نشر : February 27 ,2018 | Time : 09:31 | ID 107864 |

هل حذرت المرجعية الدينية العليا الأمة من داعش؟ (٦)

شفقنا العراق-ـإشارة مهمة لابد منها: لاحظنا فيما مضى أن المرجعية العليا ومنذ بواكير انطلاق العملية السياسية قد ركزت على مطلبين مهمّين هما: استعادة السيادة العراقية كاملة من الاحتلال، والوحدة بين مختلف مكونات الشعب العراقي بحفظ الأمن السلم الأهلي. ذلك لإيمانها العميق بأن الاستقرار واستتباب الأمن ووقف العنف، مقرون بتمكين العراقيين بكافة مكوناتهم وطوائفهم، بأن يحكموا البلد بأنفسهم. لذا رأيناها كيف أصرّت على أن يُكتب الدستور بأيدي عراقية مُنتخبة، وأن يُستفتى عليه شعبيا/ لتولد حكومة وطنية منبثقة من صناديق الاقتراع الحر المباشر منعا لعودة الحكم الفردي والاستبدادي ودفعا نحو مشاركة جميع مكونات الشعب في حكم البلد، وحرصا على رعاية وحفظ السلم الأهلي، ولإبطال الذرائع وسحب البساط من تحت أرجل المجاميع الإرهابية، وإفشال مخططاتهم الجهنميّة في تأجيج الفتنة الطائفية وتفتيت العراق وتقسيمه.

وكانت المرجعية العليا ومن خلال متابعتها الدقيقة ومراقبتها الشديدة، لمجريات الأحداث على الساحة العراقية واٌلإقليمية والدولية، قد شخّصت عدّة جهات تورطت بسفك الدم العراقي وعبثت في أمنه واستقراره. ومن هذه الجهات: الاحتلال، والمجاميع الإرهابية التكفيرية الوافدة من الخارج، وأيتام النظام السابق، والعصابات المسلحة الغير منضبطة والخارجة عن القانون، وبعض القوى الوطنية المتصارعة على المصالح السياسية وممارستها للعنف، مع أطراف أخرى زُجّت معها، وكذلك مَن هُم مِن أهل الدار مِمّن عُرفوا بالحواضن الإرهابية! وبدورها كرّرت مطالباتها ومناشداتها لسلطات الاحتلال ومن هم في سدّة الحكم، بأن يقوموا بواجبهم ومسؤولياتهم في حفظ الأمن والاستقرار وردع المجاميع الإرهابية.

كما وسنلاحظ في الحلقات القادمة كيف أن المرجعية العليا، صعّدت من نبرة خطابها ومن حدّة تحذيراتها مع تنامى وتفاقم دائرة ودور المجاميع الإرهابية والعصابات المنفلتة، مقابل ضعف الأداء الحكومي وتقاعس وانشغال القوى السياسية في صراعها من أجل السلطة والنفوذ، وتورطهم في ممارسة العنف الطائفي، وكيف وسّعت من دائرة خطابها التحذيري الشديد لتشمل إضافة للحكومة العراقية والقوى السياسية الوطنية، كافة البلدان العربية والإسلامية بما في ذلك دول العالم، وسنراه يستمر تصاعديا ً حتى تاريخ خطبة جمعة كربلاء في 28/12/ 2012، تلك الخطبة التي افترقت عن سابقاتها لأن المرجعية العليا قد سجلت فيها أهم وأخطر حدث في تاريخ العراق الحديث، ونبّهت وحذّرت منه على اعتباره شكّل الأرضية التي انطلق منه العدو (داعش) مستقبلا وكما سنعرف لاحقا.

مُلخص مقدمة المقال:

“.. شعبنا كثير النزف.. توَّج عطاءه بالفتنة الداعشية إلى أن أقبرها وأنهاها.. هذه الفتنة لا تنتهي ولا تُقبر إلا بهذا الدّم”.

بتلك الفقرات وصفت المرجعية العليا في 19/1/ 2018، وعبر منبر جمعة كربلاء داعـش بـ الفتنة.

سؤال: هل حذّرت المرجعية العليا الأمّة (الشعب العراقي) من داعـش ومِن خطره العظيم؟ وإذا كانت قد حذّرت فمتى كان ذلك؟ وأين؟ وكيف؟ مع يقيننا بأنها تُواكب الأحداث وتُراقبها وتعلم بشكل جيد بأدق تفاصيلها. وسؤال آخر:

هل حذّرت المرجعية العليا من خطورة النيل من الدولة؟ وهل عمِلت على صون وحفظ الدولة ومرتكزاتها؟ متى كان ذلك؟ وأين؟ وكيف؟ مع يقيننا بأن في حفظ وصون الدولة وتعزيز مقوماتها المُتمثلة بـالشعب-الأرض-السلطة، هي حفظ وصون أمن واستقرار الشعب ومقدساته وأراضيه.

