نشر : February 26 ,2018 | Time : 08:57 | ID 107724 |

المرجع الجوادي الآملي: “الفلسفة” تعمل على إرساء أسس السلام ومحو فكر الاختلاف والداعشية

شفقنا العراق-أكد المرجع الدیني سماحة آية الله الشیخ الجوادي الآملي ان الفلسفة تتكفل بمهمة تثمير العقل وازدهاره لارساء أسس السلام والاستقرار في العالم.

وخلال كلمة القاها اية الله الجوادي الآملي في ملتقى علمي شارك فيه العديد من المفكرين والشخصيات البارزة في ايران ان “الفلسفة عبارة عن موهبة إلهية تتكفّل بمهمة تثمير العقل و ازدهاره. فهي٬ أوّلاً٬ تنوّر العقل؛ ثانياً٬ تجعل الطريق أمام الإنسان ممهّدة لبلوغ المعقولات؛ ثالثاً٬ تزيد من هبوط المعقولات إلى المحسوسات؛ رابعاً٬ تعقل المجتمع الجاهلي؛ خامساً٬ تعمل على إرساء أسس السلام و الاستقرار؛ سادساً٬ تمحو فكر الاختلاف والداعشية والسلفية؛ بالإضافة إلى ثمار ومواهب عديدة أخرى”.

وأضاف “يتضمّن فعل الفلسفة تثمير العقل. لقد خلق الله تبارك و تعالى النظام و العالم و الإنسان٬ أي خلق الكون٬ وربط بين الإنسان والكون٬ ورفع من شأن العقل عالياً لدرجة أنّه يقول لو لم نرسل الرسل والزعماء الإلهيين لهداية الناس٬ لاحتج هؤلاء البشر على الله بذلك٬ حيث يقول جلّ وعلا في آخر سورة النساء المباركة: «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ و مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ». (سورة النساء: آية ۱۶۵)

وتابع بالقول ” النقطة الثانية أو العنصر المحوري الثاني٬ أنّ هذا العقل هو الذي يأخذ بيد الحسّيين التجريبيين و يقول لهم٬ صحيح أنّ الحسّ أو التجربة الحسية لها مكانة و شأن رفيعين٬ وأنّ العلوم المادية تنهض بالتجربة الحسية؛ إلّا أنّه ثمّة برهان محكم و غني للتجديد العقلاني يقف وراء التجربة الحسية و ضميرها وجوهرها. يوجد فرق٬ كما هو معلوم٬ بين الاستقراء والتجربة. فالتجربة٬ وليس الاستقراء٬ تفيد اليقين. والفرق الجوهري بين الاستقراء والتجربة ذلك البرهان الخفي الذي هو٬ على حدّ تعبير الحكمة المتعالية والمشائية٬ ظهير الاستقراء. لو قام طبيب باختبار دواء أو عقار معين في ألف حالة واستدلّ له وجرّبه واستقرأه٬ لما استطاع٬ مع ذلك٬ أن يجزم بأنّ هذا العقار علاج لهذا الألم٬ إلّا بالاستدلال العقلي للاستقراء٬ فيقول٬ لولا وجود علاقة ضرورية بين العقار والعلاج٬ لما كان العقار دائمياً أو أكثرياً٬ ولأنّه دائمي و أكثري٬ يتبيّن من ذلك بأنّه ليس وليد الصدفة٬ وإنّما يقوم على علاقة ضرورية تربط العقار بذلك العلاج. «لو لم یکن ذاتیاً لما کان أکثریاً لکن تالي باطل فالمقدم مثله» و يستنتج من ذلك وجود علاقة ضرورية بين العقار والعلاج٬ فيرتقي بالاستقراء ليصل إلى التجربة٬ و يتحرّر من الظنّ ليبلغ اليقين ثم البرهان. إذن٬ فظهير العلوم التجربية إنّما هو التجريد العقلي٬ هذه النقطة لا يدركها إلّا العقل٬ ولا يمكن اختبارها بالتجربة و الاختبار”.

وجاء في كلمته “أمّا عنصر المحور الثاني فهو يقين الإنسان بمبدأ التناقض في جميع الحالات٬ بعدم اجتماع الوجود و العدم٬ وعدم اجتماع المتضادين٬ وعدم اجتماع المثيلين٬ واستحالة الدور٬ واستحالة اجتماع الضدين٬ واستحالة اجتماع النقيضين.

