نشر : April 5 ,2018 | Time : 13:43 | ID 111313 |

«داعش» وإسرائيل.. أعداء في العلن و«أشباه حلفاء» في السر

شفقنا العراق- تقتنص إسرائيل بين الحين والآخر بعض الوقت للحديث عن تخوفها من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، حين تصمت قليلًا عن الحديث عن التهديد الإيراني لها، وعن رغبتها في ردع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة. تتحدث عن تخوفها من هذا التنظيم المتواجد في الجولان المحتل، حين ترى بأم عينيها التدريبات العسكرية التي يجريها عناصره على بعد كيلومترات من حدودها مع سوريا.

في المقابل، تتكشف بين الحين والآخر شواهد تعاون بين الجانبين، واعترافات إسرائيلية مسربة بأن إيران هي الأولى بالقتال من هذا التنظيم، بل لا تستبعد المصادر الإسرائيلية أن يُخلق تحالف مع «داعش» للتخلص من إيران التي تعد «عدوًا مشتركًا».

إسرائيل خائفة من «أسود» داعش في الجولان

«كتيبة جمع المعلومات القتالية التي شكلها الجيش الإسرائيلي لرصد ما يجري في سوريا في ظل الأزمة، تمكنت – باستخدام تكنولوجيا متطورة – من التقاط صور وتوثيق تدريبات للعناصر المسلحة»، هذا ما خرج به تقرير نشرته القناة الإسرائيلية «العاشرة» في اليوم الأول من مارس (آذار) الحالي، مرفقًا بصور لعناصر من «داعش» يتدربون على الأسلحة والتمارين العسكرية، في هضبة الجولان السوري المحتل.

كتيبة جمع المعلومات القتالية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم «نسر» والخاصة برصد الحدود الشمالية، ذكرت أن «تنظيم شهداء اليرموك، الذي يوالي داعش ينشط في القرى الواقعة بين مثلث الحدود السوري- الأردني- الإسرائيلي، وقد جرى توثيق العناصر أثناء تدريباتها».

وقد تجدد مع الإعلان عن هذه الواقعة الحديث عن تخوف إسرائيلي كبير من اقتراب تنظيم الدولة من منطقة المثلث الحدودي بين إسرائيل وسوريا والأردن، بالرغم من أن تل أبيب تدرك أن تحركات التنظيم تلك لا تخصه، وإنما تأتي ضمن صراع نفوذه على الأرض مع «جبهة تحرير الشام» التي خاض معها قتالًا عنيفًا في الأشهر الأخيرة.

هذا الصراع مع «الجبهة» صراع يجبر «داعش» على تدريب المزيد من المقاتلين للاستعداد لمعاركه مع الجبهة، والسيطرة على مناطق أكثر دفاعية وكذلك إعداد الكمائن، وتعتقد إسرائيل أن العديد من قادة التنظيم الرفيعين يتواجدون بالقرب من الحدود في مرتفعات الجولان، ويدربون المئات من المجندين الجدد هناك؛ وذلك بعد أن فروا من مناطقهم في سوريا ولبنان.

وتتركز الاهتمامات الإسرائيلية على نشاط التنظيم في منطقة الجولان؛ حيث تعتبر من أخطر المناطق الديناميكية التي يمكن أن تشهد تغييرات جذرية في أية لحظة نتيجة لتطورات المعارك السورية، وهي تطلق مصطلح «الأسود» للإشارة إلى عناصر «تنظيم الدولة» في سوريا؛ إذ يحتل هذا التنظيم جزءًا كبيرًا من اهتمام إسرائيل التي تراقب عدة أطراف في سوريا، ويسيطر جيش «خالد بن الوليد» الموالي للتنظيم على بعض مناطق الجولان.

يقول المراسل العسكري للقناة الإسرائيلية الثانية «نير دفوري» أنه «في ظل اقتراب التنظيم من مثلث الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية، تتأهب إسرائيل من خلال تشكيل وحدة عسكرية جديدة من جنود وضباط الاحتياط، من سكان منطقة غور الأردن؛ كي توفر الردود اللازمة لهذا التهديد»، ويضيف: «تشكيل هذه الوحدة لمواجهة تنظيم الدولة يأتي لأن إسرائيل لا تريد انتظار وقوع حدث ما خطير ضدها، وإنما تتحضر له، للحيلولة دون وقوعه بصورة مبكرة».

وقد عملت إسرائيل كثيرًا على تخصيص موارد كبيرة  للحيلولة دون وصول التنظيم وغيره نحوها، وتعهدت بمنع التنظيم من الاقتراب من الحدود الإسرائيلية، فقال رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي: «لن نسمح لشخصيات من التنظيم أو أطراف عدوة أخرى، تحت غطاء الحرب في سوريا، بالتواجد بالقرب من حدودنا».

وفي سبيل ذلك سبق وأن أعلنت إسرائيل عن إقامة مناطق عازلة على الحدود مع سوريا، وهي تصر على أن أية تسوية مستقبلية لإنهاء الحرب السورية يجب أن تشتمل على إقامة مناطق عازلة في الجولان على مثلث الحدود بين سوريا وإسرائيل والأردن.