لا مناص من أن الجواب على الأسئلة أعلاه وما ينبثق من أسئلة أخرى هو: نعم! ونعم حذّرت المرجعية العليا مرارا وتكرارا من الإرهاب والإرهابيين الذي داعش هو أحد صوره ومصاديقه.

فتحذيراتها جاءت مبثوثة عبر أساليب خطابها المتنوع والموجه للجميع.. ولعل منبر صلاة جمعة كربلاء هي أكبر الوسائل وأوضحها. لذا أعرض هنا مساهمة متواضعة لرصد بعض مواقف المرجعية العليا بتقصّي أقوالها المُحذرة عن تلكم الأخطار، لتكون شاهدة وحجّة على من (جَحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ً وعلوّا).

وبالتركيز على فترة قتال داعش والمحصورة ما بين خطبتي الجهاد والنصر وما بعدها، لما لحق بالفتوى من ظلم وتعدّي وتشويه وتقوّل.. بمقال يحمل عنوان “هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش”. متسلسل على شكل حلقات مرقمة، تأخذ من جملة (هل تعلم بأنّ المرجعيّة الدينيّة العليا) التي تبدأ بها جميع الحلقات، لازمة متكررة موجبة للعلم والفهم (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) لمجمل مواقف المرجعية العليا حول ذات الموضوع. ربما نلمس مِن خلال هذا السِفر جهاد وصبر وحكمة المرجعية العليا في حفظ العراق بلدا وشعبا ومُقدسات.

 27-هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا…

وبـ (رسالة موجهة الى جميع العراقيين) عام 2006، كرّرت مناشدتها ناصحة مِن أن السبيل الوحيد للخروج من المأزق الخطير الذي يمر به العراق، هو اتخاذ قرار شُجاع من كل “الفرقاء” برعاية الدم العراقي! ووقف العنف المُقابل (الطائفي أيضا) الأعمى بكل أشكاله. وزخرت الرسالة بحزن وألم واعتصار قلب المرجع “الأعلى” النبيل، لما يتعرض له الشعب العراقي بجميع مكوناته من مآس واعتداءات، وبالخصوص حينما تجددت موجات الفتنة الطائفية الدموية. وحذّرت من عدم يأس الأعداء بل (جدّوا في تنفيذ خططهم لتفتيت هذا الوطن بتعميق هوّة الخلاف بين أبنائه) ويقصد الشيعة والسنة.

وأنذرت الجميع من مُخططهم هذا فيما (لو استمر -كما يريده الأعداء- فلسوف يلحق أبلغ الضرر بوحدة هذا الشعب ويعيق لأمد بعيد تحقق آماله في التحرّر والاستقرار والتقدم).

وأعربت المرجعية العليا عن أسفها العميق لوجود مَن يُعين العدو، وهم من أبناء الوطن، لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية (وأعانهم -وللأسف- بعض أهل الدار على ذلك، حتّى وقعت الكارثة الكبرى بتفجير مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام). ودعت ناصحة الجميع الى التعاون مع الحكومة الوطنية المنتخبة، وحل الخلافات على أساس القسط والعدل والمساواة، بعيداً عن النزعات التسلطيّة والتحكّم الطائفي والعرقي.

 28- هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا…

قد حذّرت رئيس الوزراء المُنتخب (نوري المالكي) في2/9/2006، من أن (عدم قيام الحكومة بما هو واجبها في تأمين الأمن والنظام وحماية أرواح المواطنين، يفسح المجال لتصدي قوى غيرها للقيام بهذه المهمة).

ولو تمّ ذلك فسيكون في (غاية الخطورة). في إشارة منها الى تنامي دور المجاميع الإرهابية كـ (تنظيم القاعدة) والعصابات المسلحة الخارجة عن القانون. وتنصل الحكومة عن أداء واجبها في ذلك. كما وشخّصت المرجعية العليا لرئيس الوزراء المنتخب (مكامن الخلل والقصور في الخطط الأمنية السابقة) ليتم تداركها في هذه الحكومة الجديدة. وأكدت على (ضرورة بناء القوى العسكرية والأمنية العراقية، على أسس وطنية سليمة، ومن العناصر الصالحة والكفؤة، وتزويدها بما تحتاج إليه من أجهزة ومعدات، في جنب وضع خطة مدروسة لجمع الأسلحة غير المرخص فيها).

