نشر : March 28 ,2018 | Time : 11:03 | ID 110730 |

هل هي تنازل عن السيادة الوطنية؟ القصة الكاملة لاتفاقية «CISMOA» بين مصر وأمريكا

شفقنا العراق-وسط غياب كامل للتصريحات أو البيانات الرسمية في القاهرة، أعلنت السفارة المصرية في الولايات المتحدة الأمريكية أن الحكومة المصرية وقعت اتفاقية ثنائية للتواصل المتبادل في مجالات الاتصالات والأمن (CISMOA)، وتتضمن هذه الاتفاقية أهدافًا مشتركة في محاربة الإرهاب، غير أن التصريحات التي نقلتها الصفحة الرسمية للسفارة المصرية في واشنطن لم تأتِ على ذكر الكثير من بنود الاتفاقية الغامضة، والتي سنحاول كشف بنودها لاحقًا في هذا التقرير. ونقلت الصفحة الرسمية للسفارة المصرية في الولايات المتحدة تصريحات لجوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية، والتي أكد فيها الدعم المستمر الذي تقدمه الولايات المتحدة لمصر.

إنجاز جديد لترامب.. أم إخفاق جديد للإدارة المصرية؟

طبقًا للاتفاقية، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الكونجرس الأمريكي تزويد مصر بمبلغ 1.3 مليار دولار في هيئة مساعدات عسكرية لعام 2018، ونقلت صفحة السفارة المصرية عن الجنرال فوتين قوله: «مصر هي شريك أساسي بمواجهة تدفق المقاتلين الأجانب، ووقف الدعم اللوجيستي والمالي للمتطرفين العابرين من ليبيا عبر مصر إلى المنطقة الوسيطة. مصر تدعم طلباتنا في التحليق فوق أجوائها، وتضمن عبورنا بقناة السويس، وتشاركنا التزامنا بهزيمة تنظيم الدولة، شراكتنا الأمنية حجر الزاوية بهذه العلاقة».

وكان من بين تصريحات الجنرال فوتيل أن الاتفاقية تم توقيعها في يناير (كانون الثاني) الماضي، والتي تأتي تتويجًا لأكثر من 30 عامًا من الجهود لتعزيز الأمن والتعاون في مكافحة الإرهاب بحسبه. الاتفاقية تحتوي على العديد من البنود التي يمكن تفسيرها من وجهة نظر البعض على أنها تنازل من الدولة الموقعة عن السيادة الوطنية، حيث تمنع الدول المستفيدة من حق اتخاذ القرارات المنفردة المتعلقة باستخدام السلاح المستورد من الولايات المتحدة.

«ويكيليكس».. لماذا رفضت الأنظمة المصرية السابقة هذه الاتفاقية؟

هناك وثيقة تم تسريبها عام 2009 عبر موقع التسريبات الشهير «ويكيليكس»، والتي تحدثت عن قوة العلاقات المصرية الأمريكية، ولكنها في الوقت نفسه عبرت عن رغبة الطرف الأمريكي في انعكاس هذه القوة على مجابهة المخاطر القابعة في المنطقة وتلك العابرة للحدود.

جاء في الوثيقة كذلك أنه منذ بداية برنامج التمويل العسكري الأجنبي بين القاهرة وواشنطن قبل 30 عامًا، فإن مصر قد قامت بدورها في التعاون مع الولايات المتحدة في جهود حفظ السلام بين مصر وإسرائيل، وكذلك ضمنت القاهرة السماح الدائم للقوات الأمريكية بالمرور عبر قناة السويس، وللطيران الأمريكي بالعبور في الأجواء المصرية.

نقلت الوثيقة شروطًا واضحة المعالم للاتفاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن، هذه العلاقات كانت مصر تؤكد على ضرورتها من خلال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وقادة القوات المسلحة في مصر.

وتصف الوثيقة المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 1.3 مليار دولار أمريكي بأنها «حجر الزاوية» للعلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تعتبر ضمانة لحفظ السلام مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تضمن للولايات المتحدة أولوية المرور عبر الأجواء المصرية وقناة السويس.

كذلك نقلت الوثيقة حينها قلق الفريق سامي عنان وبعض قيادات القوات المسلحة، من عدم السماح الأمريكي لمصر بامتلاك أنواع متطورة من الأسلحة، وإحباط القيادات المصرية من عدم حصول القاهرة على أنظمة أسلحة معينة محظور بيعها لمصر.

