نشر : August 12 ,2017 | Time : 17:48 | ID 86958 |

الغرب والإرهاب العالمي

خاص ترجمة شفقنا- بيروت- من المهم معرفة الحقيقة فالإرهاب بمختلف مظاهره منبعه اعتداءات الدول الغربية على شعوب العالم الأُخرى منذ قرون عديدة وفي المقام الأول الهيمنة والنهب والتدمير البطيء واللاإنساني للاقتصاد الوطني والنسيج الاجتماعي لعدد من الدول.

ومنذ بداية القرن العشرين شنت حوالي 55 حربًا إما من قبل الغرب مباشرةً أو بمساعدة من حلف شمال الأطلسي، فالخطاب الخاطئ الذي نشر في ساحات السياسات الدولية ما زال يضفي شرعيةً على الحروب والعمليات العسكرية التي يقودها الغرب. ويدعم هذا القول كل من فهم الحيل الخفية للدعايات السياسية مثل نعوم تشومسكي وأندريه فلتشيك اللذان قدما تحليلًا لهذا الوضع العالمي في كتاب بعنوان “الإرهاب الغربيّ: منذ هيروشيـما إلى حرب الطائرات بدون طيار” وقد صوّرا فيه وضع العالم في القرون الماضية:

“هناك بالتأكيد طريقتان للتحدث عن الإرهاب. فالإرهاب لا يعتبرُ إرهابًا حين تمارسه السلطات الكبرى وتزيّنه بالفضيلة. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تسبب الاستعمار الغربيّ والاستعمار الجديد بوفاة حوالي 50-55 مليون شخصًا باسم الحرية والديمقراطية وما إلى هنالك من المثل العليا. ومع ذلك فقد تملّص الغرب من هذه المسؤولية وأفلت دونما عقاب وبقي بنظر العالم أنه يؤدي مهمة أخلاقية”.

كلا المؤلفين انتقدا النتيجة الفادحة للاستعمار واستغلاله الشائن للموارد الطبيعية للأرض. وقد ضُمَّ  لهذا الكتاب مقالين نُشِرا عقب الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الأسبوعية الساخرة في كانون الثاني 2015 أدانا فيه النفاق الغربي حول موضوع الإرهاب.

كل ما يتم نشره في الغرب يخدم صالح الاستعمار الغربي، وكل من رفض التدخلات السياسية الغربية صُنفوا بقائمة الإرهابيين أو أعداء الديمقراطية بينما تم تجاهل عمليات الغرب في عسكرة الاقتصادات والمجتمعات الأخرى.

وهكذا تتولى الدولة الرأسمالية المشهد السياسي والاجتماعي وتعمل بطريقة ديكتاتورية بالتعاون مع وسائل الإعلام الرئيسية لتطبيع هذا الوضع العالمي في أعين الجماهير . إذ يتم نشر الأكاذيب الملفقة وإخفاء الحقائق وذلك كله بدعمٍ من خبراء تم اختيارهم خصيصًا لنشر هذا الفكر في العقود الأخيرة، بهدف الوصول لرأي عالمي يجمعُ على التعريف الغربي للإرهاب.

تعريف الغرب للإرهاب:

إن الإرهاب كما ينظر له الغرب هو مجموعة الأفعال التي تهدد مصالح أولئك المسيطرين على العالم الرأسمالي، فالمظاهرات الشعبية في المدن الكبرى التي تطالب بالحقوق والعدالة الاجتماعية والجمعيات التي تناضل من أجل حماية هذه الحقوق والدول التقدمية كلها تعتبرُ تهديدًا لمصالح الرأسماليين.

 وكانت الهجمات التي وقعت في باريس 2015 وتلك التي وقعت في بروكسل في آذار 2016 فرصةً للغرب لإعادة التأكيد على خطابه المخادع ودفع الإعلام للتركيز على أخبار المتطرفين والجهاديين متجاهلين بذلك الداعمين الحقيقيين للإهارب الدوليّ.

الإرهاب الغربيّ:

من المهم بمكان معرفة الحقيقة فالتدابير التي اتخذت بعد الاعتداءات التي وقعت في باريس وبروكسل أدت إلى السيطرة على الشعب وبالتالي عسكرة المجتمع المدني ومؤسساته. وقد عرفت هذا النظام أمريكا اللاتينية وذلك لعقود طويلة حكم فيها الدكتاتوريين هؤلاء الشعوب ولا سيما في البرازيل والأوروغوري والأرجنتين وشيلي. حالةٌ دائمةٌ من الحصار وفقدان الحقوق المدنية والحريات الأساسية. وهذا بالضبط ما يحصل الآن في فضاء أوروبا. انتشار لعناصر الشرطة والقوات المسلحة والسيطرة على تحركات الناس، وتزايد عمليات التفتيش ومراقبة المواقع الاستراتيجية كمحطات الطاقة النووية والقواعد العسكرية. وستزداد هذه الإجراءات لتصبح تعبيرًا عن إرهاب الدولة الذي يمارس ضد مواطنيها وهو أمرٌ مثيرٌ للقلق.

