شفقنا العراق-تشهد العلاقات العراقية الأمريكية تحولاً تدريجياً من التركيز على الوجود العسكري المباشر إلى توسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والاستشارية والفنية.
تتجه العلاقات العراقية – الأمريكية نحو مرحلة جديدة أكثر حرجاً، ترتكز على إعادة صياغة شاملة لمعادلة “الأمن مقابل الاقتصاد”، في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية بين بغداد وواشنطن قبيل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى البيت الأبيض.
ويقرأ مراقبون هذا المسار بوصفه محاولة أمريكية لوضع خريطة طريق طويلة الأمد لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في العراق، عبر ربط الاستقرار الأمني بفتح الباب أمام الاستثمارات والشركات الغربية، مقابل الدفع باتجاه تقليص نفوذ الميليشيات المسلحة وإعادة دمجها ضمن مؤسسات الدولة.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تتعامل مع الملف العراقي ضمن رؤية أوسع ترتبط بإعادة هندسة التوازنات في المنطقة، حيث لم تعد المقاربة تقتصر على التعاون العسكري أو مكافحة الإرهاب، بل امتدت إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية والاتصالات.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون السياسية والأمنية، عبدالله الركابي إن “التحرك الأمريكي في العراق لا ينفصل عن استراتيجية شاملة تقوم على الربط بين الاستقرار الأمني والانفتاح الاقتصادي”.
ضبط بيئة الاستثمار
وبين أن “واشنطن تتجه إلى صياغة مرحلة جديدة يكون فيها الأمن مقدمة لعودة الشركات الأمريكية وتوسيع حضورها في السوق العراقية”.
وأضاف الركابي أن “هناك تركيزاً أمريكياً واضحاً على المرحلة المقبلة يتعلق بإعادة ضبط بيئة الاستثمار في العراق، بما يشمل إعادة تقييم وجود الشركات الصينية والكورية والروسية، ومحاولة استعادة النفوذ الاقتصادي الأمريكي في قطاعات استراتيجية مثل النفط والطاقة والاتصالات”، مشيراً إلى أن “ذلك يرتبط بشكل مباشر بملف الفصائل المسلحة وقدرتها على التأثير في القرار الأمني”.
وخلال اللقاء الذي جمع في بغداد المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، برئيس الوزراء علي الزيدي، جرى بحث حزمة من مشاريع التعاون الاقتصادي والاستثماري، إذ تضمنت المباحثات ملفات تتعلق بعودة وتوسيع نشاط عدد من الشركات الأمريكية في قطاعات الطاقة والنفط والبنية التحتية، وفي مقدمتها شيفرون لتطوير حقلي غرب القرنة–2 والناصرية، إلى جانب HKN Energy وWestern Zagros في مجالات الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب شركة “ستارلينك” في مجال الاتصالات.
ضغوط أمريكية
تأتي هذه الرؤية في ظل نقاشات متقدمة داخل الأوساط السياسية العراقية حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، حيث تشير التقديرات إلى أن واشنطن لا تدفع باتجاه انسحاب كامل بقدر ما تعمل على إعادة تعريف دور قواتها ليقتصر على الاستشارات والتدريب والدعم الفني، خصوصاً في مجالات صيانة الأسلحة والطائرات الأمريكية التي يعتمد عليها الجيش العراقي.
وبحسب هذه المقاربة، فإن “الانسحاب الكامل” لم يعد مطروحاً كخيار عملي في المدى القريب، مقابل التركيز على إبقاء “المستشارين العسكريين” ضمن اتفاقية إطار أوسع، تتيح استمرار التعاون الأمني دون وجود قتالي مباشر، وهو ما تعتبره واشنطن شرطاً ضرورياً لضمان استقرار بيئة الاستثمار.
في المقابل، يرى مختصون أن هذا التحول لا ينفصل عن الضغوط الأمريكية المتزايدة على الحكومة العراقية لإعادة هيكلة ملف الفصائل المسلحة، ضمن إطار حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف أصبح محوراً أساسياً في الحوار الاستراتيجي بين البلدين خلال المرحلة الأخيرة.
يقول أستاذ الإعلام، غالب الدعمي، إن “المرحلة المقبلة ستركز على تعزيز مسار الشراكة بين العراق والولايات المتحدة في أبعادها الاقتصادية والاستشارية، أكثر من التركيز على الوجود العسكري القتالي المباشر”.
الاقتصاد مقابل الأمن
وأضاف الدعمي أنه “المتوقع أن يطلب رئيس الوزراء علي الزيدي تمديد بقاء المستشارين الأمريكيين، خصوصاً في مجالات صيانة المنظومات التسليحية والطائرات، وتطوير القدرات الفنية للجيش العراقي”، مبيناً أن “العراق لا يحتاج إلى قوات قتالية بقدر حاجته إلى دعم فني وتقني متخصص”.
وأشار إلى أن “طرح ملف تمديد الوجود القتالي الأمريكي قد يفتح نقاشات داخلية معقدة، ويمنح ذريعة للجهات الرافضة لمسار حصر السلاح بيد الدولة”.
ويعتقد مختصون أن واشنطن تربط بشكل غير مباشر بين نجاح هذا المسار وبين حجم الانفتاح الاقتصادي على العراق، في إطار معادلة تقوم على أن أي بيئة غير مستقرة أمنياً لن تكون جاذبة للاستثمارات الكبرى أو للشركات الدولية.

