نشر : December 6 ,2017 | Time : 21:21 | ID 99599 |

الخفاف: السيد السيستاني يدعو لقيام نظام “يعتمد مبدأ التعددية والعدالة والمساواة”

اص شفقنا- بيروت-تحت شعار “الناس صنفان اما اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” وفي اجواء المولد النبوي والامام جعفر الصادق، أقامت جمعية آل البيت الخيرية في قاعة السيد عبد الحسين شرف الدين في مجمع الامام الصادق الثقافي مساء الثلاثاء، مهرجان الصادقين الشعري الرابع برعاية آية الله السيد علي السيستاني دام ظله، ممثلاً بالاستاذ حامد الخفاف وبمشاركة شعراء من البلدان العربية، وشخصيات علمائية ودينية وسياسية اضافة الى نواب ووزراء سابقين وفاعليات ادبية، وثقافية، واكاديمية، ودبلوماسية، وإعلامية، وقضائية، وأمنية وعسكرية، وبلدية، واجتماعية، وحشد من المهتمين.

افتتح المهرجان بآيات بينات من القرآن الكريم، والنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقى ممثل السيد السيستاني في لبنان، ورئيس “جمعية آل البيت” الخيرية الاستاذ حامد الخفاف كلمة من وحي المناسبة استهلها بالتهنئة والتبريك بمناسبة ذكرى ولادة الصادقين عليما السلام فقال:

“رسول الانسانية والإخاء والمحبة محمد بن عبدالله (ص)، وصادق أهل البيت (ع) الإمام جعفر بن محمد عليه السلام. كما أرحب بكل الحضور الكريم فرداً فرداً، وأخص بالذكر الشعراء الأفاضل، الذين لبوا دعوتنا للمشاركة في هذا المهرجان المبارك، خصوصاً الذين شرفونا من خارج لبنان.

لم تكن الصورة السيئة التي كرّسها أداء المتطرفين عن الاسلام خصوصاً في العقدين الأخيرين إلا انعكاساً لقراءات مغلوطة لحقيقة الدين وصفائه، أدت إلى تشويه صورته، وتحريف معالمه. وفي هذا الإطار تقيم جمعية آل البيت (ع) الخيرية مهرجان الصادقين (ع) الشعري الرابع، تحت عنوان: الناس صنفان إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق. في محاولة منها لتظهير مكامن النور في دينٍ أراده الله دين إخاء ومحبة وإنسانية، وأراده المنحرفون دين فرقة وبغضاء وكراهية.

وتابع الخفاف إن موضوعة المهرجان لهذا العام، هي فقرة مستلة من عهد الامام علي بن ابي طالب (ع) لمالكٍ الأشتر لما ولاه مصر. والموجود نصه كاملاً في كتاب نهج البلاغة. وقد قال عنه جامع النهج الشريف الرضي، إنه: “اطول عهدٍ، وأجمع كتبه للمحاسن”. ولا نجانب الموضوعية إن قلنا: إن هذا العهد هو من أهم النصوص التراثية في الفكر السياسي الاسلامي _إن لم يكن أهمها على الاطلاق_ لما احتواه من رؤية دقيقة لشكل العلاقة بين الحاكم والرعية، ومفاهيم راقية، أصبحت بعد قرون من ضرورات إدارة المؤسسات والدول، مثل الرقابة المالية، وتكافؤ الفرص، والمحاسبة، والشفافية، وآليات اختيار المسؤولين ومحاربة الفساد، ودور القضاء، إلى غير ذلك.

واضاف إن هذه العبارة العظيمة لأمير البلاغة والبيان تتحدث عن مفهومين اساسيين في الفكر الاسلامي، وهما الاخوة الايمانية، والمساواة الانسانية. وكي لا نطيل عليكم، سوف نحوم _باقتضاب_ حول هذا الجمال الدفاق، لنقتبس منه ما ينير حوالك زماننا وظلمة دروبنا، جمالٌ لم تبصره عيون عميت إلا عن رؤية دماء تسفك، ونساء تسبى، وجوامع تفجّر، وإنسانية تهدر.

واشار إلى عدة ملاحظات:

1. لقد كتب الامام علي (ع) عهده إلى مالك الأشتر _حوالي سنة 37 هـ_ حيث كانت مصر حديثة عهد بالاسلام، إذ لم يمر وقت طويل على فتحها، ولا يستبعد أن تكون أكثرية سكانها من الأديان الأخرى. وقد قدر بعض المؤرخين عدد المسيحيين فيها آنذاك حوالي سبعة ملايين انسان. ومن هنا تكون لضابطة: “الاخوة في الدين، والنظير في الخلق” معانٍ سامية، انبثقت من حاجة مجتمعية مصرية آنية تمتد لحدود البشرية جمعاء زماناً ومكاناً.

