شفقنا العراق-تعود جرائم “غسل العار” إلى واجهة النقاش العام في العراق بعد سلسلة حوادث هزّت الرأي العام، كان آخرها مقتل فتاة قاصر إثر رفضها الزواج القسري.
تشهد الجرائم الاجتماعية في العراق تصاعداً مقلقاً خلال السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع معدلات العنف الأسري والاعتداءات بحق النساء والفتيات، ولا سيما القاصرات، مع استمرار تأثير الأعراف العشائرية وضعف الحماية القانونية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تتزايد التحذيرات من اتساع ظاهرة ما يُعرف بـ“غسل العار”، التي باتت تُرتكب تحت ذرائع اجتماعية وقبلية، وسط دعوات حقوقية ونسوية متكررة لتشديد القوانين وإنهاء الإفلات من العقاب وتعزيز حماية الضحايا.
وقبل يومين، هزّت جريمة جديدة الرأي العام العراقي، بعدما أقدمت عشيرة على قتل فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً، إثر رفضها الزواج من ابن عمها، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف العنف ضد الفتيات القاصرات وحجم الضغوط الاجتماعية والعائلية التي تتعرض لها النساء في بعض المناطق.
وفي هذا السياق، تحدثت الناشطة وعضو تحالف ندى، بشرى أبو العيس، عن الأسباب التي تقف خلف تصاعد الجرائم الاجتماعية في العراق، مؤكدة أن الأزمة لا ترتبط بحوادث فردية فقط، بل تظهر واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وقانونياً معقداً ومتراكماً منذ سنوات.
أزمات اقتصادية واجتماعية تغذي الجريمة
وقالت الناشطة إن المجتمع العراقي يمر بأزمات كبيرة ومتراكمة، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، حيث تعاني شرائح واسعة من الفقر والبطالة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الأسري والاجتماعي.
وأضافت أن المناطق الفقيرة والمكتظة سكانياً تشهد نسباً أعلى من المشكلات الاجتماعية نتيجة اضطرار عائلات كبيرة للعيش داخل منازل صغيرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة ما يؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية والعنف داخل الأسرة.
وأشارت إلى أن الأزمات الاقتصادية لا تؤدي فقط إلى ارتفاع نسب الجريمة، بل تسهم أيضاً في تكريس ظواهر اجتماعية خطيرة مثل عمالة الأطفال، والتسرب من المدارس، وزواج القاصرات، مؤكدة أن هذه العوامل ترتبط ببعضها بشكل مباشر.
سلطة العشيرة والفكر الابوي
وبينت بشرى أن النزعة العشائرية والقبلية ما تزال تفرض حضوراً قوياً في العديد من المناطق، حيث تتقدم الأعراف الاجتماعية أحياناً على القانون، ما يفتح الباب أمام ارتكاب جرائم بحق النساء تحت مسميات مختلفة، أبرزها “غسل العار”.
وأكدت أن الفكر الذكوري وهيمنة السلطة الأبوية داخل الأسرة يسهمان في تعميق الأزمة، إذ تحرم الكثير من الفتيات من حق اتخاذ القرار في ما يتعلق بالدراسة أو العمل أو الزواج، فيما تواجه بعضهن بالعنف أو القتل في حال رفضن قرارات العائلة.
وأضافت أن بعض العائلات ما تزال تنظر إلى المرأة باعتبارها “شرف العائلة”، وليس كإنسانة تمتلك حقوقاً كاملة، الأمر الذي يجعل أي تصرف شخصي للفتاة عرضة للتأويل والعقاب العنيف.
الأمية وتسرب الفتيات من التعليم
وفي حديثها، لفتت عضو تحالف ندى إلى أن انتشار الأمية وضعف التعليم يشكلان عاملاً أساسياً في تصاعد الجريمة الاجتماعية، خاصة في القرى والمناطق الطرفية، حيث ترتفع نسب تسرب الفتيات من المدارس بسبب الفقر أو الزواج المبكر أو القيود الاجتماعية.
وأضافت أن غياب الوعي القانوني والثقافي داخل بعض المجتمعات يسهم في استمرار العنف ضد النساء، مشيرة إلى أن التعليم يعد من أهم أدوات الحماية، لأنه يمنح الفتاة قدرة أكبر على الدفاع عن حقوقها ومواجهة الضغوط الاجتماعية.
