نشر : April 19 ,2018 | Time : 09:12 | ID 112555 |

منظومة مضامين نصائح وتوجيهات المرجعية الدينية للمقاتلين في ساحات الجهاد (۳)

شفقنا العراق-تحدثنا في الحلقة السابقة عما يتعلق بهذه المنظومة للأديب الأستاذ محمد سعيد الكاظمي وتوجيهات المرجعية الدينية للمقاتلين، فبعد نظمه للفقرة الأولى ننتقل إلى الفقرة الثاني التي وردت التوصيات فيها بالقول: ((فللجهاد آدابٌ عامَّة لا بُدَّ من مراعاتها حتى مع غير المسلمين، وقد كان النبيُّ “صلى الله عليه وآله” يوصي بها أصحابه قبل أنْ يبعثهم إلى القتال، فقد صَـحَّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: كان رسول الله “صلى الله عليه وآله” إذا أراد أنْ يبعث بسريَّة دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: سيروا باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى مِلَّة رسول الله “صلى الله عليه وآله”: لا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا صبيًّا، ولا ﭐمرأةً، ولا تقطعوا شجرًا إلا أنْ تضطرُّوا إليها)).

 وقد نظم الأستاذ الأديب الكاظمي هذه الفقرة بقوله:

– فَلِلْجِهَادِ هَا هُنَا آدَابُ

عَنِ النَّبِيِّ ٱعْتَادَهَا الْأَصْحَابُ

– إِذْ كَانَ يُغْنِيْ الْجَمْعَ بِالْمَقَالِ

قَبْلَ مَسِيْرِهِ إِلَى الْقِتَالِ

– يَقُوْلُ لا تَغْلُوْا وَلا تُمَثِّلُوْا

لا تَغْدُرُوْا وَلِلشُّيُوخِ وَقِّرُوْا

– وَلا صَبِيًّا تَقْتُلُوْا أَوِ ٱمْرَأَهْ

مِنْ أَيِّ مِلَّةٍ وَأَيِّمَا فِئَهْ

– لا تَقْطَعُوْا شَجْرَةً إَلا إِذَا

ٱضْطُرِرْتُمُ أَوْ جَاءَكُمْ مِنْهَا أَذَى

تحدث الأستاذ الناظم في منظومته عند تضمين الفقرة الثانية التي هي في أبيات خمسة، يما يتعلق بآداب الجهاد بصورة عامة، وما يجب أنْ يكون عليها المقاتلون، وقد ورد ذلك في موضوعين:

– أولاً: إنَّ السيرة النبوية المباركة للجهاد تؤكد على أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجمع أصحابه وجميع المقاتلين قبل مسيرهم إلى الحرب، ويبيِّن لهم أهم ما يجب عليهم أنْ يتمسكوا به في القتال، والأصحاب قد تعاهدوا ذلك الأمر؛ لأنَّ الحرب في النظرية الإسلامية ليست للانتقام والتوسع من أجل الحصول على الغنائم، وإنما هي لأجل الوصول إلى هدف إنسانيٍّ عام، يكون آخر طرقه هو اللجوء إليها في الدفاع عن الشريعة المقدسة، أو في الدعوة إليها، ولمَّا كان الهدف منه ذلك فلا بد أنْ يكون أسلوب الدعوة إليه يتضمن تلك المعاني، وهذا ما يلمسه القارى للسيرة النبوية في الحرب، وقد كانت هذه من توصيات المرجعية الدينية للمقاتلين، وفي ذلك كمال الدعوة الإنسانية، فضلاً عن القيادة الحكيمة في تطبيق فتوى الجهاد، والدفاع عن المقدسات، وهي رسالة واضحة في بث روح المحبة والأمان وعدم الخوف لتلك البلاد التي سيدخلها المجاهدون بعد تحريرها من شر العصابات الإجرامية، وعلى جميع القادة أنْ يتخذوا من هذه التعليمات منهجًا لهم في الحرب، وإنْ كان فيه من الصعوبة البالغة أحيانًا، وخصوصًا إذا كان العدو على درجة بالغة من الحقد في تعامله مع الجميع، حيث لا يفرِّق في حربه وعدوانه بين الرجال والنساء والأطفال، والتي تعد هذه التعليمات الواردة بخصوصهم من أولى مبادىء الحرب.

– ثانيًا: نظَّم الأستاذ الكاظمي في الأبيات الثلاثة الأخيرة حديث الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ذكرته توجيهات المرجعية الدينية في بيان آداب الحرب، وهو الحديث الذي يؤكد على بيان أمور منهية عنها متعددة، ويجب أنْ لا يقوم بها المجاهدون في حربهم، وهناك روايات أخرى في هذا الباب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما  الرواية المتقدمة مع إضافة قوله: ((وأيُّما رجلٍ من أدنى المسلمينَ وأفضلِهم نظرَ إلى أحدٍ من المشركينَ فهو جارٌ حتى يسمعَ كلامَ اللهِ، فإذا سمعَ كلامَ اللهِ عز وجل فإنْ تَبِعَكُمْ فأخوكُمْ في دينِكِم، وإنْ أَبى فاستعينوا باللهِ عليهِ، وأبلغوهُ مأمَنَهُ)). ([1])