التطرّف: مفهوم ينطبق إلى حدّ كبير على وحدات الجيوش الوطنية

إن التطرف مفهومٌ مضلل يغطي جميع أوجه النشاط البشريّ. في ظاهرة التطرف يتم تدريب الأفراد على تنمية أفكارهم المتطرفة والقيام بأعمال عنف ضد المواطنين الأبرياء. ووفقًا لهذا الرأي فإن هذا السلوك هو نتيجة تلقين الأفكار المضللة. ولكن في هذا الخطاب السياسي والعسكري لا يأتي أبدًا ذكر جنود القوات المسلحة المدربون على القيام بأعمال حربية وقتل البشر وقبل كل شيء، إطاعة الأوامر التي تمليها القيادات العليا. هل يمكن إذًا وصف أعمالهم بالمتطرفة “الراديكالية”؟ هؤلاء الجنود يؤمنون بمفهوم واحد “اقتل أو تُقتَل”. كيف يمكننا إذًا أن نخفي الحقيقة ونبقى نردد أن هؤلاء هم من يدافعون عن وطنهم؟ هم مدرّبون لقتل “العدو” الذي يؤخذ بعين الاعتبار في فكر الجماعة.  

المعايير المزدوجة

ضحايا الغرب يُعترف بهم، أما ضحايا البلدان الفقيرة فهم مجرد “إحصائية”، مثال على ذلك بروكسل وعدَن.

هذا هو بالضبط ما رأيناه خلال الهجمات على بروكسل وتلك التي وقعت بعد أيام قليلة في 25 آذار في اليمن. إن اعتداء بروكسل والذي أسفر عن مقتل 25 شخصًا وأكثر من مئتي جريح أدى إلى انتشار كبير للقوات المسلحة وأعقب الهجوم صدمةً عالمية. أما في اليمن فقد قتل ما لا يقل عن 22 شخصًا بسيارة مفخخة استهدفت قوات موالية في ميناء مدينة جنوب اليمن (صحيفة لو ديفوار 26 و 27 مارس / آذار 2016، ص 5) لكن الخبر يظهر صغيرًا في إحدى الصفحات الداخلية خاليًا من أيّ إشادة بالضحايا اليمنيين وكذلك هو الأمر بالنسبة لضحايا  الغزو الغربي للعراق وسوريا وأفغانستان.

استنتاج:

كشفت هجمات باريس وبروكسل مرةً أخرى عمى الغرب عن الأعمال الإرهابية التي يمارسها في شتى أنحاء العالم.  إن مصطلح الحرب العالمية على الإرهاب الذي جاءت به الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 2001 تسبب في وفاة 1.3 مليون شخصًا وفقًا لتقريرٍ تحت عنوان “أعداد الضحايا بعد عشر سنوات من الحرب على الإرهاب” أصدرته جمعية أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية وجمعية أطباء دوليون لمنع الحرب النووية – جائزة نوبل للسلام لعام 1985 ومنظمة أطباء من أجل البقاء العالمي.

ويؤكد هذا التقرير المستند إلى عدة مصادر منها مصادر حكومية أن حصيلة  1.3 مليون قتيل هو عدد متحفّظ نسبة إلى أعداد القتلى الحقيقة ولا يأخذ بعين الاعتبار البلدان الأخرى في الصراع كاليمن والصومال وليبيا وسوريا.

وهنا نذكر تحليل الصحفي البلجيكي ميشيل كولون لهجمات بروكسل: “هذه الهجمات ليست حتمية، فهي نتيجة لسياسة دُبِّرت في واشنطن ثم في لندن وباريس وبروكسل. أيها السادة، تقع عليكم مسؤولية مشتركة، فهل نمتلك الحق في مناقشتها _”بديمقراطية”_ أم أنكم ستمارسون ضغوطكم على وسائل الإعلام وتشترون صمتها كالمعتاد؟”.

_________________________

جولس دوفور. أستاذٌ فخريّ وباحثٌ مشارك في مركز أبحاث العولمة، وعضو في اللجنة العالمية للمناطق المحمية في سويسرا وعضو في الدائرة العالمية لسفراء السلام بباريس. 

www.iraq.shafaqna.com/ انتها