العلماء ما يريدون دون مطالبة مالية لأنهم كانوا يعلمون بأنهم يعتمدون على راتب شهري، فإذا لم يكن عند العالم ما يسدد به ديونه، ينتظرون سنة أو أكثر وربما يسقطون عنه الدين؛ فهذه الحالة من الأبوة والأخوة كانت عميقة وواضحة في تعامل علماء النجف مع عامة الناس، فأغلب المساجد كانت تشهد حضور مرجعيا لأداء صلوات الجماعة، هذا في حين إن عددا كبيرا من مراجع الدين في المدن والبلدان الأخرى، لا يخرجون من بيوتهم لأداء صلوات الجماعة… ولا يختلطون بالناس ما عدا ساعات محددة، لكن النجف لم تشهد مثل هذه الصورة من الحواجز…فأنا أدركت مرجعية الإمام الخوئي وكنت أدخل عليه رحمه الله، في أي وقت، أسأله مختلف الأسئلة وأطلب منه الاستخارة أو أتحدث معه أو أطلب الحديث في قضية اجتماعية خاصة أو عامة… كل ذلك كان متاحا وسهلا، ولم يكن هناك حواجز ولا عوائق، وكنتُ مراقبا لصحة المرحوم المقدس آية الله العظمى السيد عبد الله السبزواري،  وكان زاهدا تقيا متواضعا جدا يجلس معنا ونحن طلبة صغار يبتسم لنا ويستخير لنا ويشجعنا ويستقبل أسئلتنا العادية التي كانت في شرائع الإسلام وفي اللمعة وألفية ابن مالك”.

يضيف السيد الخباز: “نعم هناك أمور سلبية لا ننكرها وهي أن حوزة النجف الأشرف وفي أيام الإمام الحكيم كان ينطلق منها العلماء والمبلغون لجميع المدن والقرى والأرياف في العراق حاملين على عاتقهم مسئولية التبليغ والإرشاد والتوعية…فكان هناك التحام بين الشعب العراقي بل بين البلدان الإمامية عموما وبين حوزة النجف، ولكن بعد رحيل الإمام الحكيم، غابت هذه الظاهرة شيئا فشيئا ولم يكن هناك وضوح في عملية الإرشاد و التبليغ والتوعية في المدن العراقية فضلا عن خارج العراق مما أدى إلى قلة الارتباط وضعف التواصل بين الناس وبين المرجعية والحوزة العلمية…ولعل الظروف السياسية الخانقة التي في النظام البائد البعث في ساهمت في تكوين حاجز بين الحوزة  وبين الناس، فلم يعد الشعب العراقي آنذاك على تواصل وعلاقة واضحة مع رجال الحوزة العلمية”.

لا يمكن الحديث عن معالم حوزة النجف والمرحلة الراهنة دون الحديث عن مكانة السيد السيستاني ودوره، سألنا السيد منير الخباز عن طريقة معرفته بالمرجع الأعلى، عن مميزاته وبعض الأمور الأخرى، فقال:

“إن السيد السيستاني يتمتع بميزات فكرية وعلمية وثقافية وروحية…يمكن الحديث عن شخصية الاستاذ آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله الشريف، على صعيد عدة محاور: المحور الأول هو السمات العلمية وأولها قدرته على الجمع بين المدارس المختلفة، فهو ومن جهة، ينتمي إلى مدرسة الميرزا مهدي الأصفهاني في مشهد… وقد شيد وطور نظريات العلامة الميرزا مهدي الأصفهاني مثل الفرق بين مقام الإفتاء ومقام التعليم، ونظريته في علل اختلاف الحديث، ونظريته في باب المطلق والمقيد، فهذه النظريات الأصولية التي اكتسبها من مدرسة الميرزا الأصفهاني، طورها السيد السيستاني وعمقها فأصحبت جزءا من حقله الأصولي، كما إنه وعلى صعيد آخر، ينتمي إلى مدرسة السيد البروجردي، فقد حيث حضر عنده عدة سنوات واستفاد منه في مجال المهارة الرجالية والخبرة الحديثية والروائية، فأضاف إلى ذلك مزيدا من خبرته واطلاعه، فهو يعتبر اليوم، الخبير الأول في علمي الرجال والحديث… كما إن السيد السيستاني ينتمي إلى مدرسة النجف باتجاهاتها الأصولية الثلاثة التي يمثلها النائيني والعراقي والأصفهاني، وبحضوره عند السيد الخوئي وملازمته لآية الله العظمى الشيخ حسين الحلي وعلاقته العلمية الوثيقة بالمرحوم آية الله العظمى السيد حسن البجنوردي، استطاع بذكائه وعقليته أن يجمع بين هذه المدارس في مشهد وقم والنجف، فجمع بين مدارس النجف في بحثه الأصولي والفقهي فضلا عما طور وجدد وأبدع إضافة إلى ما تلقاه من أساتذته العظام.

وتابع العلامة الخباز إن “السمة الثانية لشخصية السيد السيستاني العلمية هي خبرته بالفقه العام…وأحاديث العامة، فهو متضلع خبير في فقه المذاهب الإسلامية الأخرى.. وكذلك كتبهم الرجالية والروائية، وفي ظل هذه الخبرة الكبيرة استطاع أن يستفيد من كتب المذاهب الإسلامية كثيرا من القرائن التي ساعدته على فهم روايات أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، فالسيد السيستاني ومثل أستاذه السيد البروجردي، يرى بإن أحاديث أهل البيت ناظرة بكلمات فقهاء العامة وأحاديثهم ومروياتهم.”