ويؤكد هذا المعنى: ما كتبه عليه السلام لواليه السابق على مصر، محمد بن أبي بكر قائلاً له: “وآس _أي ساوِ_ بينهم في اللحظة والنظرة…” وهي دقة متناهية تكرس مبدأ العدالة الاجتماعية.

2. إن الإخوة في الدين التي أشار لها التصنيف العلوي للناس انبثقت من مفاهيم الرسالة السمحاء التي طرحت مفهوم المؤاخاة وكرسته عملياً في مجتمع خرج لتوه من أتون جاهلية مقيتة، ولذا بدت الدعوة إلى الاخاء غريبة عليه. مجتمع يعتز بالعصبية، ولا يرى عزيزهم شأناً لمن هو أدنى منه. وبعد جهد جهيد من رسول الاخاء والمحبة، تمكنت دعوة الإخاء من العقول والنفوس، وغدت واقعاً مباركاً، عبر عنها الباري عز وجل بـ “النعمة”، إذ قال: “وَاذْكُرُواْ نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً”.

ويبلغ الإخاء الاسلامي حد الفريضة، فلا يكمل ايمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقد زخر تراثنا الروائي والأدبي بما يُعلي شأن الاخوة في الله. فقد ورد عنهم عليهم السلام _على سبيل المثال لا الحصر_: “من حب الرجل لدينه حبه لاخوانه” ومن استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة. ولله در من قال:

أخ إن نأت دار به أو تنازحت   فما الود منه والاخاء بنازحِ
يُبرك إن يَشهد، ويرعاك إن يغبْ   وتأمن منه مضمرات الجوانح
وقال آخر:
أخاك أخاك إن من لا أخا له   كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ

3. بحدود استقرائي المتواضع لنصوص التراث الاسلامي فإن الإمام علياً (ع) كان رائداً في استخدام عبارة “النظير في الخلق” للتعبير عن القسم الثاني من تصنيفه لبني البشر، وكان مذهلاً في قدرته على تظهير حقيقة نظرة الدين الانسانية لعموم الخلق بشكل مكثف من خلال كلمة واحدة هي “النظير” أي المثيل، أو الشبيه، أو المساوي. كما ورد في معاجم اللغة.

المساواة أمل الأحرار المنتفضين لصون كرامة الانسان

واشار الخفاف الى إن ما طرحه علي (ع) ليس إلا خلاصة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، اختزلها امام البلاغة في ثلاث كلمات: “النظير في الخلق”، ليطرح فكرة سامية، كانت ولا تزال منذ بدأ الخليقة حلماً تسعى لتحقيقه كل النفوس المشرئبة لحياة حرة كريمة، وهي فكرة “المساواة”. السبيل الضروري لتحقيق مبدأ العدالة.

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ”، وقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”، وقال: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً”، وقد أعلن _صاحب الذكرى (ص)_ في خطبة الوداع مبدأ المساواة بين الناس فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”.

وقد التزم علي (ع) مبدأ المساواة بكل صرامة، وكرر من موقع المسؤولية تمسكه به فهنا يقول: “وان تكونوا عندي في الحق سواء”، وهناك يصرح: “واعلموا ان الناس عندنا في الحق اسوة”، وكتب لأحد قياداته العسكرية: “… وليكن أمر الناس عندك سواء”. وكل هذه الألفاظ والمعاني تكرس مبدأ المساواة، الذي لم يعرف كمصطلح إلا في وقت متأخر نسبياً.

وقال إذا كانت غاية الدين القيام بالقسط، كما صرح بذلك القرآن الكريم، يتبين ان مبدأ المساواة من الاصول الأساسية للدين لتجسيد غاياته المختلفة في المجتمع والحياة. وسيبقى سحر المساواة بكل ابعادها: القانونية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، يبقى أمل الأحرار المنتفضين لصون كرامة الانسان.

