شفقنا العراق-القوى المدنية في العراق تتعامل مع مسار تشكيل الحكومة الجديدة من زاوية تحليلية مزدوجة، تجمع بين التشاؤم من استمرار البنية السياسية التقليدية، والتفاؤل المشروط بإمكانية تبني إصلاحات حقيقية، خاصة في ملفي السلاح والاقتصاد، وسط انقسام واضح في تقدير فرص التغيير داخل النظام السياسي القائم.
تتأرجح القوى المدنية في العراق بين تشاؤم عميق وتفاؤل مشروط إزاء تكليف علي الزيدي، حيث يرى تيار واسع أن “ماكينة” المحاصصة التقليدية هي التي أنتجت هذا الترشيح، مما ينذر بإعادة تدوير الأزمات السابقة.
وفيما تبدي أطراف مدنية مرونة بدعم الحكومة حال تبنيها برنامجاً إصلاحياً يضمن حصر السلاح وحماية الحريات، يظل الحذر سيد الموقف بانتظار خطوات عملية تكسر نهج التبعية.
لا تغيير في الآليات
ويقول الأكاديمي والناشط المدني فارس حرّام، إن “شريحة واسعة من التشرينيين لا تنظر إلى العناوين في العملية السياسية بقدر ما تركز على (الماكينة) التي تنتج هذه العناوين”، مبيناً أن “طريقة ترشيح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي تعيد إنتاج الآليات ذاتها التي أفرزت الحكومات السابقة”.
ويضيف، أن “الزيدي يفتقر إلى خبرة سياسية متراكمة وتدرج وظيفي، وهي سمات يرى مهمة لإدارة تعقيدات المشهد العراقي، إلا أن هذا العامل لا يعد الأساس في تقييم التشرينيين، بقدر ما يعد نتاج الترشيح ضمن المنظومة ذاتها، لذا فالنتائج قد تكون مماثلة لما شهدته الحكومات السابقة”.
ويوضح، أن “إمكانية تحول شخصية ناتجة عن (ماكينة غير إصلاحية) إلى شخصية إصلاحية تبقى نادرة جداً في التاريخ السياسي.، وطبيعة التداخل والتخادم بين القوى السياسية تجعل من الصعب حدوث تحول جذري في النهج”.
تشاؤم التشرينيين
ويشير حرّام إلى أن “كثيراً من الآراء داخل الشارع التشريني تعكس حالة من التشاؤم وعدم الرضا والقلق تجاه هذا الترشيح. والتوقعات لا تشير إلى حدوث تغييرٍ واضح”.
ويعتقد، أن “هناك حلقة مفقودة في عملية الترشيح، تتمثل في التسارع اللافت لتأييد مختلف الأطراف الداخلية والخارجية للزيدي، وفي توقيت قياسي، ما يوحي بوجود اتفاق مسبق بين القوى المتصارعة”، متسائلاً “عن أسباب هذا ” الإجماع غير المعتاد وسرعة تمرير الترشيح مقارنة بالتجارب السابقة”.
ويرى، أن “هذا الانسجام السياسي في مرحلة تشكيل الحكومة يختلف عن التعقيدات التي رافقت ترشيحات سابقة، ما يعزز فرضية وجود تفاهمات غير معلنة قد تتضح لاحقاً”.
موقف الشارع
ويمتنع الناشط المدني والأكاديمي حرّام عن طرح مطالب محددة للحكومة المقبلة، في ظل شكوكه بآلية الانتخابات وعملية الترشيح. وصعوبة المطالبة بتنفيذ إصلاحات من حكومة يثار الجدل حول شرعيتها.
ويؤكد، أن “الشارع يشهد حالة من الغضب الداخلي”، إلا أنه يستبعد اندلاع احتجاجات قريبة، في ظل الظروف الإقليمية والدولية المعقدة، فضلاً عن منح فرصة للحكومة الجديدة، لافتاً إلى أن ”تقييم الشارع لأداء الحكومة قد يتضح خلال عامٍ من تشكيلها”.
ويختتم حرّام قوله: إن ”المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاهات الشارع، وما إذا كان سيتجه نحو التصعيد أو التفاعل مع أي تغييرات محتملة”.
شروط القوى المدنية
من جهته، يقول الأمين العام لحزب البيت الوطني حسين الغرابي، إن “رئيس الوزراء المكلف يواجه تحدياً كبيراً لإثبات قدرته أمام الشارع العراقي والقوى السياسية المعارضة والأحزاب، ولا سيما قوى ما بعد 2019″، مؤكداً أن ”التحدي يتمثل في اختيار تشكيلة وزارية بعيدة عن نظام المحاصصة والمحسوبات التي سادت في الحكومات السابقة”.
ويضيف، أن ”القوى المدنية تضع نقاطاً أساسية ينبغي أن يتضمنها البرنامج الحكومي، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة واحتكار القوة بيدها، فضلاً عن ضمان الحريات العامة، بما في ذلك حرية التعبير والصحافة والتظاهر والاحتجاج”.
ثم يشير إلى ”قيود كبيرة فرضت على المدونين خلال المرحلة الماضية”.
مطالب عادلة
وينبه الغرابي إلى أن ”هناك مطالب بإنهاء الملفات القضائية المرتبطة بشباب من خارج مدنهم، إلى جانب ضرورة معالجة ملف العدالة الانتقالية، خاصة في ما يتعلق بأحداث تظاهرات تشرين، أسوة بالتجارب التي شهدتها دول أخرى”.
ويتابع، أن ”القوى المدنية تنظر أيضاً إلى ضرورة إحداث تغييرات أساسية في الجانب الاقتصادي، من خلال تنويع الاقتصاد العراقي، وتعزيز موقع العراق إقليمياً في ظل المتغيرات الحالية، مع التأكيد على أن يكون القرار العراقي مستقلاً بعيداً عن التأثيرات والتدخلات الخارجية”.
كما يشير إلى أن ”القوى المدنية قد تدعم الحكومة المقبلة في حال لمس وجود بوادر حقيقية لتغيير النهج السابق في اختيار وتشكيل الحكومة”.

