شفقنا العراق-شهد العراق خلال السنوات الماضية تشكيل العديد من المجالس واللجان التي رُفعت تحت شعار مكافحة الفساد، إلا أن معظمها تراجع دوره مع تغير الحكومات أو تبدل الأولويات السياسية.
لم يغب شعار مكافحة الفساد عن أي حكومة عراقية منذ 2005، لكن النتائج بقيت موضع جدل واسع، إذ شكل نوري المالكي مجلساً لمكافحة الفساد، ثم جاء حيدر العبادي بمجلس أعلى، وأعاد عادل عبد المهدي إحياءه، فيما أسس مصطفى الكاظمي لجنة عرفت بـ”أبو رغيف”، قبل أن يُطلق محمد شياع السوداني هيئات ولجاناً جديدة تحت العنوان ذاته، واليوم يدخل رئيس الوزراء علي الزيدي على الخط بإعلانه تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، في محاولة جديدة لفتح واحد من أكثر الملفات تعقيداً في العراق.
وبينما تبدلت أسماء المجالس واللجان وتغير رؤساء الحكومات، بقيت النتيجة واحدة تقريباً؛ فالمليارات المهدورة لم تتوقف، وملفات الفساد الكبرى لم تختفِ، ما جعل كثيرين ينظرون إلى تشكيل الهيئات الجديدة بوصفه إجراء متكرراً أكثر من كونه تحولاً حقيقياً في مسار مكافحة الفساد.
هيئات وشعارات
ويقول أمين عام حركة كفى رحيم الدراجي، إن “الفساد في العراق سياسي بامتياز، تدعمه أحزاب الفساد ومافيات الفساد، ويُغطى أحياناً بغطاء ديني، وهذه هي الحقيقة التي يجب الاعتراف بها قبل الحديث عن أي إصلاح حقيقي”.
ويضيف الدراجي، أن “العراق لا يعاني من نقص في المجالس أو اللجان أو الهيئات الرقابية، بل من غياب الإرادة السياسية القادرة على مواجهة شبكات المصالح المتجذرة داخل مؤسسات الدولة”، مبيناً أن “تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام قد لا يكون كافياً ما لم يقترن بآليات عمل حقيقية وصلاحيات فعالة وقرار سياسي واضح”.
ويشير الدراجي، وهو نائب سابق وعضو في لجنة النزاهة النيابية، إلى أن “اعتقال مسؤول أو فتح ملف فساد مهم لا يمكن أن يشكل برنامجاً متكاملاً لمكافحة الفساد، لأن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، فالفساد في العراق أصبح بنيوياً ومترسخاً داخل المنظومة الإدارية والسياسية”، مؤكداً أن “الشارع العراقي لم يعد ينتظر الشعارات بقدر ما ينتظر استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم”.
وبرغم من أن العراق دخل إليه منذ عام 2003 أكثر من تريليون دولار من الإيرادات النفطية وفق تقديرات رسمية وسياسية متعددة، إلا أن البلاد ما تزال تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنى التحتية، وهو ما جعل ملف الفساد يتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع العراقي.
وكان الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح قد كشف عام 2021 أن نحو 150 مليار دولار هُربت إلى خارج البلاد عبر صفقات فساد منذ عام 2003، معتبراً أن هذه الأموال كانت كفيلة بإحداث تحول كبير في واقع العراق الاقتصادي والخدمي.
ثغرات قانونية
من جهته، يقول عضو المجلس الأعلى لمكافحة الفساد السابق (في عهد عادل عبد المهدي) سعيد ياسين موسى إن الإجراءات الأخيرة التي أعلنتها الحكومة تمثل رسالة طمأنة مهمة للرأي العام، لكنها تحتاج إلى ترسيخ قانوني ومؤسساتي يضمن استمرارها وعدم تحولها إلى إجراءات مؤقتة مرتبطة بمرحلة أو حكومة معينة.
ويضيف، أن “أحد أبرز التحديات التي تواجه ملف مكافحة الفساد يتمثل في وجود ثغرات قانونية تسمح بإعادة إنتاج الجريمة، أو الإفلات من العقاب، فضلاً عن تعرض بعض شركات القطاع الخاص إلى ضغوط وابتزاز تدفعها أحياناً للبحث عن مظلات سياسية لحماية أعمالها، وهو ما يخلق بيئة غير صحية للاستثمار ويعزز نفوذ شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة”.
ويشدد على أن “نجاح أي استراتيجية لمكافحة الفساد يتطلب إعادة بناء منظومة التنسيق بين الجهات الرقابية والقضائية والتنفيذية، وتفعيل المجلس المشترك لمكافحة الفساد الذي شُكل لأول مرة عام 2007، فضلاً عن إعادة مكاتب المفتشين العموميين بصيغة جديدة تعتمد الكفاءة والخبرة والرقابة الاستباقية لمنع وقوع المخالفات قبل حدوثها”.
ويختم موسى قوله، إن “مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون مسؤولية هيئة النزاهة أو ديوان الرقابة المالية وحدهما، بل تحتاج إلى شراكة أوسع تشمل المؤسسات الحكومية والسلطة القضائية والإعلام والمواطنين، بما يضمن بناء منظومة رقابية متكاملة قادرة على تقليص مساحات الفساد وحماية المال العام”.
وينظر كثير من المختصين بحذر إلى أي مجلس جديد يُعلن عنه، إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن المشكلة لم تكن في نقص اللجان أو الهيئات، بل في غياب الإرادة السياسية المستقرة، وضعف البنية القانونية، واستمرار الحماية التي تتمتع بها بعض شبكات المصالح المتهمة بالاستفادة من الفساد داخل مؤسسات الدولة.
الإطار التشريعي
إلى ذلك، تقول الباحثة في الشؤون القانونية زينب الساعدي، إن “طبيعة (المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام) تثير جملة من التساؤلات القانونية والدستورية التي تستوجب التوضيح، باعتبار أن الدستور العراقي منح هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، وضعاً مستقلاً، وربط مهامهما الرقابية بأطر قانونية محددة، الأمر الذي يتطلب أن يبقى أي تنسيق حكومي مع هذه المؤسسات ضمن حدود التعاون وتبادل المعلومات والإحالات القانونية، من دون المساس باستقلاليتها أو طبيعة عملها الرقابي”.
وتوضح، أن “الحكومة تمتلك صلاحيات واسعة في متابعة أداء الوزارات والمؤسسات التابعة لها وتدقيق العقود وملاحقة حالات الهدر والفساد داخل الجهاز التنفيذي، لكن إنشاء كيان رقابي أعلى يضم مؤسسات مستقلة ويتولى أدواراً تتقاطع مع صلاحياتها قد يفتح باباً للنقاش القانوني حول الأساس التشريعي الذي يستند إليه هذا التشكيل”.
وتعتقد الساعدي، أن “أي مجلس يتولى مهاماً رقابية واسعة ويؤثر في عمل الهيئات المستقلة يحتاج إلى غطاء قانوني وتشريعي واضح يحدد صلاحياته وحدود عمله وآليات مساءلته، تجنباً لأي تداخل في الاختصاصات أو تعارض مع النصوص الدستورية النافذة”.
ومن المفارقات أن أغلب المجالس التي أُعلنت باعتبارها رأس الحربة في مواجهة الفساد لم تعمّر طويلاً، فبمجرد تبدل الحكومات أو تغير الأولويات السياسية، كانت تلك التشكيلات تدخل في حالة من الجمود أو تختفي من المشهد تماماً، من دون أن تترك وراءها مؤسسات دائمة أو تشريعات قادرة على ضمان استمرارية عملها.