ويصدح أحمد شوقي في همزيته الشهيرة، مادحاً الرسول الأكرم، ومشيراً إلى هذا المعنى:

أنصفتَ أهلَ الفقرِ من أهل الغنى  فالكل في حق الحياة سواءُ
فلو أن انساناً تخيّر ملةً  ما اختار إلا دينك الفقراء
الاشتراكيون انت إمامهم  لولا دعاوى القومِ والغُلَوَاءِ

ولله در الصافي النجفي: أحمد، وهو يحلّق في سماء الدائرة الكبرى للخلق، والانسانية:

في صلاح الأنام أبغي صلاحي  أنا كلّ يعيش في أجزاءِ
في انحطاط الورى أحس انحطاطي  وارتقاء الانام فيه ارتقائي
نقصهم لي يعود، فالناس جنسي  واليهم لدى الكمال انتمائي

وفي إطار التلازم بين الاخوة في الدين والنظير في الخلق، لفت الخفاف إلى أن المساواة هي اولى آثار الاخوة، لأن الاخوة لا تكون إلا بين متساويين في الحقوق والواجبات.

وإضافة إلى مفهوم المساواة، تستبطن عبارة “النظير في الخلق” مفهوم الحرية عموماً، والحرية الدينية خصوصاً، فالناس على اختلاف مللهم ونحلهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم من دين، على ضابطة قوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”.

4. بعد حوالي اثني عشر قرناً من الزمن، وبعد مخاض عسير مرّت به أمم وشعوب اوروبا والعالم، اطلقت الثورة الفرنسية عام 1789 م اعلان حقوق الانسان والمواطن، والذي عرف بالاعلان الفرنسي لحقوق الانسان، الذي يعد من مفاخر الثورة الفرنسية، والذي نصت مادته الاولى على أنه: “يولد الناس ويظلون دائماً أحراراً ومتساوين في الحقوق…” ورفعت شعارها الثلاثي الملهم لاحرار العالم: “حرية، مساواة، إخاء”. وهي نفس المضامين التي طرحتها مقولة “الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق”. يقول الأديب الكبير جورج جرداق عن علي (ع)، وعبارته الأثيرة: “هل عرفتَ إماماً لدين يوصي ولاته بمثل هذا القول في الناس”، ويضيف: “وكأنه بذلك من مفكري هذه العصور لا من أبناء القرن السابع للميلاد”. وكتب في بحثه “بين علي والثورة الفرنسية” أجمل ما ينثه يراع، أو يسطره ذو باع. وأثبت بالنصوص ان أغلب فقرات الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان قد وردت مثيلاتها في كلام علي (ع) ونصوصه.

ما اجمل الشعر عندما ينحاز للحرية للعدالة لانسانية الانسان

وتابع…” لقد عاشت المساواة والعدالة، طيفاً في احلام الشعراء، وفكراً ملهماً في عقول الفلاسفة، وكانت ولا تزال صرخة المصلحين الكبار لانقاذ شعوبهم من براثن الظلم والجور. ومن هنا فقد أكد سماحة السيد السيستاني دام ظله في أكثر من مناسبة على ضرورة الالتزام بمبدأ المساواة والعدالة.

فأكد في رسالته الجوابية للأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي على ضرورة: “الحوار البناء لحل الازمات والخلافات العالقة على أساس القسط والعدل، والمساواة بين جميع ابناء هذا الوطن في الحقوق والواجبات”، وفي رده على سؤال حول شكل النظام المستقبلي في العراق قال: “… والجميع متفقون على ضرورة اتخاذ مبدأ العدالة والمساواة بين ابناء هذا البلد…”. وفي جواب آخر دعا إلى قيام نظام “يعتمد مبدأ التعددية والعدالة والمساواة…”. وفي جواب ثالث أكد على ضرورة التأسيس لنظام جديد يقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع ابناء هذا البلد، في جنب مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر.

وختم بالقول إن رسالة مهرجاننا الشعري لهذا العام هو تبيان مواطن الجمال في فكرٍ سماوي إنساني ينبض بالحياة، في زمن انقلاب المفاهيم، وانحراف الافكار. ومن أولى من الشعراء لهذه المهمة، وهم عشاق الجمال ورفاقه. وما أجمل الشعر عندما ينحاز للمثل العليا والقيم السامية. ما أجمله عندما ينحاز للإخاء، للحرية، للمساواة، للعدالة، لانسانية الانسان.

ثم القى كل من الشعراء الشيخ المصري وبخيت والتميمي، وطه، وحمادة، وصديقي، قصائد من وحي المناسبة جسدت مفهوم الاخوة والمساواة والقت بظلالها على مناسبة ولادة نبي الرحمة محمد “ص” وحفيده الامام الصادق عليه السلام.

النهاية

www.iraq.shafaqna.com/ انتها