شفقنا العراق ــ لم يكن درس المرجع آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره) مجرد محفل لإلقاء المسائل الأصولية وتدقيقها، بل كان مدرسة أخلاقية ومعرفية متكاملة الأركان، فقد تميز بروح فريدة تجلت في إنصافه العلمي، وقوة حافظته، وأبوته الحانية لتلامذته ومعاصريه على حد سواء.
وفي هذا السياق، سلّط مقال للشيخ سامي محمد العيد الأحسائي، إضاءات موجزة حول الملامح العلمية والأخلاقية التي ميزت هذه القامة الحوزوية الرفيعة.
وفيما يلي نص المقال:
كان لشيخنا آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض (رضوان الله عليه) روح خاصة، ومكانة متميزة، ولون علمي وإنساني متفرد، وقد استطاع بما امتلكه من صفاء النفس ورحابة العلم أن يحقق معادلة يصعب على كثيرين بلوغها، وهي معادلة السهل الممتنع.
فلم يكن تواضعه الكبير حاجبًا عن علمه الواسع، كما لم يكن علمه الواسع حائلًا بينه وبين من حوله. كان واحدًا منهم في بساطته وقربه، وكان غيرهم في علمه ومقامه. وتلك معادلة قلّ من يوفّق لصناعتها، وقد صنعها بجدارة يغبط عليها.
رأيته أول مرة حين قدمت إلى النجف الأشرف للاستقرار، وكنت بصحبة الشيخ الفاضل حجي الجويد الأحسائي، وهو ممن كان يحظى بثقة شيخنا الأستاذ ومودته.
وفي ذلك اللقاء وجدت في الشيخ (رضوان الله عليه) استحضارًا واسعًا لآراء أستاذه السيد الخوئي (رضوان الله عليه)، ومعرفة دقيقة بأحوال أهل العلم، ولا سيما تلامذة السيد الخوئي. ولم أر، أو قلّ أن رأيت، من بلغ هذا المقدار من التقدير والإجلال لأستاذه كما كان هو. فقد كان يلهج بذكره، ويشيد بصفاته العلمية والأخلاقية، حتى كانت تباشير السرور والارتياح تبدو على وجهه كلما دار الحديث عنه.
لقد كان شيخنا متيمًا بأستاذه، تعلقًا علميًا وأخلاقيًا لا يخفى على من عرفه أو جالسه. ثم أسعفني الحظ بعد سنوات بحضور درسه الخارج في علم الأصول، فبدأت علاقة من نوع آخر، هي علاقة التلميذ بأستاذه.
ومن هنا أحب أن أسجل، على نحو موجز، بعض ما لمسته فيه من مميزات علمية وأخلاقية.
أولًا: قوة الحافظة وسعة الاستحضار:
كان (رضوان الله عليه) يملك حافظة نادرة، لم أقف على مثلها. فقد كان يلقي درسه بشكل متتابع من غير توقف، مستحضرًا الأقوال والوجوه العلمية كأنه يقرأ في صحيفة بين يديه.
ومن اللطائف التي أذكرها أنه توقف في أحد الدروس فجأة وقال: «نسيت»، ولم تمض لحظات حتى قال: «تذكرت»، ثم أخذ يكمل الدرس على طريقته في الاسترسال والبيان.
ثانيًا: وضوح البيان:
كان بيانه في الدرس واضحًا، قريبًا من ذهن الطالب، مع احتفاظه بالعمق العلمي والدقة الأصولية. وكان يشبه إلى حد بعيد بيان السيد الخوئي، كما يظهر لمن استمع إلى التسجيلات المتوفرة لدروس السيد الخوئي (رضوان الله عليه).
ثالثًا: عنايته بآراء المعاصرين:
كان من مميزاته تعرضه لبعض آراء معاصريه، وهي حالة إن لم تكن معدومة في الدروس العالية فهي نادرة جدًا. فقد كان يتعرض لآراء المرحوم السيد محمد باقر الصدر، ويذكر ملاحظاته عليها. وقد سألته مرة عن ذلك، فقال: «يحسن أن يطلع الطالب على آخر الآراء، خصوصًا الآراء القوية، والسيد الصدر أحد نوابغ الحوزة، وأصوله متين ودقيق».
ولا يخفى أن شيخنا الأستاذ كان معجبًا بالسيد الصدر، ويكنّ له مودة خاصة، وكان يكثر من مدحه في الجهة العلمية.
وقد سمعت ذلك منه غير مرة، وهو ما يدل على علو نفسه، وتواضعه، وإنصافه في التعامل مع معاصريه. ويلزمني هنا أن أذكر أني لم أسمع منه كلمة قدح في أحد. وكنت إذا سألته عن بعض الشخصيات العلمية لم يكن يتجاوز التقييم العلمي، من غير أن يمسّ الشخص أو يتعرض له بما لا يليق.
نعم، كان يتناول بعض الشخصيات من الناحية الشخصية مدحًا وثناءً، وكان يستشهد كثيرًا بأخلاق سيده الأستاذ السيد الخوئي في هذا الباب، قائلًا: «إن سيدنا الأستاذ لا يتعرض، ولا يتكلم، ولا يقبل أن يمس شخص بمحضره الشريف».