إنَّ في هذه الرواية وما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) تمام الإنسانية والحسنى، حتى في القتل والحرب مع الأعداء، وهي مصداق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ([2])، وأهم المناهي الواردة في آداب الحرب:

1- النهي عن الغل. والغِلُّ هو الخيانة والعداوة، وقد نهت الشريعة المقدسة عن ذلك في كثير من مواردها، فمما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الْغِلُّ دَاءُ الْقَلْبِ)) ([3])، وقوله: ((الْغِلُّ يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ)). ([4])

2- النهي عن التمثيل. أي التنكيل بالإنسان عند قتله أو بعده، وقد وقد نهت الشريعة المقدسة عن ذلك في كثير من مواردها، فكان مما يوصي به أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الحرب: ((فَلَا تَقْتُلُوْا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوْا عَلَى جَرِيْحٍ، وَلَا تَكْشِفُوْا عَوْرَةً، وَلَا تُمَثِّلُوْا بِقَتِيْلٍ)). ([5])

3- النهي عن الغدر. الغدر هو ترك العهد الذي يتعاهد الإنسان مع الآخرين عليه، وقد نهت الشريعة المقدسة عن ذلك في كثير من مواردها، فمما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((إِيَّاكَ وَالْغَدْرَ؛ فَإِنَّهُ أَقْبَحُ الْخِيَانَةِ، وَإِنَّ الْغَدْرَ لَمُهَانٌ عِنْدَ اللهِ)) ([6])، وقوله: ((الْغَدْرُ شِيْمَةُ الِّلئَامِ)). ([7])

4- النهي عن قتل فئات خاصة: وهم الشيخ الكبير، والصبي، والمرأة. وفي هذا كمال التعامل الإنساني مع الضعفاء؛ لأنَّ أولئك قد لم يكونوا من أسباب الحرب دون سواهم، أو لضعفهم عن قتال المسلمين وإنما هم أهل للعدو، ولبيان أنَّ الإسلام يريد قلع جذور الأذى والاعتداء، وهؤلاء ليسوا ممن يقوم بذلك، وخصوصًا ما ورد في النساء، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ “صلى الله عليه وآله” نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِيْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلْنَ، فَإِنْ قَاتَلَتْ أَيْضًا فَأَمْسِكْ عَنْهَا مَا أَمْكَنَكَ)). ([8])

5- النهي عن قلع الأشجار. وفي ذلك كناية عن الإيذاء المبالغ فيه تجاه البيئة، وكل ما يتعلق بذلك، فلا يجوز الإيذاء وتدمير الأرض وما فيها عند القتال، إنْ لم يكن في ذلك ضرورة أو أذى، فمن قول النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك: ((وَلَا تُحْرِقُوْا النَّخْلَ، وَلَا تُغْرِقُوْهُ بِالْمَاءِ، وَلَا تَقْطَعُوْا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تُحْرِقُوْا زَرْعًا)). ([9])

6- عدم الابتداء بالقتال إلا بعد إقامة الحجة.  وهذه هي سيرة الإسلام إذا ٱضطر إلى القتال فلا يكون إلا بعد الدعوة والنصيحة وإقامة الحجة؛ لئلا يبقى عذر لهم عند مقاتلتهم، وسيرة النبي وأهل بيته (عليهم السلام) خير شاهد على ذلك. ومما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((وَإِذَا لَقِيْتُمْ عَدُوًّا لِلْمُسْلِمِيْنَ فَادْعُوْهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثٍ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوْكُمْ إِلَيْهَا فَاقْبَلُوْا مِنْهُمْ، وَكُفُّوْا عَنْهُمْ، ﭐدْعُوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ دَخَلُوْا فِيْهِ فَاقْبَلُوْا مِنْهُمْ وَكُفُّوْا عَنْهُمْ)). ([10])

ومما ورد أيضًا في آداب الحرب عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((لاَ تُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى يَبْدَؤوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِرًا، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى، وإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ. ([11])

فهذه بعض آداب الحرب الواردة في توجيهات المرجعية الدينية، وقد أبدع الناظم (رحمه الله) في أرجوزته لهذه الفقرة، وما تضمنته هذه الأبيات لألفاظ هذه النصيحة للمجاهدين من إيجاز وبيان ..  وإلى لقاء قادم إنْ شاء الله تعالى

د . الشيخ عماد الكاظمي

———————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع


 ([1]) الكافي، الشيخ الكليني 5/30.

([2]) سورة الأنبياء: الآية 107.

([3]) ميزان الحكمة، محمد الريشهري 5/2290.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) الكافي 5/57.

([6]) ميزان الحكمة 5/2230.

([7]) المصدر نفسه.

([8]) وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي 15/50.

([9]) المصدر نفسه 15/48.

([10]) المصدر نفسه 15/60.

([11])نهج البلاغة، الشريف الرضي 3/15.

www.iraq.shafaqna.com/ انتها