شفقنا العراق-الاكتظاظ السكني ليس نتاج العامل السكاني وحده، بل نتيجة تداخل معقّد بين تراجع القدرة الشرائية، وغياب المشاريع السكنية الميسّرة، وتدفّق السكان نحو المدن، ما حوّل المسكن من مساحة أمان إلى عامل ضغط يولّد الخلافات الأسرية ويؤثر في الصحة النفسية والإنتاجية المجتمعية.
لم يعد “البيت” في العراق ذلك الملاذ الذي يتسع للجميع بفسحته وحديقته المعهودة؛ فخلف الأبواب الموصدة في أحياء بغداد والبصرة والموصل، تدور رحى أزمة صامتة بطلها “ضيق المساحة”.
ومع إعلان نتائج التعداد السكاني لعام 2025 وصول عدد سكان العراق إلى 46 مليوناً و118 ألف نسمة، تحول السكن إلى “تحدي بقاء” أكثر منه “رفاهية استقرار”. إن ظاهرة المساكن الصغيرة والاكتظاظ، حيث تنام عائلات بأكملها في غرفة واحدة، بدأت تضرب جذور السلم المجتمعي العراقي، مخلفةً وراءها آثاراً نفسية واقتصادية وقانونية تستوجب الوقوف عندها.
مؤشر “الاكتظاظ”.. الغرفة التي تجمع أكثر من 3 أشخاص
تضع وزارة التخطيط العراقية تعريفاً صادماً لواقع الحال، فبحسب المتحدث باسمها عبد الزهرة الهنداوي، فإن وجود ثلاثة أشخاص أو أكثر ينامون في غرفة واحدة هو المؤشر الرسمي لـ “الاكتظاظ السكني”.
وظاهرة “الامتداد العائلي” أدت إلى انشطار الأسرة الواحدة إلى أربع أو خمس أسر تعيش تحت سقف واحد. الأب الذي يملك منزلاً بمساحة 200 متر، يجد نفسه مضطراً لتقسيم “المقسم” ليزوّج أبناءه، فتتحول الغرف إلى شقق قزمية تفتقر للخصوصية.
ثم أن هذا الوضع ليس خياراً، بل هو نتيجة لعدم قدرة الأجيال الجديدة على الاستقلال السكني بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار الأراضي والإيجارات.
الآثار الاجتماعية والنفسية.. “البيت الصغير” يولد الخلافات
يربط الباحث الأكاديمي الدكتور قاسم الكناني بشكل مباشر بين ضيق المساحة وارتفاع نسب الطلاق والمشكلات الأسرية في العراق، إذ يقول إنّ “العلاقات داخل الأسرة العراقية باتت تتأثر بشكل واضح بطبيعة المنزل ومساحته”، وذلك لأن “صِغر المساحة ينعكس سلبًا على ترابط أفراد الأسرة، وعلى عملية تربية الأبناء”.
ويحدد القانون العراقي الحد الأدنى لمساحة السكن بـ200 متر مربع لضمان وجود حديقة وفسحة لعب للأطفال، وفق الكناني الذي قال إن “أي مساحة أقل تعدّ مشاعًا مخالفًا للقانون”.
ويضيف الكناني إن “تقلّص المساحات السكنية أصبح ظاهرة متزايدة في العراق نتيجة النمو السكاني وارتفاع الأسعار، وهو ما انعكس – بحسب الدراسات الميدانية – على ارتفاع الخلافات الأسرية التي بدأت تظهر بشكل ملحوظ في المحاكم”.
وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه، فإن صِغَر البيوت يعدّ اليوم أحد الأسباب المباشرة للمشكلات الزوجية وتوتر العلاقات داخل الأسرة، كما يؤكد الكناني الذي يعتبر أن “السكن الأصغر يزيد من الضغوط النفسية داخل البيت”.
تعزيز الصحة النفسية
والقضية ـ بالنسبة للكناني ـ “لا تتعلق بالمنزل فقط، بل بضرورة وجود مساحات خضراء وحدائق عامة داخل كل مربع سكني، كما هو معمول به في دول العالم، لتعزيز الصحة النفسية وتخفيف الضغوط عن المواطنين”.
ويتابع الكناني أن “العائلات الكبيرة داخل البيوت الصغيرة تواجه تحديات كبيرة جدًا، إذ تؤدي ضيق المساحة إلى فقدان الخصوصية وتزايد التوتر، ما ينعكس على العلاقات الأسرية ويسهم في ارتفاع نسب الانفصال والطلاق، خاصة في حالات السكن المشترك مع العائلة الكبيرة”، لافتا الى أن “السكن ليس مجرد مكان للعيش، بل هو ركيزة للاستقرار والراحة والسكينة”.
مؤكدًا أن “المواطن العراقي بحاجة إلى منزل يشعر فيه بالهدوء بعد يوم طويل من الضغوط”.
والكثير من البيوت الحالية تفتقد لـ”مقومات الراحة الأساسية بسبب صغر مساحتها، مما يؤثر أيضًا على الإنتاجية في العمل وعلى الاندماج في المحيط الاجتماعي”، إذ أنه “كلما صَغر البيت وكَبرت العائلة، زادت المشكلات الاجتماعية والضغوط النفسية”.
وحسب التقرير الذي أعلنته وزارة التخطيط في العام الماضي، فإن النتائج الأساسية للتعداد العام للسكان، أظهرت أن عدد سكان العراق يبلغ 46 مليونًا و118 ألف نسمة.

