نشر : March 22 ,2018 | Time : 07:49 | ID 110283 |

بعد السيطرة على «عفرين».. إلى أين تتجه تركيا والجيش الحر وواشنطن؟

شفقنا العراق-في الثامن عشر من مارس (آذار) الحالي، أُسقط تمثال «كاوا حداد» في قلب عفرين تزامنًا مع إعلان سقوط المدينة عسكريًّا بعد 58 يومًا من هجوم الجيش التركي ومقاتلي الجيش السوري الحر عليها.

مع هذا السقوط دخلت عفرين مرحلة جديدة، فالجيش الحر الذي اتهم عناصر منه بـ«سرقة» ممتلكات المدنيين قد لا يستطيع إدارة المدينة بعد دحر «وحدات الشعب الكردية» منها، وتركيا «المنتصرة» تطمح لهدف جديد هو «تطهير منبج» من الأكراد، لكنها تصطدم برغبات إقليمية لها اعتبارات عدة في سوريا، قادمة من واشنطن وموسكو بشكل محدد، فإلى أين ستسير الأمور بعد سيطرة تركيا على عفرين؟

سقوط «عفرين» السورية

حققت تركيا سيطرة فعلية على مدينة عفرين الواقعة شمالي سوريا، بعد 58 يومًا من إطلاق عمليتها العسكرية «غصن الزيتون» في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ سيطر «الجيش السوري الحر» بدعم من القوات التركية على عفرين يوم 18 من مارس الحالي.

بهذه السيطرة تمكنت تركيا من تحقيق أهمية استراتيجية لأمنها كما يقول المسؤولون الأتراك، فقد أنهت وجود حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) في المدينة، وبددت حلم الدولة الكردية شمالي سوريا، وقضت على أي إمكانية لوصل مناطق الأكراد بعضها ببعض، وتستمر الآن العملية في محيط مدينة عفرين، بهدف السيطرة على باقي المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، بما فيها مدينة تل رفعت ومحيطها، إذ تستمر قوات الجيش الحر في التقدم، بعد أن سيطرت على ناحية معبطلي بشكل كامل، وعلى قرى كمروك ومعسكر حج محسنلي وولاد العرب وخليل أوشاغي، ومعسكرات داغ أوشاغي في الجهة الغربية الشمالية، والغربية الشمالية للمدينة.

وانتهت المعركة بانسحاب غالبية مقاتلي وحدات حماية الشعب، مع نزوح ربع مليون مدني من سكان المنطقة، وقد فقد الأكراد في هذه المعركة 1500 مقاتل من أصل 8 آلاف إلى 10 آلاف مقاتل شاركوا في القتال ضد القوات التركية، فيما كانت الخسارة الأكبر للأكراد السوريين فقدان منطقة بحجم عفرين، تضم حوالي 360 قرية كردية، فهي الأكثر اكتظاظًا بالسكان والأكثر ثراءً، كذلك تمثل مع كوباني والجزيرة واحدة من الكانتونات الثلاثة التي تشكل ما يطلق عليه الأكراد روجافا، وهو الكيان الكردي في شمال سوريا، كما قطعت تركيا بسيطرتها على عفرين وريدًا اقتصاديًّا مهمًّا للأكراد الذين يستفيدون من ضرائب المدينة.

وبعد هذه المعركة التركية، تظهر حاجة أنقرة إلى التنسيق من أجل خلق توافق سياسي مع القوى الدولية حول ما سيجري في عفرين بعد السيطرة عليها، وهو توافق يأتي بالدرجة الأولى مع واشنطن وروسيا المعنيتين بمناطق شرق الفرات، بما فيها منبج وعفرين.

يقول الباحث الأول في مركز الشرق للسياسات «جلال سلمي» لـ«ساسة بوست»: «الولايات المتحدة، على الأرجح، ترشح التواجد شرق الفرات، ويبدو أن غرب الفرات ليس من أولويتها،.. حسب أجندة مصالحها القومية في سوريا، لذا قد توافق لتركيا على ذلك، لا سيما وأنها كانت تسير نحو إصلاح مسار علاقاتها مع تركيا، كون الأخيرة تُشكل لها ميزة جيوسياسية مهمة لمشاريع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي في سوريا».

يذكر أن تركيا تعتبر وحدات حماية الشعب السورية هي امتداد لحزب العمال الكردستاني، ذلك التنظيم التركي الذي تنصفه «إرهابيًّا»، لكن وحدات حماية الشعب تنفي أي صلة مباشرة لها بحزب العمال، وهو ما تؤكده الولايات المتحدة التي أمدت الوحدات بالأسلحة والتدريب لمساعدتهم في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

سرقة «عفرين» بعد السيطرة عليها

نُشرت عدة صور ومقاطع فيديو تظهر قيام بعض عناصر من فصائل الجيش الحر السوري بسرقة ممتلكات سكان عفرين من سيارات وجرارات ومحتويات المنازل، فقد دخلوا المحلات التجارية والمطاعم والمنازل ونهبوا محتوياتها من أغذية وأجهزة الكهربائية وغيرها، وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن: «محلات تجارية ومقرات حكومية تعرضت للنهب، كما نهب المسلحون محتويات أملاك خاصة، ومواقع عسكرية وسياسية، ومحلات تجارية».