قتال إيران أولى من «داعش»

قدم «معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» خطر نشوب حرب على الجبهة الشمالية أمام ثلاث قوى أساسية: إيران، وحزب الله، والنظام السوري – المرتبة الأولى – على خطر «تنظيم الدولة» الذي حل في المرتبة الثالثة والأخيرة، وذلك في قياس المعهد لمجموع التهديدات التي تواجهها إسرائيل في العام الجديد.

إسرائيل لا تخفي حقيقة وصول الأمر لاحتمال التحالف مع تنظيم الدولة، ففي 27 نوفمبر الماضي، تم تسريب تقرير استخباري إسرائيلي يفيد بأن مصالح إسرائيل وتنظيم الدولة قد تلتقي مؤقتًا في سوريا؛ وذلك بسبب أهمية مواجهة إيران لكليهما، الأمر الذي قد يجعل هناك تحالفًا بين الطرفين.

وجاء في التقرير الصادر عن مركز «مئير عميت» للمعلومات الاستخباراتية: «إسرائيل لم تعد تخشى (داعش)، بعد سقوط مشروع الدولة الإسلامية، والآن القلق الرئيس في تل أبيب يتمحور حول الوجود الإيراني في سوريا»، وحسب التقرير فالتنظيم «ما يزال يحتفظ بقدرات قتالية عالية رغم تفككه، وسيعود إلى نمط حرب العصابات، وربما ينفذ هجمات كرّ وفرّ ضد القوات الإيرانية في سوريا، بينما إيران والجماعات المسلحة التابعة لها ستحاول فتح جبهة ضد إسرائيل من سوريا، وستعزز قدرات حزب الله اللبناني لمواجهتها».

وقد تدخلت  إسرائيل في الاتفاقيات الدولية الموقعة في سوريا لضمان أمنها، وتحديدًا لإبعاد الإيرانيين الذين لا تكف عن الشكوى من تعاظم نفوذهم في سوريا ولبنان، وقد طالبت حسب المصادر الاسرائيلية بإبقاء الإيرانيين على بعد 60 كيلومترًا من الحدود، شرق طريق دمشق – درعا، لكن لم يتم الوفاء بطلبها، ولذلك يبقى الإسرائيليون متخوفين من التمدد والنفوذ الايراني في سوريا والمنطقة.

ولا يستبعد القادة في تل أبيب أن يمكّن النظام السوري المتواجد في منطقة القنيطرة الجديدة في شمال الجولان الإيرانيين من هذه المواقع، التي تبعد مسافة قصيرة عن الحدود مع دولة الاحتلال، حيث يسعى الأسد لاستعادة السيطرة على مرتفعات الجولان، وبسبب استشعار الخطر تحركت إسرائيل نحو مهاجمة منشآت عسكرية سورية ومواقع إيرانية في سوريا.

يقول عضو الكنيست والسفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة، «موشيه آرنز»، إنه «بخلاف كل الأطراف المتواجدة، فلقد وضع الإيرانيون بالفعل موارد وقدرات عسكرية كبيرة للهيمنة على مساحة واسعة تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان»، ويضيف في مقاله المعنون بـ«القوة هي التي ستسود» بصحيفة «هآرتس»: «الدافع الإسرائيلي لمنع النهج التي تتبعه إيران على الحدود الإسرائيلية مرتفع، خصوصًا مع القدرة العسكرية الكبيرة التي تمتلكها إسرائيل، والتي قوتها العسكرية ودوافعها للتواجد في سوريا أكبر من دوافع كل الأطراف الأخرى المتواجدة في سوريا».

إسرائيل تتجسس على «داعش»

في أبريل (نيسان) الماضي، قدمت الاستخبارات الإسرائيلية دلائل دقيقة تنفي وجود زعيم تنظيم الدولة «أبي بكر البغدادي» في مدينة الموصل العراقية، بالرغم من تأكيد قوى الأمن العراقية على وجوده هناك. وقالت «شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)»: إن قسم متابعة التنظيمات الجهادية في «لواء الأبحاث» يؤكد أن البغدادي يتواجد خارج الموصل، وأن هناك تقديرات متفاوتة حول مكان تواجده بالضبط.

لم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي تكشف مدى التغلغل الاستخباراتي الإسرائيلي في «تنظيم الدولة»؛ إذ لا يمكن تجاوز ذكر حادثة قيام جهاز الموساد الإسرائيلي، والوحدة الإسرائيلية الخاصة «سييرت متكال» التي تعمل في عمق الأراضي السورية، باكتشاف نية تنظيم الدولة استخدام أجهزة حاسوب متنقلة لتفجير الطائرات؛ الأمر الذي أدى إلى صدور قرارات أمريكية، ومن ثم بريطانية، بحظر إدخال وحمل الأجهزة الإلكترونية على متن الطائرات.

 وقد تفاخر حينها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بإظهار إسرائيل أمام الروس كضالعة – ولا مثيل لها – في سوريا بعملية الحصول على المعلومات من «داعش»، وهو الموقف الذي دفع الإسرائيليين للاستياء من تصرف ترامب لكشفه معلومات شكّلت خطرًا على حياة العميل الإسرائيلي المزروع بين عناصر التنظيم.