رابعًا: إنصافه العلمي:
كان (رضوان الله عليه) لا يتوانى عن الإقرار بالحق وقبول الاعتراض الصحيح متى اتضح له. ومنهجه عند الإشكال عليه كان يقوم غالبًا على إعادة المطلب الذي ألقاه مرة ثانية بصورة أكثر تفصيلًا.
وكان يفعل ذلك في حالتين: إما لوضوح عدم ورود الإشكال على ما ذكره، أو لعدم وضوح كلام المستشكل. فيعيد المطلب ليستوضح الطالب عدم ورود الإشكال، أو ليتمكن المستشكل من تقرير إشكاله بنحو أوضح وأدق. فإن انتهى الأمر إلى وضوح الإشكال، انبرى الشيخ إما لدفعه نقضًا أو حلًا، وإما للقبول بكلام التلميذ متى رآه تامًا.
ولا بأس أن أذكر هنا تجربة شخصية معه في أوائل حضوري عنده. فقد تعرض في بعض الدروس لما قد يورد نقضًا على تعريف علم الأصول، من جهة خروج بعض المسائل المهمة، ونسب (رضوان الله عليه) كلامًا إلى السيد الخوئي.
وكنت يومها في حماس التحصيل، فراجعت كلام السيد الخوئي، ولم أجد لهذه النسبة أثرًا، ولكني ترددت كثيرًا في طرح ذلك على جنابه، خصوصًا مع ما كان يعرف عنه من الإلمام الواسع بآراء السيد الخوئي.
وأذكر أني استعنت بسيدنا الأستاذ الخبير السيد محمد رضا السيستاني، وطرحت عليه الإشكال، فوافق على عدم وجود مثل هذا الكلام في كلمات السيد الخوئي. وفي اليوم التالي تشرفت بالجلوس بين يدي شيخنا الأستاذ، وقلت له: إن ما ذكرتموه غير موجود في كلام السيد الخوئي (رضوان الله عليه). فتبسم وقال بالنص: «لا يمكن»، ثم قال مباشرة: «هل راجعت كل دورات السيد الخوئي؟». فقلت له: كل الموجود من المطبوع راجعته ولم أجد ذلك. فقال بكل تواضع: «سوف أراجع».
فلما جاء الدرس التالي، أدخل التصحيح في أثناء بيانه الجميل، وبيّن الصواب بأسلوب سلس ولطيف، بحيث قد لا يلتفت كثيرون إلى التغيير الذي صنعه. ثم أشار إليّ بعد الدرس وقال: «لقد استدركت ما ذكرتموه، وهو صحيح»، ثم قال: «العصمة لأهلها».
وأحب أن أنبه إلى أن الإشكال لم يكن إشكالًا فكريًا عميقًا، بل كان إشكال تتبع، وهو مما يقع فيه أي طالب يراجع ويدقق ويذاكر، فليس في الأمر كبير شأن من جهة الطالب. وإنما المقصود بيان هذه الروح العالية عند شخصية عرفت بإلمامها بآراء السيد الخوئي، وتقدمها العمري، ومنزلتها العلمية، ومع ذلك قبلت من طالب صغير، ولم تتحرج من المراجعة ولا من بيان وجه الحق. وهذا كله من آثار تقواه وورعه.
خامسًا: عنايته بطلبة العلم وتواضعه لهم:
ومن المواقف التي أذكرها له أني طوال مدة علاقتي به لم يصادف أني أخبرته باسمي، مع ترددي عليه أيام الدراسة عنده. ثم شاءت الظروف أن أنقطع عن درسه المبارك بسبب مزاحمات أخرى، وكان ذلك سببًا أيضًا في انقطاعي مدة عن زيارته. حتى جاءني أحد الإخوة الأحسائيين، وهو جناب الفاضل السيد مصطفى الياسين، وقال لي: «إن الشيخ يسأل عنكم»، وقال: «أريد رؤية فلان».
فقلت له: لعلك مشتبه، فالشيخ لا يعرف اسمي. ولكنه أصر قائلًا: لقد ذكركم بالاسم. وفعلًا، حين ذهبت لزيارته استقبلني بعطف الأبوة، فقلت له ممازحًا: لم أكن أعلم أنك تعرف اسمي.
فقال: «عرفته من أول الأيام لدى حضوركم الدرس، وافتقدتكم».
وقد أخجلني أن شخصية بمقامه، وفي موقعه، تعتني بأحوال طالب صغير مثلي.
ثم سألني عن أحوال أبناء الجالية وحاجاتهم، في رعاية أبوية قلّ نظيرها. فرحمه الله برحمته الواسعة.
وأما حال شيخنا مع طلبة العلوم الدينية فلا أظنه يخفى على أحد، ولذلك كان محبوبًا من جميع الطلبة، لما وجدوه فيه من أبوة علمية، وتواضع، ورعاية، وصدق في التعامل.
ذكرت ما سبق من واقع تجربتي مع شيخنا الأستاذ، وفاءً لبعض حقه، وبيانًا لشيء من مقامه، وتناولًا لسيرته من جهة واقعية وشخصية، لعلها تسهم في التعرف إلى جانب من شخصيته كما عرفناها عن قرب: عالمًا كبيرًا، وأستاذًا رفيعًا، وإنسانًا متواضعًا، ومربيًا رؤوفًا، وفقيهًا حمل علمه بوقار، وحمل وقاره بتواضع.
بقلم: سامي محمد العيد الأحسائي