السبب الذي أبرزته الوثيقة حينها لحرمان مصر من هذه الأنظمة والأسلحة هو رفض مصر التوقيع على الاتفاقية الضرورية (CISMOA) التي توفر ضمانات الحماية المناسبة للتكنولوجيا التي ابتكرتها الولايات المتحدة وتحاول الحفاظ على حصرية التحكم في تداولها والاطلاع عليها.

لماذا ترغب الولايات المتحدة في الاتفاقية رغم ممارستها لمعظم بنودها؟

على مستوى العمليات العسكرية، تتمتع الولايات المتحدة بحرية كاملة فيما يتعلق باستخدام الأجواء المصرية، والعبور خلال قناة السويس. هذه الحرية كفلت لها السماح بمرور القوات الجوية الأمريكية عبر الأجواء المصرية لأكثر من 35 ألف مرة، وعبور أكثر من 850 قطعة بحرية أمريكية من المياه المصرية بين عامي 2001 و2005 فقط.

رغم هذه الحرية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة في العبور من الأجواء والمياه المصرية، لكن لم تكن هناك أي اتفاقية تجبر مصر على التبعية للولايات المتحدة في حالة وجود حرب أو تضارب في المصلحة. هذا الأمر قد تغير، بحسب بعض الآراء، بعد توقيع الجانب المصري على الاتفاقية، يقول الكاتب الأمريكي، ماتيو أكسلرود (Matthew Axelro)، المسؤول السابق عن مكتب الشؤون الأمنية لمصر ودول شمال أفريقيا فى الفترة بين عامي 2005 و2007: «رفض المسئولون العسكريون المصريون على مدار عقود التوقيع على الاتفاقية لما فيها من انتهاك كامل للسيادة المصرية، على الرغم من أن ذلك لم يمنع دول مجلس التعاون الخليجي من التوقيع على هذه الاتفاقية، والذي يكشف الغطاء عن أسباب أخرى خاصة بقرار الرفض المصري».

لتقدير مدى أهمية الدور الذي تقدمه القاهرة لواشنطن في هذا الشأن فإنه ينبغي الإشارة إلى سماح القاهرة للفرقة الرابعة من القوات الأمريكية بالعبور من قناة السويس أثناء توجهها إلى العراق قبيل الغزو الأمريكي لبغداد، في الوقت الذي رفضت فيه تركيا السماح للقوات الجوية الأمريكية بالعبور من خلال مجالها الجوي.

تشير مصادر متعددة إلى أن رغبة الولايات المتحدة في توقيع مصر على هذه الاتفاقية لم تكن من أجل السماح لها بحرية المرور عبر الأجواء والمياه المصرية، أو غيرها من بنود الاتفاقية، لكن السبب الحقيقي كان التأكد من حفاظ مصر على سرية الأسلحة الأمريكية والتكنولوجيا المستخدمة لتصنيعها؛ يأتي ذلك بسبب علم الكونجرس الأمريكي بثماني حوادث قامت فيها مصر باختراق الاتفاقيات الخاصة بحصرية الاطلاع على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية التي حصلت عليها القاهرة.

في عام 2009، كتبت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى السفارة الأمريكية في القاهرة مذكرة تصف فيها الشكوك التي تعتري الخارجية الأمريكية تجاه اختراق مصر لـ«اتفاقات المستخدمين» الموقعة مع الولايات المتحدة في ست مرات على مدار السنوات الثلاث السابقة لهذه المذكرة. طبقًا لهذه المذكرة فإن مسؤولين عسكريين مصريين قد سمحوا لوفد عسكري صيني بفحص طائرات «F-16» أمريكية الصنع ومرافق تقنية مرتبطة بهم.

واقترحت الإدارة الأمريكية وقتها خطوات محددة للتأكد من عدم قيام القاهرة بأي اختراقات جديدة لاتفاقيات المستخدم مستقبلًا: كان أولها إجراء تحقيق داخلي في الاختراقات الثمانية التي تحدثت عنها الخارجية الأمريكية ومشاركة النتائج مع واشنطن، وثانيًا الالتزام بإجراء تدريبات للمستخدم النهائي (end-use training plan)، وثالثًا تعريف مسؤول كبير يكون هو المسؤول عن التواصل مع الإدارة الأمريكية فيما يخص مشاكل المستخدم النهائي.

كان الرد من مصر قد تم عن طريق متلقي الوثيقة التي تحمل المطالب الأمريكية، وقد تلقاها مساعد وزير الدفاع محمد الأعصر، ورفض التوقيع عليها؛ وذلك بسبب رفضه للبند الخاص بإجراء التحقيق الداخلي بشأن انتهاكات المستخدم النهائي، وهي القوات المسلحة للدولة الموقعة على الاتفاقية.