كما اكتُشف أيضًا أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، «بنيامين نتنياهو»، إلى موسكو نهاية أغسطس (آب) الماضي، كانت لمقايضة معلومات مع الروس عن «داعش» والجماعات المسلحة الأخرى في سوريا، مقابل السماح لإسرائيل بتحركات أكثر مرونة في الجولان السوري المحتل.

وبذلك تثار الشكوك حول سهولة تكثيف جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لعمله في جمع المعلومات والمعطيات الرقمية والميدانية عن تنظيم الدولة الذي يقترب من الحدود بعد تفكك التنظيم في سوريا والعراق، يقول الخبير العسكري الإسرائيلي «يوحاي عوفر»: «إن التقديرات الأمنية في إسرائيل تكاد تجمع أن من سيحدد هوية التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط كله هو اليوم التالي لانتهاء الحرب السورية، في ظل ما شهدته الأسابيع الأخيرة من ترجيح كفة الأسد في الحرب التي تشهدها بلاده، من خلال الدعم الذي يحظى به من روسيا وإيران وحزب الله».

ويضيف في صحيفة «مكور ريشون» الإسرائيلية: «نجح الأسد في استعادة 90% من الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم في سوريا، وبعد الهزيمة التي حلت بالأخير في العراق وسوريا، فقد تفرقت عناصره وتوزع مقاتلوه، منهم من عاد لبلدانهم الأصلية في أوروبا، وهناك مخاوف أن يبدأوا بالتخطيط لتنفيذ عمليات مسلحة داخل تلك البلدان، وهناك من لم يغادر فكرة محاربة «الكفار»، وبدأ بنقل معتقداته لتطبيقها في مناطق أخرى، مثل سيناء والفلبين وأفغانستان».

تعاون و«اعتذارات» بين «داعش» وإسرائيل

توعد زعيم تنظيم الدولة «أبو بكر البغدادي» في نهاية العام 2015، بـ«تحويل فلسطين إلى مقبرة لليهود»، واعتبر ذلك أول تهديد صريح وعلني ضد إسرائيل، قبل أن يعود قيادي آخر في التنظيم ويعلن أن «تحرير فلسطين ليس من أولويات الجهاد المقدس».

في الحقيقة، تسجل الأحداث عدم اقتراب فعلي ملموس من قبل تنظيم الدولة ضد المصالح الإسرائيلية، فالتنظيم يقاتل ضد الجميع دون إسرائيل، وكل ما حدث مجرد ضربات محدودة تهدف لإرسال رسائل لمؤيدي التنظيم من أجل مزيد من التأييد له، لذلك لا يرى المحللون أن التنظيم يشكل تهديدًا إستراتيجيا لإسرائيل، فهي ليست أولوية بالنسبة له على الإطلاق.

بل إن الوقائع تثبت أن هناك تعاونًا في أكثر من مجال بين الطرفين، كقيام عصابات تهريب النفط لدي تنظيم الدولة في سوريا والعراق بالتعاون مع إسرائيل التي حصلت على النفط من هذه المناطق عبر سماسرة وشركات وسيطة، وقد كشف أن النفط الذي يصل إلى إسرائيل يستخرج منه مشتقات قليلة، ثم يصدر بأسعار أعلى، الأمر الذي أضفى شرعية على النفط الذي ورده تنظيم الدولة داخل السوق العالمية.

كذلك دخلت إسرائيل السوق السوداء لشراء الآثار التاريخية العالمية في سوريا، والتي نهبها التنظيم ووصلت إلى إسرائيل، وحسب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فإن «إسرائيل صارت أخيرًا مركزًا للتجارة الدولية غير القانونية بالآثار المسروقة، بفعل القوانين الإسرائيلية المتساهلة نسبيًا في إقرار عمليات شراء قطع أثرية وبيعها».

وقد وصل الأمر لحد كشف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، موشيه يعالون، في أبريل الماضي عن اعتذار تنظيم الدولة – من دولته – حين أطلق قذيفة صاروخية عليها بالخطأ من سوريا، وقال حينها يعالون: «في معظم الحالات، يتم إطلاق النار من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، لكن في مرة واحدة تم إطلاق النار من أحد مواقع داعش، وتم الاعتذار على الفور من قبلهم».

في المحصلة، تحاول إسرائيل ألا تدخل في أية معركة ضد تنظيم الدولة، وهي تنتهج نهجًا واضحًا في تعاملها معه، نهج يقوم بالتهديد المستمر والواضح له، والتأكيد له أن أي هجوم قد يشنّه يمكن أن يأتي عليه بخسائر أكبر من النتائج التي قد يحققها في هجومه، وفي المقابل يدرك التنظيم أنه ليس من مصلحته تهديد إسرائيل على الأقل في الوقت الحالي؛ إذ ينشغل بصراع النفوذ على الأرض السورية.

ميرفت عوف

www.iraq.shafaqna.com/ انتها