كما أوضحت أن تدني المستوى الصحي والخدمي، وضعف الثقافة السياسية والمجتمعية، كلها ترتبط بطبيعة السياسات العامة وأولويات الحكومات المتعاقبة في إدارة المجتمع.
ثغرات قانونية تمنح الجناة أعذاراً مخففة
وحول الجانب القانوني، أكدت الناشطة أن بعض النصوص القانونية ما تزال تتضمن تمييزاً واضحاً ضد النساء، وتمنح أعذاراً مخففة لمرتكبي جرائم العنف الأسري وجرائم “غسل العار”.
وأشارت إلى المادة 409 من قانون العقوبات العراقي، التي تمنح عذراً مخففاً للرجل إذا فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس بالزنا واعتدى عليها أو قتلها، معتبرة أن هذه النصوص تفتح الباب أمام تبرير الجرائم المرتكبة بحق النساء.
وأضافت أن بعض الجرائم التي تنفذ مع سبق الإصرار والترصد تخفف عقوباتها بحجة “الحالة الانفعالية” أو “فقدان السيطرة”، الأمر الذي يثير مخاوف كبيرة لدى الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وأكدت أن الحركات النسوية العراقية تطالب منذ سنوات بإلغاء أو تعديل هذه المواد القانونية، لضمان تحقيق العدالة وحماية النساء والفتيات من العنف.
جرائم الاغتصاب والزواج القسري من الضحية
كما تطرقت عضو تحالف ندى إلى جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي ضد النساء والأطفال، ووصفتها بأنها من أخطر الجرائم التي تهدد المجتمع، لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد على الضحايا.
وأوضحت أن قانون العقوبات العراقي يتضمن مواد قانونية تسمح بتخفيف العقوبة أو إيقاف تنفيذها إذا تزوج الجاني من الضحية.
وبينت أن بعض الأعراف العشائرية تستغل هذه الثغرات لإجبار الضحية على التنازل عن حقها والزواج من المعتدي بحجة “حل القضية” أو “الحفاظ على سمعة العائلة”.
وأضافت، “كيف يمكن لفتاة تعرضت للاغتصاب أن تعيش مع الشخص الذي اعتدى عليها؟ هذا الأمر لا يمثل حلاً، بل جريمة مستمرة بحق الضحية”.
وأكدت أن الضحية في هذه الحالات تعيش تحت ضغط نفسي دائم، وقد تتعرض للتنمر والإساءة من الجاني أو محيطه الاجتماعي، ما يجعلها أسيرة للخوف والصدمة لسنوات طويلة.
تزايد حالات الفتيات المفقودات
ومن المؤشرات الخطيرة التي تحدثت عنها الناشطة بشرى ابو العيس، تزايد أعداد الفتيات المفقودات أو اللواتي يُعثر على جثثهن في أماكن مهملة، كمكبات النفايات ومناطق الصرف الصحي، بحسب ما تشير إليه تقارير أمنية وحقوقية.
وأضافت أن هذه الجرائم تثير تساؤلات واسعة حول طبيعة العنف المتصاعد داخل المجتمع، وحجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء بعيداً عن الرقابة القانونية والاجتماعية.
وأكدت أن غياب الإحصاءات الدقيقة والشفافة يزيد من صعوبة معالجة المشكلة، مشددة على ضرورة وجود بيانات رسمية واضحة تتعلق بجرائم العنف ضد النساء والأطفال.
مطالبات بحماية قانونية وتشريعات أكثر عدالة
وشددت بشرى أبو العيس في ختام حديثها على ضرورة مراجعة القوانين المتعلقة بحماية النساء والفتيات، والعمل على تشريع نصوص قانونية أكثر عدالة وإنصافاً للضحايا، بعيداً عن أي تمييز أو أعذار مخففة للجناة.
كما دعت إلى تعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في نشر الوعي، ومواجهة ثقافة العنف والتمييز ضد المرأة، إلى جانب توفير مراكز حماية ودعم نفسي وقانوني للضحايا.
وأكدت أن معالجة الجرائم الاجتماعية لا يمكن أن تتم عبر الحلول الأمنية فقط، بل تحتاج إلى إصلاحات اجتماعية وقانونية وثقافية شاملة، تعيد للمرأة مكانتها وحقوقها داخل المجتمع.