“أما السمة الثالث لشخصيته العلمية، فهي إدخال النظريات المستفادة من العلوم الأخرى إلى البحث الفقهي والأصولي …فنلاحظ انه أدخل بعض نظريات علم النفس في بحث الوضع في علم الأصول…كما أدخل في بحث التعادل والتراجيح المسمى بتعارض الأدلة ما يعبر عنه في علم النفس بالمنهج النفسي في تفسير الكلام…وأدخل دليل حساب الاحتمالات الذي هو نظرية في علم الرياضيات، إلى الاصول وطبقه في باب الإجماع والشهرة والتواتر، كما انه وفي بحث حجية القطع في الأصول، أدخل البحث الفلسفي حول نظرية المعرفة بين الفلسفة التقليدية والفلسفة الحديثة… كما نلاحظ ان عند بحثه حول حجية خبر الثقة في الأصول، استقصى آراء المذاهب الإسلامية و ما كتبه كثير من الباحثين المصريين واللبنانيين في مجال التراث، فأدخله ضمن البحث الأصولي وحاكمه وعلق عليه.

يؤكد السيد الخباز “هذه ميزات الشخصية العلمية للسيد السيستاني دام ظله …وهذا هو محور الأول، أما المحور الثاني فهو المحور البحثي في شخصية السيد السيستاني”.

 “كثير من المدرسين الذين حضرنا دروسهم كانوا يستغرقون في إعداد البحث ساعتين او ثلاث ساعات بحسب مستوى البحث فقهيا او اصوليا…لكن السيد السيستاني يستغرق عشر ساعات او خمس عشرة ساعة لإعداد بحث واحد.. فهو يجهد نفسه في مطالعة كل المصادر وكل الكتب المتعلقة بهذا البحث، قديمها وجديدهاـ بل إذا بحث البحث ثم بعد يومين رأى ما يتعلق به، يرجع من جديد إلى البحث السابق ليضيف نقطة او يستدرك معلومة او يحقق نقطة جديدة… فمنهجه في البحث هو منهج التحقيق الكامل، منهج الوصول إلى الحقيقة وليس مجرد ان يعطي للتلاميذ او الطلاب المفاهيم العامة، بل منهجه الوصول إلى كل تفاصيل البحث وكل دقائق البحث واستغراق جميع زوايا البحث.. هذا هو المعلم البحثي الواضح في مسيرته العلمية …ولذلك إذا جلس معه اي انسان إلى يومنا هذا، يجده بحرا من المعلومات المختلفة والمتنوعة.. وهي ثمرة خبرته في التتبع واستقصاء الكتب والمصادر التي اكتسبها خلال ستين سنة من البحث والجهد”.

وتابع الخباز: “أما المحور الثالث فهو شخصيته التربوية، فعلاقة السيد السيستاني بتلامذته هي علاقة الاب المتواضع.. فلم يكن يتعالى على الطلاب.. بل كان يرفض الجلوس على الكرسي، فمهما بلغ عدد الطلاب لم يرض الا ان يجلس ويباحث على الارض… وكان أيضا يصر على ان يتلقى إشكالات الطلاب في داخل البحث وفي خارجه… وفي الفترة التي حضرت عنده كان يجلس بعد البحث، مده طويلة، يتلقى جميع الإشكالات وجميع أسئلة الطلاب … وكان لا يحقر ولا يضحك اذا سأله طالب، ولا يقلل من قيمة إشكاله، بل كان يصغى ويستمع لإشكالات الطلاب مهما كانت ضعيفة، يشجعهم ويحفزهم، فاذا أشكل الطالب إشكالا جيدا قال نعم هذا إشكال جيد، ويقول للطالب أحيانا، ان ما طرحه يلتقي مع ما طرحه المحققون أمثال الأصفهاني والعراقي، فكان هذا يحفظ الطلاب الإشكال كما يخلق علاقة حميمة بين الاستاذ وبين الطالب، فهذه الشخصية التربوية كان يتفرد بها السيد السيستاني مقارنة بكثير من الاساتذة الذين حضرنا دروسهم”.

وحول المحور الرابع، يقول السيد منير الخباز: “المحور الروحي … السيد السيستاني لم يكن نابغة في العلم فقط ولم يكن باحثا متألقا في الدراسات المختلفة فقط ولم يكن استاذا يعيش الأبوة الحميمة مع تلامذته فقط، بل انه ضم إلى شخصيته مواصفات القيادة … فهو مؤهل للقيادة منذ شبابه وهذه الميزة لا تجدها عند كثير من العلماء…السيد السيستاني يتمتع بصفات القيادة الحكيمة وبعد النظر وقراءة الظروف المختلفة بين حين وآخر والدقة في التصريحات والكلمات التي تصدر منه و اختيار الفرص والظروف المناسبة لتصميم المواقف والاهداف ومواكبة الأهداف والتغيرات العالمية، فضلا عن الرصيد الروحي الذي يمتلكه من تحجد وعبادة وزهد و بعد عن الدنيا وزخارفها وإثاراتها ومغرياتها… لقد اجتمعت هذه الصفات المختلفة في شخصيته فكان مؤهلا لقيادة الامة الإسلامية في هذا الظرف الصعب، و اعتقد اعتقادا جازما ان الله تبارك و تعالى يؤهل لكل مرحلة زمنية القيادة التي تتناسب معها، وان الله اختاره لهذا الموقع في هذه المرحلة العصيبة لاحتياج الأمة إلى قيادته الحكيمة التي تتمتع بكل المواصفات التي تعرضنا لها في بيان هذا المحور”.

یتبع..

www.iraq.shafaqna.com/ انتها