ـ جاء ذلك في بيان لمكتب السيد السيستاني (دام ظله) النجف الأشرف، في 8 شعبان 1427ـ 2 ايلول 2006 بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسماحة السيد السيستاني (دام ظله) والتفاصيل توجد على الرابط.

 29-هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا…

أعلنت عن ترحيبها ببنود مشروع “وثيقة مكة” الخاص بالشأن العراقي، ودعت الجميع الى الالتزام بها كونها تهدف الى رعاية حرمة الدم العراقي ووقف العنف المتبادل بكل أشكاله! وذلك في رسالة موجهة الى الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي د. “أكمل الدين احسان أوغلو”.

وأكدت في الرسالة على (أنه لا يوجد في العراق صراع طائفي بين أبنائه من الشيعة والسنة! بل توجد أزمة سياسية، وهناك من يمارس العنف الطائفي للحصول على مكاسب معينة. ويضاف الى ذلك ممارسات التكفيريين الذين يسعون في تأجيج الصراع بين مختلف الأطراف خدمة لمشروعهم المعروف).

وتضمنت الرسالة الصادرة من مكتب السيد السيستاني دام ظله ـ النجف الأشرف في ٢٢ رمضان ١٤٢٧-2006 على عدّة نقاط مهمة شكلت مظلة لما يجب اتخاذه من خطوات في الاتفاق منها:

  1. يتطلب الخروج من المأزق الحالي قرارا ًواضحا ًوصادقا ً من كل الفرقاء برعاية حرمة الدم العراقي أيّا كان.
  2. وقف العنف المتقابل بكافة أشكاله.
  3. وتستبدل بالتعاون مع الحكومة الوطنية المنتخبة، بمشاهد الحوار البنّاء لحل الأزمات والخلافات العالقة، على أساس القسط والعدل والمساواة بين جميع أبناء هذا الوطن في الحقوق والواجبات، بعيداً عن النزعات التسلطية والتحكم الطائفي والعرقي.
  4. على أمل أن يكون ذلك مدخلا ً لاستعادة العراقيين السيادة الكاملة على بلدهم ويمهّد لغدٍ أفضل ينعمون فيه بالأمن والاستقرار والرقيّ والتقدم بعون الله تبارك وتعالى.

30-هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا…

كشفت ولأول مرّة بأنّ هناك أطراف سياسية (عراقيّة) وأخرى زُجّت معها، تسعى الى جنبا ً الى جنب مع الإرهابيين التكفيريين الى تأجيج (الصراع الطائفي) في العراق! بل ويُمارسون العنف الطائفي بجميع أشكاله من أجل مكاسب سياسية. ومُحصلته أن هناك موجات عنف (طائفي) أعمى يضرب كل مرة المدن الآمنة ويحصد الآلاف من الأرواح، ويسبب تهجير وتشريد أعداد كبيرة من المواطنين. وكرّرت نفيها في الوقت ذاته من وجود صراع ديني بين السنة والشيعة، في محاولة منها ودعوة للجميع بعدم خلط الأوراق وتصوير الأمر على أنه صراع مذهبي بين السنّة والشيعة. وهو في الحقيقة صراع سياسي وأزمة سياسية. ورد ذلك ضمن جوابها لسؤال مجلة (فور سايت) اليابانية رقم (2):

ـ س2: هل هناك حل للصراع الشيعي السني في العراق، وما هو دور الزعامات الدينية في ذلك؟

ـ ج2: لا يوجد صراع ديني بين الشيعة والسنة في العراق، بل هناك أزمة سياسية، ومن الفرقاء من يمارس العنف الطائفي للحصول على مكاسب سياسية وخلق واقع جديد بتوازنات مختلفة عما هي عليها الآن، وقد تسبب هذا في زجّ بعض الأطراف الأخرى أيضاً في العنف الطائفي، ويضاف إلى ذلك ممارسات التكفيريين الذين يسعون في تأجيج الصراع بين الطرفين ولهم مشروعهم المعروف. ونتيجة ذلك كله هو ما نشهده اليوم من عنف أعمى يضرب البلد في كل مكان ويحصد أرواح آلاف الأشخاص وقد تسبب في تهجير وتشريد أعداد كبيرة أخرى من المواطنين.

ينظر كذلك: جواب المرجعية العليا على سؤال رقم (1) لذات المجلة. والتي تكشف عن إحباطها بعدم مقدرة الفرقاء السياسيين على اتخاذ قرار صادق بنبذ العنف واستبداله بالحوار السلمي لحل الخلافات.

يتبع…

نجاح بيعي

———————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————

www.iraq.shafaqna.com/ انتها