هذه الأشياء لا يدركها إلّا العقل الفطري الذي جعله الله تبارك وتعالى رأس مال الإنسان. هذه الأشياء لا يمكن للإنسان أن يفهمها في المختبر٬ فالتجربة المختبرية لا تكشف لنا عن مبدأ التناقض٬ بل العقل هو الذي يدرك بأنّ الوجود والعدم لا يجتمعان٬ وإذا انتفى مبدأ التناقض٬ لن نتيقّن٬ حينئذ٬ من أيّ شيء٬ أي٬ حينئذ نقول قد يكون ما نراه موجوداً أو غير موجود. وما يحول دون وقوع هذا الأمر هو مبدأ استحالة التناقض٬ لأنّ التناقض أمر عقلي. وبناءً على هذا الكلام٬ نستطيع ببركة التجريد العقلي أن ننقل التجارب الحسية من الظنّ إلى اليقين٬ لتكون لنا سنداً وعوناً٬ أمّا الخطر الكامن في الحسّية و تفضيل التجريبية هو٬ إذا أصبح الحسّ والتجربة المدار الذي يدور حوله الإنسان أو المجتمع أو معرفة شعب معين٬ وأصبح لا يصدّق إلّا ما يرى بعينيه٬ إذن٬ فهذا عين تفكير بني إسرائيل كما يحدّثنا القرآن الكريم عنهم و الذي وبّخهم بسببه عندما قالوا: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً». لقد ابتلوا بالتجربة الحسية٬ فقالوا لا نؤمن بشيء لا نحسّه. نعم٬ كان هذا تفكير بني إسرائيل. أو حين قالوا لموسى كليم الله «أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» حتى نؤمن به. يلزمنا كليم إلهي آخر ليقول «باطلٌ ما کان یعلمون». إذا جعلنا الحسّ و التجربة معياراً للمعرفة٬ فلا جرم أنّ نتيجة ذلك ستكون خطيرة. أذكر أنّه قبل سنوات من انتصار الثورة الإسلامية في إيران ورد في الصحف الإيرانية تصريح لخروتشوف رئیس الاتحاد السوفيتي السابق يقول فيه: ماذا لله٬ أي لا يوجد إله٬ ولو كان لرأيناه. يعتقد هؤلاء أنّه يجب القبول بكل ما يرونه. بينما تخاطبنا الفلسفة الإلهية قائلة: لا جرم أنّكم تقبلون بالكثير من المعارف في حين أنّها سمعية و ليست مرئية. خذ مثلاً قانون التجربة الذي يوصل الاستقراء إلى اليقين٬ ومبدأ التناقض الذي يقطع بالمحسوس٬ فكلاهما غير مرئييْن. الأمر المهم هنا أنّ ثمرة الفلسفة هي في إخراج الإنسان من ضلاله وحيرته. من كان رأس ماله الحسّ و التجربة٬ لما علم من أين جاء وإلى أين سيذهب٬ وما هي مسؤوليته٬ وسيعيش في شكٍ دائم٬ ويعتقد أنّه عندما يموت سيتحلّل ويتفسّخ٬ في حين أنّ الفلسفة الإلهية تقول لنا بأنّ الإنسان عندما يموت: أولاً٬ سوف ينسلخ من جلده٬ و ثانياً٬ إنّ الإنسان هو الذي يميت الموت و لا يموت”.

واكد آية الله الجوادي الآملي ان “الفلسفة الإلهية تستمد تعاليمها الإلهية من الوحي٬ فبعد القبول بالوحي٬ يقول هذا العقل نحن بحاجة للوحي٬ ويقوم الوحي بتفسير أنّ الإنسان يميت الموت٬ ولا يموت. لم يقل القرآن الكريم كلّ نفسٍ تذوق الموت٬ بل قال كل نفسٍ ذائقة الموت”.

وأضاف “ومن المعلوم أنّ كلّ ذائق يقوم بهضم ما يتذوقه. فنحن الذين نميت الموت٬ ونحن الذين ندوس على الموت بأقدامنا٬ ونحن الذين نجتاز الموت و نعبره لنصل إلى الأبدية٬ إذن٬ نحن موجودون والموت غير موجود٬ هذه التعاليم من ثمرات الفلسفة الإلهية٬ التي أزهرت ببركة الوحي٬ وأزهر معها المجتمع. لطالما سمعنا و رأينا بأنّ القوى الكبرى هي التي أشعلت الحربين العالميتين اللتين قدّرت خسائرهما وضحاياهما بـ 70 مليون شخص على الأقل٬ ومع ذلك لم تستطع تلك القوى جلب الاستقرار لهذا العالم٬ واليوم أيضاً كل ما نراه عبارة عن حروب بالوكالة. فمثلاً كيف كانت أوضاع سورية وكيف أصبحت اليوم بفضل الله ولطفه٬ والعراق أيضاً كيف كان وكيف صار اليوم بفضل الله ولطفه٬ وأنتم ترون أوضاع اليمن اليوم الذي نأمل أن يمضي نحو الصلاح والحقيقة والأمن والأمان. هيهات أن ينصلح حال المجتمعات ويتمدّن بالقتل وسفك الدماء والاختلاف والعنجهية. إذن٬ العقل الفلسفي هو الذي يدعو الإنسان إلى الاستقرار والثبات والسكينة والأمن والأمان”.

النهایة

www.iraq.shafaqna.com/ انتها