شفقنا العراق ــ أثارت الإجراءات الحكومية حول زيادة الرسوم الجمركية في المعابر والموانئ العراقية، ردود فعل متباينة في العراق، فبينما انتقدها عدد من أعضاء مجلس النواب العراقي الجديد، دافع عنها مختصون في المال والاقتصاد، وقلّلوا من تأثيراتها السلبية على المواطن العراقي، معتبرين أنها ضرورية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات أخرى بعيدة الأمد.
وفي أحدث التطورات حول هذا الملف، رأت غرفة تجارة ديالى اليوم الأحد، أن زيادة الرسوم الجمركية في المعابر والموانئ العراقية ستؤدي إلى ثلاثة ارتدادات سلبية خلال فترة وجيزة.
مخاوف من الارتدادات
وقال رئيس غرفة تجارة ديالى، محمد التميمي، في حديث صحفي إن “زيادة الرسوم الجمركية سيكون لها ثلاثة تأثيرات سلبية، أبرزها ارتفاع الأسعار في الأسواق، ما سينعكس بشكل مباشر على ذوي الدخل المحدود والفقراء بسبب تحميلهم أعباء مالية إضافية”.
وأضاف التميمي أن “الارتفاع في الأسعار سيشل حركة الأسواق، خاصة في ظل وجود أزمة مالية وضبابية المشهد الاقتصادي، إضافة إلى تأثيره على التجار ووكلائهم، حيث سيحد من قدرتهم على المناورة وخلق المرونة في عمليات الاستيراد”.
وأشار إلى أن “بغداد شهدت تظاهرات احتجاجية ضد زيادة الرسوم، والتي قد تمتد إلى باقي المحافظات، لذلك يجب اعتماد رؤية عادلة ومنصفة عند تطبيق الرسوم الجمركية، بحيث لا تثقل كاهل المواطنين وتتيح مرونة للتجار”.
إجراءات تقشفية متسارعة
وبينما يترقب العراقيون تشكيل حكومة جديدة لإدارة بلادهم بعد انتخابات 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تقفز سلسلة إجراءات تقشفية مفاجئة ومتسارعة فرضتها حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد السوداني إلى السطح، ما أثار ردات فعل متباينة وقراءات متناقضة بشأن الوضع الاقتصادي العام في بلد يمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويُعد ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
وتحوّل الاهتمام العام خلال الأيام القليلة الماضية من ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والتطورات السياسية إلى ملفات الاقتصاد والضرائب والسياسات المالية، إذ ضجّت المساحات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكاوى مواطنين عراقيين من زيادات مفاجئة ومتفاوتة في أسعار خدمات الماء والكهرباء والرسوم والضرائب.
وجاء ذلك في وقت تظاهر فيه مقاولون للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة، فيما هدّدت نقابتهم بمقاضاة الحكومة، في حين تحدّث موظفون حكوميون عن تأخر صرف رواتبهم الشهرية أياماً عن مواعيدها المحددة.
كما انتقد تجار زيادة التعرفة الجمركية التي أُقرت مطلع الشهر الجاري على مختلف السلع والخدمات، بما فيها الأدوية التي قفزت تعرفة استيرادها إلى عشرة أضعاف، وفقاً لنقابة الصيادلة العراقيين.
تأثيرات الرسوم الجمركية
من جهته، رأى قائممقام قضاء الرطبة بمحافظة الأنبار عماد الريشاوي، في تصريح صحافي، أن زيادة التعرفة الجمركية كادت أن توقف بالكامل حركة التبادل التجاري مع الأردن عبر منفذ طريبيل الحدودي، إذ تراجع عدد الشاحنات المحمّلة بالسلع القادمة من الأردن إلى العراق إلى عشر شاحنات يومياً، مقارنة بأكثر من 200 شاحنة سابقاً.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق حالياً، نتيجة تقلبات أسعار النفط، الذي تشكّل إيراداته نحو 92% من إجمالي موارد الموازنة العامة للبلاد، إلى جانب اتساع الالتزامات المالية العامة للحكومة، إذ تشكّل رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية الجزء الأكبر من هذه الالتزامات بنحو تسعة تريليونات دينار عراقي شهرياً (6.8 مليارات دولار).
سياسات اقتصادية لتطويق الأزمة المالية
مضى رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني في فرض سياسات اقتصادية حازمة لتطويق الأزمة المالية في البلاد، فعقد أربعة اجتماعات للمجلس الوزاري للاقتصاد في أقل من شهر واحد، بدءاً من 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي وحتى الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري، ناقشت مختلف الجوانب التي يمكن أن تحد من الإنفاق الحكومي وتعظّم الإيرادات المالية.
