شفقنا العراق-تُظهر البيانات القضائية ارتفاعاً ملحوظاً في مؤشرات التفكك الأسري والعنف المنزلي، وسط تحذيرات من أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى تفاقم هذه الظواهر خلال المرحلة المقبلة. ويؤكد خبراء أن معالجة الأسباب الاقتصادية تمثل مدخلاً أساسياً للحد من هذه التداعيات الاجتماعية.
تكشف الأرقام الرسمية في العراق عن واقع اجتماعي معقد يتسبب في ارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري غير المسبوق، وبينما يرى مختصون أن الضغوط المعيشية المتراكمة باتت تهدد استقرار الأسر، وبالتالي تنعكس سلباً على المجتمع بشكل عام، تتصاعد الدعوات لتبني معالجات حكومية للتخفيف من الضغوط الحياتية، ومعالجة أسباب الأزمات التي تدفع باتجاه تزايد معدلات التفكك الأسري.
وأظهرت إحصاءات صدرت أخيراً عن مجلس القضاء الأعلى العراقي، تسجيل أكثر من 17 ألف حالة طلاق، وما يزيد على 5700 حالة عنف أسري خلال الربع الأول من عام 2026، وتصدرت العاصمة بغداد الأرقام، سواء في عدد حالات الطلاق أو جرائم العنف ضد النساء المسجلة.
وحسب البيانات الرسمية، فإن 3805 من حالات الطلاق خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، سجلت في جانب الرصافة من بغداد، و3333 حالة منها في جانب الكرخ، كما سجلت المحاكم 5740 واقعة عنف أسري في العاصمة، توزعت بين 4606 وقائع عنف ضد النساء، و799 وقائع ضد كبار السن، و335 وقائع ضد الأطفال.
ارتفاع تكاليف الحياة
ولا يمكن فصل هذه الأرقام عن الضغوط المعيشية التي تواجهها العائلات العراقية، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الحياة، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمات السكن، وتزايد معدلات البطالة، والعمل غير المستقر، وتفاقم نسب الفقر.
يقول الباحث الاجتماعي، رائد النعيمي، إن “الأسرة العراقية أصبحت تتحمل ضغوطاً أكبر من قدراتها التقليدية على التكيف، خصوصاً داخل المدن الكبرى. الخلافات اليومية لم تعد مرتبطة بطبيعة العلاقات الأسرية وحدها، بل بالإنفاق والإيجارات والديون، وانعدام الاستقرار الوظيفي”.
ويوضح أن “الكثير من الأسر تعيش حالة توتر دائمة بسبب المخاوف المعيشية، وينعكس ذلك مباشرة على العلاقة بين الزوجين، وعلى البيئة النفسية التي يعيش فيها الأطفال، وقد انعكس كل ذلك بالتبعية على الاستقرار الأسري، وأدى إلى مشاكل عائلية متعددة، ودفع كثيرين باتجاه قرار الطلاق الذي بات يهدد استقرار الآلاف من العائلات”.
وشهد العراق خلال السنوات الأخيرة، ارتفاعات متكررة في تكاليف المعيشة، بالتزامن مع أزمة سكن مزمنة، وارتفاع أسعار العقارات وكلفة الإيجارات، ما دفع آلاف العائلات إلى السكن في المناطق العشوائية، أو في منازل مشتركة مع عائلات أخرى، ما يزيد بدوره من الضغوط الاجتماعية والنفسية.
وتؤكد المختصة في علم النفس الأسري، سناء العبيدي، أن “ارتفاع نسب الفقر، وتزايد ضغوط الحياة أصبحا من بين أكثر مسببات العنف الأسري شيوعاً”.
التوتر المعيشي
موضحة أن “التوتر المعيشي المستمر يولد شعوراً بالعجز والإحباط، وغالباً ما يتحول داخل المنازل إلى انفعالات حادة، أو إلى سلوك عنيف، والأطفال عادة هم الأكثر تأثراً بهذه الأوضاع، حتى في الحالات التي لا يحدث فيها عنف مباشر، لأن العيش في ظل مشكلات عائلية مستمرة يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد عليهم”.
ولا تقتصر المؤشرات الاجتماعية المقلقة على تزايد الطلاق والعنف الأسري، إذ أظهرت الإحصاءات أيضاً تسجيل 6757 عقد زواج خارج المحاكم خلال الربع الأول من العام الحالي، ما يربطه مختصون بمحاولات بعض العائلات تقليل تكاليف الزواج الرسمي، أو تجاوز التعقيدات القانونية والإدارية. وسجلت محاكم عراقية 1694 حالة زواج لأشخاص دون 18 سنة، من بينها 266 حالة في الرصافة، و218 حالة في نينوى، في ظاهرة ترتبط في غالبية الأحيان بالفقر، أو بمحاولات تخفيف الأعباء الاقتصادية.
ويشير مراقبون إلى أنّ التحولات المعيشية والاجتماعية بدأت تعيد تشكيل بنية الأسرة العراقية التقليدية، والتي كانت تعتمد تاريخياً على شبكات الدعم العائلي الواسعة، بينما تواجه الأجيال الجديدة ضغوطاً مختلفة تتعلق بمتطلبات الحياة الحديثة.
ويرى الناشط الحقوقي، عائد الماجدي، أن “الأسرة العراقية كانت تاريخياً قادرة على امتصاص الأزمات بفعل الترابط الاجتماعي، لكن تغير نمط الحياة وتزايد الضغوط أضعفا قدرة العائلة على الاحتواء”.
مضيفاً أن “الكثير من حالات الطلاق أو النزاعات الأسرية تبدأ بخلافات صغيرة مرتبطة بمتطلبات البيت والأبناء، لكنها تتفاقم مع استمرار الضغوط النفسية”.
استراتيجيات طويلة الأمد
ويشدد الماجدي على “ضرورة وضع معالجات حكومية تشمل استراتيجيات طويلة الأمد للتعامل مع تلك الأسباب، إذ إنّ البناء المستقر للأسر ينعكس على المجتمع كله، كما أن الأزمات العائلية لها تداعيات سلبية على المجتمع واستقراره. بقاء الضغوط المعيشية من دون معالجات قد يؤدي إلى مزيد من التفكك الأسري، ومزيد من التوترات الاجتماعية، في حين تواجه البلاد تحديات متزايدة تتعلق بالمستقبل، والبطالة، والاستقرار المجتمعي، ما يجعل الأسرة العراقية في قلب اختبار اجتماعي صعب يتجاوز حدود الأرقام الرسمية”.
ورغم إطلاق الحكومة العراقية برامج دعم اجتماعي ومبادرات لمساعدة العائلات الفقيرة خلال السنوات الماضية، إلّا أن المعالجات الحالية لا تزال غير كافية لاحتواء التداعيات الاجتماعية المتزايدة للأزمة المعيشية، خصوصاً مع غياب الإرشاد النفسي والأسري، وضعف برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر هشاشة.