ونقلت وكالة «رويترز» عن رجل من عفرين قوله: «الجيش السوري الحر جاء ودخل عفرين، وكان من المفترض أن نكون آمنين، لكن الأمر تحول إلى النقيض»، وتابع القول: «الجيش السوري الحر نهب سياراتنا ومنازلها ونهب متاجرنا، لقد تحول الأمر كما لو كنا مشردين (حتى) في منازلنا. لا طعام، لا شراب، لا أمن».

وحددت فرق من هذا الجيش قامت بتلك الحوادث، منها «فرقة السلطان مراد»، و«لواء الفتح»، و«أحرار الشرقية»، وبرر هؤلاء ما قاموا به لقيام وحدات الكردية بأعمال مشابهة عندما استولوا على قرى عربية عام 2016 في محيط مدينة تل رفعت، وتحت وطأة الغضب الشعبي الذي أججه الموقف الساخط من قبل الناشطين والإعلاميين السوريين، قررت قيادة الفصائل تشكيل لجنة أمنية حقوقية بشكل عاجل لضبط التجاوزات في عفرين، كما أصدر قادة الفصائل قرارات بإخراج كافة العناصر من مدينة عفرين، مرحلة أولى، وإدخال الشرطة العسكرية لضبط الأمن فيها، ووضع حواجز على كافة مداخلها ومخارجها، ووعدت بإحالة كافة مرتكبي المخالفات، وحجز كافة المسروقات إلى الشرطة العسكرية لإعادتها إلى أصحابها، وفعليًّا أصدر أحد فصائل الجيش الحر قرارًا بفصل اثنين من عناصره، ثبت تورطهما في عمليات سرقة بعفرين، كما شكلت الفصائل حواجز لمنع خروج المسروقات من المدينة.

يقول رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز»، الإعلامي السوري «أيمن مصطفى محمد»: «السرقات حدثت بالفعل، والعدسات وثقت هذه العمليات المدانة من قبل عناصر مسيئين، حاليًا تم فصل أكثر من 70 عنصرًا وقياديًّا ممن ثبت تورطهم في عمليات السرقة التي طالت ممتلكات المدنيين في عفرين، وتم تقديمهم للمحاكمة، كما تم مصادرة المسروقات لإعادتها لأصحابها، وبدأت بالفعل عملية إعادة هذه المسروقات لأهالي عفرين».

هل يستطع الجيش الحر تولي المسئولية في المدينة؟

في الثامن عشر من مارس الحالي، عقد مؤتمر «إنقاذ عفرين» في مدينة عينتاب التركية، وخرج هذا المؤتمر بتوصية لإدارة عفرين من قبل أهلها بجميع مكوناتهم، والعمل على الاهتمام بالصحة والتعليم والخدمات والقضاء وإعادة النازحين، كما أوصى المؤتمر بإنشاء قوة شرطية محلية غير مؤدلجة لحماية المدينة، والعمل على تأمين الحريات.

وأعلن المؤتمر المدعوم من تركيا، عن تكوين نواة مجلس محلي لإدارة المنطقة، وحمايتها، مؤلف من 30 شخصية من سياسيي عفرين، طالبت هذه الشخصيات باحترام خصوصية المكونات العرقية والمذهبية والدينية في عفرين، وفتح ممرات آمنة للمدنيين، وإلغاء كافة المظاهر المسلحة، وتسليم المدينة لأبناء عفرين، لذلك يتوقع المراقبون أن يدير المدينة أبناؤها المحليون؛ إذ من المهم الاستعانة بالمكونات الكردية في إدارة عفرين، ويعد نموذج الإدارة المحلية المطبق في مناطق شرق الفرات في مدينتي جرابلس والباب هو الأقرب للتطبيق في عفرين.

يقول الخبير العسكري أحمد الحمادي، إنه يتوقع أن: «يجري تسليم إدارة عفرين إلى الجيش السوري الحر بمشاركة المكونات الكردية في المدينة»، وقال الحمادي لـ«عربي21» إن: «ذلك يجب أن يتم في إطار تسوية تخرج بموجبها الميليشيات الكردية من كافة المناطق الحدودية، على أن يجري بعد ذلك التوافق على نوع من الإدارة الذاتية، أو مجلس محلي في عفرين بالمشاركة بين الجيش الحر والأكراد ووجهاء المدينة».

