شفقنا العراق-تكشف أزمة أوبك الحالية حساسية موقع العراق داخل المنظمة التي كان أحد مؤسسيها، إذ تتقاطع الضغوط الأميركية مع اعتبارات اقتصادية وسيادية تجعل قرار البقاء أو الانسحاب ملفاً بالغ التعقيد يتجاوز البعد النفطي إلى السياسي والاستراتيجي
لم يجف حبر إعلان أبو ظبي انسحابها من “أوبك”، حتى كان اسم العراق يتصدر توصية أمريكية رسمية تطالب بإخراجه من المنظمة، لم يكن الأمر مفاجأة لمن يتابع مسار السياسة الأمريكية تجاه المنظمة النفطية الأكبر في العالم لكن ما فاجأ كثيرين هو الأداة المقترحة هذه المرة لا عقوبات ولا ضغط دبلوماسي، بل شيء أكثر إيلاماً وأشد مباشرةً تجميد وصول بغداد إلى دولاراتها النفطية المودعة في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
الفكرة ببساطة صادمة لأن العراق الذي يصدر نفطه ويودع عائداته في حسابات أمريكية قد يجد نفسه يوماً أمام باب موصد لخزينته الخاصة لا لأنه أخطأ، بل لأنه رفض الخروج من منظمة أسّسها هو قبل أكثر من 6 عقود.
هذه ليست سيناريوهات مستقبلية أو تكهنات تحليلية، بل توصية موثقة بالنص صادرة عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) وهي تدعو الإدارة الأمريكية إلى استخدام هذه الورقة تحديداً للضغط على بغداد، والأخطر أن الوثيقة لا تكتفي بورقة الحسابات بل تقترح حزمة ضغط متكاملة تشمل ما تسميه الإصلاحات الأمنية والمالية أي أن واشنطن إن أرادت، تملك أوراقاً متعددة تستطيع توظيفها في وقت واحد.
الوثيقة التي تقول كل شيء
تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أوصى بإن “تتحكم الولايات المتحدة في الإفراج الدوري عن عائدات النفط العراقي المودعة في حسابات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي”، مشددا على “ربط وصول بغداد إلى هذه الحسابات بشرط الخروج من أوبك”، مقرونةً بما يسميه “الإصلاحات الأمنية والمالية”.
وأوضح أن “واشنطن لا تملك ورقة ضغط واحدة على العراق، بل تملك حزمة متكاملة من المال والأمن والإصلاح وهي مستعدة لاستخدامها دفعةً واحدة”.
ولم يتوقف التقرير عند هذا الحد، بل طالب بأن “تضمن واشنطن عدم تعافي أوبك”، معتبراً المنظمة: “كارتلاً احتكارياً ألحق ضرراً بالغاً بالمستهلك الأمريكي”، قائلاً: “الخطوة الإماراتية نموذجاً يجب تعميمه”.
بغداد ترفض.. لكن السؤال يبقى
في مواجهة هذا الضغط، سارع مسؤولون عراقيون إلى حسم الجدل، مؤكدين أن العراق لا يعتزم الانسحاب من “أوبك” أو “أوبك+”، وأن بغداد ماضية في التزاماتها مع المنظمة، جاء هذا الموقف سريعاً وحازماً عقب إعلان أبو ظبي انسحابها بدءاً من الأول من مايو.
الخبير النفطي حمزة الجواهري لم يتردد في وصف ما جرى بوضوح، قائلاً إن “انسحاب الإمارات من أوبك قرار مؤسف جداً وإنه يتعارض صراحةً مع مصالح أبو ظبي نفسها”، مرجعاً ذلك إلى “الانحياز الإماراتي المطلق للموقف الأمريكي على حساب الحسابات الاقتصادية”.
لكن الجواهري يستدرك بقراءة ميدانية مهمة، إذ يرى أن “التأثير الفوري لهذا الانسحاب سيكون محدوداً خلال العام الجاري، لأن الخليج شبه مغلق في الوقت الراهن، وتمتلك دول كالسعودية وروسيا وإيران أدوات كافية للتعامل مع هذا التحول” غير أنه يحذر من أن “الآثار السلبية الحقيقية قد تظهر على المدى البعيد خلال سنتين أو ثلاث”.
معادلة لا تحتمل الوهم
في حين يختصر رئيس مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، الجدل حول الخروج من “أوبك” بمعادلة رقمية صادمة تنقل النقاش من السياسة إلى الاقتصاد مباشرة.
ويؤكد الموسوي، أن “الحرية الاسمية التي قد يكسبها العراق من الانسحاب ستصطدم بواقع اقتصادي صلب”، موضحاً أن “بيع 6 ملايين برميل بسعر 60 دولاراً يحقق إيراداً أقل من بيع 4 ملايين برميل بسعر 75 دولاراً، في إشارة إلى ما وصفه بـفخ الكمية خارج أوبك”.
ويحذر من أن “الانسحاب سيضع العراق في مواجهة حرب أسعار مفتوحة مع دول كبرى مثل السعودية وروسيا، دون امتلاك أدوات كافية للصمود”، فضلاً عن “تأثير ذلك على ثقة الشركات الدولية العاملة في قطاع الطاقة، مثل TotalEnergies وBP”.
وعلى مستوى المالية العامة، يشير الموسوي إلى أن “العراق يحتاج إلى سعر لا يقل عن 84 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن في الموازنة”، معتبراً أن أي “تراجع في الأسعار سيدفع البلاد نحو عجز مالي هيكلي وغير قابل للاحتواء”.
ويخلص إلى أن “البقاء داخل أوبك لا يمثل ضعفاً، بل يشكل استراتيجية تفاوضية تتيح للعراق تعزيز موقعه، خاصة مع اقتراب مراجعة الحصص في عام 2027”.
إرث التأسيس
وفي العاشر من سبتمبر عام 1960، وفي بغداد تحديداً، اجتمع ممثلو 5 دول هي العراق والسعودية وإيران والكويت وفنزويلا، وأعلنوا ميلاد منظمة “أوبك” ولم يكن الهدف الربح فحسب، بل كان في جوهره إعلان سيادة حق الدول المنتجة في التحكم بثرواتها النفطية في مواجهة شركات غربية كانت تملي الأسعار وتتحكم بالإنتاج كما تشاء.
العراق إذن ليس عضواً عادياً في “أوبك”، بل هو أحد أباءها المؤسسين، وبغداد هي المدينة التي شهدت ولادتها وهذا التاريخ يمنح الموقف العراقي اليوم ثقلاً رمزياً واقتصادياً مختلفاً تماماً عن أي دولة أخرى فإسقاط العضو المؤسس ليس مجرد إضعاف للمنظمة، بل هو رسالة لكل دولة تفكر في بناء تكتل مستقل يحمي مصالحها والمفارقة المؤلمة أن العراق الذي أسّس “أوبك” إعلاناً لسيادته على ثروته النفطية، يجد نفسه اليوم في مواجهة مخطط يريد استخدام دولاراته ذاتها سلاحاً لتدمير ما بناه.