النظر إلى التجارب الأخرى.. الاتفاقية تثير أزمة بين الحكومة والعسكريين في الهند

منذ أن أثيرت التكهنات بشأن توقيع اتفاقية «CISMOA» بين الهند والولايات المتحدة، احتدت النقاشات في الإعلام الهندي بين مؤيد للاتفاقية يرى فيها ضمانًا لمساندة الولايات المتحدة للهند في نهضتها الصناعية، ومعارض يرى فيها تخليًا كاملًا عن السيادة الوطنية.

وقد أثبتت تقارير صحافية اعتراض وزارة الدفاع ومسئولين عسكريين في نيودلهي على بنود هذه الاتفاقية، وقد عبر كثير من المسؤولين عن عدم رغبة نيودلهي في التوقيع على الاتفاقية رغم الإصرار الذي تظهره واشنطن على توقيعها.

تتضمن الاتفاقية بشكل رئيس سلامة وأمان وسائل الاتصالات والتكنولوجيا المستخدمة في تصنيع وصيانة الأسلحة والمعدات الأمريكية، وتسمح الاتفاقية بحق التدخل أثناء صيانة أعطال الأسلحة الأمريكية لدى البلد الموقع على الاتفاقية. وتمنع بنود الاتفاقية الدولة المستفيدة من السلاح الأمريكي من القيام بأي تغييرات أو فحوصات تقنية على الأسلحة الأمريكية، وفي المقابل يسمح لأطقم من المتخصصين الأمريكيين بفحص وتعديل الأسلحة والأنظمة والتأكد من سلامتها وقدرتها التشغيلية.

كذلك، تلزم الاتفاقية الدولة المستفيدة من السلاح الأمريكي بالسماح لأطقم أمريكية بفحص الأسلحة وتعديلها في أي وقت تشاء، وكذلك منع الدولة المستفيدة من المشاركة في التصنيع أو الصيانة أو التطوير المشترك للأسلحة والمعدات، وكذلك منع الدولة المستفيدة من بيع الأسلحة لأي طرف ثالث.

في مقابل كل هذه القيود، تسمح الولايات المتحدة للدولة الموقعة على الاتفاقية بالحصول على أسلحة وأنظمة عسكرية تعمل بوسائل اتصالات حصرية الصنع في الولايات المتحدة، والتي تعمل بأنظمة تشفير متقدمة، وتسمح بإجراء اتصالات آمنة في أوقات الحرب بين كبار القادة من البلدين.

ستسمح الاتفاقية بامتداد هذه الإمكانات لكلا الجانبين في سلاح الجوية والبحرية. كانت الشروط المقيدة للسيادة الهندية في الاتفاقية أكثر تأثيرًا من أن يتم إغفالها لصالح مجموعة من المميزات المتعلقة بالحصول على أسلحة متطورة وأنظمة اتصالات لا يتم تصنيعها إلا في الولايات المتحدة. اشتد هذا الخلاف بين الحكومة والعسكريين في وزارة الدفاع وهو ما أخَّر توقيع الاتفاقية رغم إعلان الحكومة الهندية عن موافقتها المبدئية على التوقيع.

الحكومة المصرية وضرورة التوضيح

رغم إعلان السفارة المصرية للتوقيع على الاتفاقية، والذي حدث قبل قرابة ثلاثة أشهر، إلا أن القاهرة لم تقدم أي تبريرات أو توضيح يخص البنود التي وقعت عليها القاهرة، وما إذا كانت هي الشروط نفسها التي تم عرضها على الهند، أم أن هناك اختلافات في النسخة التي وقعت عليها مصر.

وعن تأثير هذا التوقيع على هذه الاتفاقية التي رفضتها الأنظمة المصرية السابقة، يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير عبد الله الأشعل: «مصر الآن تحولت من حليف أمريكي، ولو نظريًا، إلى مركز إقليمي للأمن القومي الأمريكي، والاندماج في الاستراتيجية الأمريكية؛ تمهيدًا لما يسمى صفقة القرن».

لا توجد ثمة تأكيدات عن الأسباب التي تمنع الحكومة المصرية من الإدلاء بأي تفاصيل تتعلق ببنود الاتفاقية التي وقعت عليها مع الولايات المتحدة، ولم توقع عليها أي قوة كبرى في المنطقة، فلم توقع عليها سوى دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى المغرب والأردن وإسرائيل، لكن احتمالية أن يكون للانتخابات الرئاسية الحالية دور في هذا التكتم على المستوى الرسمي لا يمكن إغفالها.

النهایة

www.iraq.shafaqna.com/ انتها