شفقنا العراق-تتجاوز مظاهر الاحتفاء بعيد الغدير حدود المجالس الدينية والطقوس التعبدية لتشمل أعمال البر والإحسان وصلة الأرحام ومساعدة المحتاجين، في صورة.
ويستذكر المؤمنون في هذه المناسبة حادثة غدير خم التي تمثل محطة بارزة في التاريخ الإسلامي، حيث ارتبطت بمفاهيم الولاء والقيادة والتمسك بالقيم التي دعا إليها الإسلام في بناء مجتمع متماسك قائم على العدالة والتكافل والتراحم.
ولا تقتصر أهمية عيد الغدير على أبعاده الدينية فحسب، بل تمتد إلى أبعاده الاجتماعية التي تتجلى في تعزيز روح المحبة والتآخي بين أفراد المجتمع، من طريق اللقاءات الاجتماعية والفعاليات الثقافية والدينية والأعمال الخيرية التي ترافق إحياء هذه المناسبة والتي تسهم في توثيق الروابط الإنسانية وترسيخ قيم التعاون والتكافل الاجتماعي، بما يعزز حالة الانسجام والتلاحم بين مختلف شرائح المجتمع.
وفي هذا الصدد، أكد رئيس مؤسسة جماعة علماء العراق، الشيخ خالد الملا، أن يوم الغدير يمثل محطة تاريخية مهمة في الوعي الإسلامي، داعياً إلى استثمار المناسبة لتعزيز التآخي والوحدة ونبذ الخلافات المذهبية.
وقال : إن “قراءة واقعة غدير خم تستوجب فهماً عميقاً للسياق الجغرافي والزماني الذي جرت فيه، إذ إن اختيار الموقع الاستراتيجي الذي كان يمثل مفترقاً للطرق، إلى جانب الظروف المناخية القاسية التي شهدتها المنطقة آنذاك، يؤكد أن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد إيصال رسالة مركزية ذات أهمية كبيرة قبل تفرق المسلمين إلى بلدانهم”.
وأضاف أن “جمع المسلمين في ذلك الهجير يدل على أن الأمر لم يكن حدثاً عابراً، بل بلاغاً مهماً أريد له أن يُنقل إلى مختلف الأقطار والأجيال”.
تجاوز القراءات الضيقة
وأشار الملا إلى “ضرورة تجاوز القراءات الضيقة للمناسبة”، مبيناً أن “يوم الغدير ينبغي أن يكون مناسبة جامعة للمسلمين لا ساحة للخلاف، فالقائل هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يجمع المسلمون على محبته وطاعته، والمُتحدَّث عنه هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الشخصية الإسلامية الكبرى التي تحظى بمكانة رفيعة وتقدير واسع لدى مختلف المذاهب الإسلامية”.
وأوضح أن “للعراقيين دوراً خاصاً في توظيف هذه المناسبة لتعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية، لارتباط الإمام علي (عليه السلام) بتاريخ العراق وحاضره، ولا سيما في الكوفة والنجف الأشرف”، لافتاً إلى أن “جعل المناسبة رمزاً للتآخي والتقارب يسهم في مواجهة خطابات الفتنة ومحاولات استغلال التاريخ للإضرار بالواقع المعاصر”.
وشدد الملا على “أهمية اعتماد المنهج الوسطي واحترام التعددية الفكرية والدينية”، مبيناً أن “الاختلاف في تفسير دلالات بعض النصوص لا ينبغي أن يكون سبباً للنزاع، ما دام الجميع يتفقون على أهمية يوم الغدير ومكانة الإمام علي وفضله وعلمه ودوره في التاريخ الإسلامي”.
ونوه الى أن “تعزيز المشتركات الإسلامية وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل يمثلان الطريق الأمثل لبناء مجتمع متماسك يحترم التنوع
من جانبه، أكد رئيس مركز الخبراء للدراسات الاستراتيجية، صباح زنكنة، أن مناسبة عيد الغدير تمثل واحدة من أبرز المناسبات الإسلامية التي ارتبطت بمسار الرسالة المحمدية ومستقبل الأمة، لما تحمله من دلالات عقائدية وروحية وإنسانية تعكس قيم العدالة والوحدة والتكافل التي جسدها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقال زنكنة : إن “عيد الغدير لا يقتصر على كونه ذكرى تاريخية، بل يمثل محطة مهمة لاستحضار المبادئ الإسلامية الأصيلة التي تدعو إلى التماسك والتعاون ونبذ الفرقة، لاسيما أن الإمام علي (عليه السلام) قدم نموذجاً متكاملاً في القيادة القائمة على التقوى والعلم والعدالة وخدمة الناس”.
مفهوم الدولة العادلة
وأضاف أن “الإمام علي جسد في سيرته مفهوم الدولة العادلة التي تقوم على المساواة بين المواطنين وصيانة الحقوق وحماية الضعفاء ومحاسبة المقصرين دون تمييز”، مبيناً أن “عهده إلى مالك الأشتر ما زال يمثل وثيقة متقدمة في الإدارة الرشيدة والحكم العادل واحترام كرامة الإنسان”.
وأشار إلى أن “إحياء عيد الغدير يرسخ مفاهيم السلم المجتمعي والأخوة الإسلامية والتعايش بين مختلف المكونات، ويجدد الدعوة إلى اعتماد قيم العدالة والنزاهة وخدمة المجتمع في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة”.
وأوضح زنكنة، أن “مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة تتجسد في أداء العبادات والدعاء وقراءة القرآن الكريم وإقامة المجالس الدينية، إلى جانب أعمال البر والإحسان وإطعام الطعام ومساعدة المحتاجين وصلة الأرحام”، لافتاً إلى أن “هذه الممارسات تظهر روح التكافل الاجتماعي التي دعا إليها الإسلام وجسدها الإمام علي في حياته”.
وبيّن أن “المؤمنين يستحضرون في عيد الغدير القيم السامية التي يمثلها الإمام علي من شجاعة وعلم وزهد وإنصاف ورحمة، باعتباره نموذجاً متكاملاً في العبادة والعلم والإدارة والحكم والأخلاق الإنسانية”.
وأكد أن “الاقتداء بالإمام علي يبدأ من التمسك بقيم الصدق والأمانة والإخلاص وتحمل المسؤولية واحترام حقوق الآخرين ومواجهة الفساد والظلم والعمل لخدمة المجتمع”، مشدداً على أن “تحويل هذه المبادئ إلى سلوك عملي يسهم في بناء الإنسان والدولة والمؤسسات على أسس راسخة من العدالة والكرامة والاستقرار”.
وختم زنكنة حديثه بالتأكيد على أن “عيد الغدير يبقى مناسبة متجددة لاستلهام جوهر الرسالة المحمدية وقيمها الكبرى، وتعزيز روح الوحدة والتعاون بين أبناء الأمة بما يخدم مسيرة البناء والتنمية والاستقرار”.