ويرى المحلل السياسي السوري «جميل عمار» أنه: «من المبكر القول إن الجيش الحر قادر على إدارة هذه المنطقة الآن، لذلك من المهم أن يبقى الجيش التركي يدعم هذه المنطقة حتى إعادة المهجرين، وإنشاء مجالس محلية من إدارة أهالي المدينة نفسها، الجيش الحر يلعب دورًا الآن، لكن أن يتولى مهام حماية هذه المنطقة أمر صعب في ظل احتمال معاودة الأكراد السيطرة على هذه المناطق».

ويشير عمار خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى وجود معارضة يسارية سورية تتفق مع رؤية النظام في رفض التدخل التركي، ويوضح: «التوجه العلماني يحذر من التدخل التركي كونه يربطه بالاحتلال العثماني، وبأن تركيا ذات نهج إسلامي، وقد صرح أردوغان أكثر من مرة أنه ليس له أطماع في الأراضي السورية، وبمجرد أن تستتب الأمور سينحسب الجيش التركي، وتسلم المناطق لأهالها».

جبهة «منبج» بعد عفرين

تظهر التصريحات التركية وجود رغبة في متابعة عملية «غصن الزيتون» حتى الوصول إلى الحدود مع العراق، والقيام بعملية «تطهير» كامل في الشريط الحدودي الشمالي بسوريا، بغية تأمين الحدود التركية من الأكراد الانفصالين، كما يقول الأتراك.

وقد قال الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، إن مهام قواته محددة بعد عفرين، فهي ستقوم بتطهير عين العرب والقامشلي ومنبج من الأكراد، فيما لا يستبعد أن تمتد العملية -حسب مسؤولين أتراك- إلى كامل شرق الفرات، أي إلى سنجار في العراق وجبال قنديل، حيث معقل حزب العمال الكردستاني، لكن هذا الهدف حسب المراقبين مرهون بالتحولات والمتغيرات الدولية، فمن الصعب الخروج على التفاهمات مع الولايات المتحدة التي تسيطر على كامل المنطقة تقريبًا، ولها فيها عدة قواعد عسكرية.

في المحصلة، المؤكد الآن أن منبج هي الهدف الأقرب لتركيا، كونها الأخطر على الأمن القومي التركي كما ترى أنقرة، وهو هدف تحكمه تفاهمات أمريكية تركية متبادلة تزيح الحل العسكري بين الطرفين العضوين في حلف الناتو، فقد اتفقت أنقرة مع واشنطن على تسوية أزمة منبج بانسحاب الوحدات الكردية من غرب الفرات، وعلى أن تحل قوات عسكرية تركية وأمريكية مكانها، لكن رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز»، الإعلامي السوري «أيمن مصطفى محمد» يعتقد أن: «تركيا سترفض العرض الأمريكي بتشكيل مجلس مشترك من الجيش الحر المدعوم تركيًّا، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًّا لإدارة منبج، فنسبة 50% التي طرحتها واشنطن في المجلس تبدو غير منطقية بحكم أن نسبة الأكراد في منبج 1%».

ويتابع أيمن القول لـ«ساسة بوست»: «لذلك أعتقد أن تركيا ستدخل منبج بالطريقة التي دخلت بها عفرين، وأعتقد أن واشنطن ستتخلى عن حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) في منبج كما فعلت في عفرين؛ نظرًا إلى أن هناك تفاهمات سابقة بين أنقرة وواشنطن بخصوص عدم عبور قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها الوحدات الكردية إلى غرب الفرات».

من جهته، يقول الكاتب في صحيفة «واشنطن بوست»، ديفيد إغناطيوس إن: «المواجهة القادمة بين أمريكا وتركيا تنتقل الآن حوالي 60 ميلًا إلى الشرق في مدينة منبج، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والمستشارون العسكريون الأمريكيون، إذ تطالب تركيا القوات الكردية والأمريكية بالانسحاب منها إلى شرق نهر الفرات، وذلك سيكون خطأ سياسيًّا كبيرًا، بالإضافة إلى أنه تخلٍ غير أخلاقي عن حليف مخلص، فليست لدى الأتراك قوات منضبطة تستطيع الحفاظ على الأمن في منبج، والاستجابة لمطالب الأتراك ستساعد على نشر الفوضى، وتجعل الوضع في سوريا أكثر سوءًا».

ويضيف ديفيد في مقاله «الأتراك أخذوا عفرين: دعونا لا نترك منبج تقع» أن: «معاناة الأكراد مؤلمة، بالذات للقادة العسكريين الأمريكيين؛ لأن قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، هي الحليف الأساسي، الذي اعتمدت أمريكا عليه لهزيمة تنظيم الدولة في سوريا، ويخشى قادة الجيش الأمريكي من أن المكاسب الأكيدة التي حققها التحالف ضد الجهاديين منذ عام 2014 قد تفلت منهم مع مغادرة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية لشرق سوريا لمحاربة الجيش التركي في عفرين والشمال الغربي».

النهایة

www.iraq.shafaqna.com/ انتها