كما ترأس السوداني، في 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي، اجتماعاً خاصاً لمتابعة تنفيذ حوكمة النظام الضريبي الشامل في العراق، ووجّه بإجراء تقييم وإعادة هيكلة لجميع منظومات الإدارة الضريبية التي تعوّل الحكومة عليها لتعظيم إيرادات الدولة.
وطبّقت الحكومة العراقية، بدءاً من الأول من يناير/كانون الثاني الجاري، التعرفة الجمركية الجديدة بزيادة تتراوح بين 5% و30% على السلع والمنتجات المستوردة، وفقاً لما صرّح به مسؤولون في الجمارك العراقية لوكالة الأنباء العراقية. كما فرضت، في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، ضريبة بنسبة 20% على تعبئة رصيد الهاتف النقال وخدمات الإنترنت، وفقاً لقرار مجلس الوزراء رقم 1083 لسنة 2025.
انتقادات نيابية
بيد أن إجراءات الحكومة وقراراتها الاقتصادية الأخيرة لم ترق للعديد من أعضاء مجلس النواب العراقي الجديد، الذي يُفترض أن يصوّت على حكومة جديدة خلال أسابيع قليلة، وقد يكون السوداني نفسه مرشحاً لرئاستها.
وقالت النائبة عن ائتلاف دولة القانون منى الغرابي، في بيان، إن الإجراءات الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال تفتقر إلى أي سند قانوني ودستوري، وإن فرض الضرائب والرسوم وتعديلها من الصلاحيات الحصرية لمجلس النواب، وفقاً للمادة (28/ أولاً) من الدستور العراقي، التي نصّت صراحة على ألا تُفرض الضرائب والرسوم ولا تُعدّل ولا تُجبى ولا يُعفى منها إلا بقانون.
وأضافت الغرابي: “نحن، بصفتنا أعضاء في مجلس النواب، سنقف بوجه هذا التخبط الحكومي، لما له من آثار سلبية مباشرة على المواطن العراقي، الذي يعيش هذه الأيام حالة من القلق والحيرة في ظل إجراءات حكومية غير مدروسة تحمّله أعباء مالية إضافية”.
مختصون يدافعون عن الإجراءات الحكومية
وخلافاً لذلك، أثنى مختصون في المال والاقتصاد على الإجراءات الحكومية الأخيرة، وقلّلوا من تأثيراتها السلبية على المواطن العراقي، معتبرين أنها ضرورية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات أخرى بعيدة الأمد لدعم الاقتصاد وتنويع موارده.
وفي هذا الإطار، قال الخبير المالي والاقتصادي العراقي محمود داغر لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن القرارات الاقتصادية للحكومة الحالية لم تكن مفاجئة أو متسرعة، بل جاءت نتيجة مناقشات طويلة لمعالجة الأزمات الاقتصادية، وتهدف إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية.
ورأى داغر أن الحكومة العراقية المقبلة لا بد أن تلتزم بإجراءات الحكومة الحالية، لأنه لا خروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة في العراق من دونها، معتبراً أن بقاء الاقتصاد العراقي أسير النفط خطأ كبير، ولا بد من الابتعاد عن الاقتصاد الريعي.
وأضاف أن هذه القرارات ستكون ناجحة على المدى القصير، إلا أنها تتطلب إجراءات إضافية على المديين المتوسط والبعيد لتنويع الاقتصاد العراقي وتغيير بنيته، عبر إيجاد منافذ جديدة لتوليد القيمة المضافة بعيداً عن النفط.
رؤى صندوق النقد الدولي
وتأتي هذه الإجراءات الحكومية متناغمة مع الرؤى التي طرحها صندوق النقد الدولي في بيان صدر منتصف مايو/أيار من العام الماضي، في ختام بعثة رسمية لخبرائه إلى العراق.
وشخّص خبراء الصندوق مكامن خلل كبيرة في الاقتصاد العراقي، من بينها تراجع نمو القطاع غير النفطي إلى 2.5% في عام 2024، مقابل 13.8% في العام الذي سبقه، وارتفاع العجز المالي العام إلى 4.2% من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بـ1.1% في العام السابق.
وأشار البيان إلى ازدياد مواطن الضعف نتيجة التوسع الكبير في المالية العامة، بفعل سياسات التوظيف المعمول بها حالياً وتكاليف الأجور المترتبة عنها، ما فاقم الاعتماد على عائدات النفط، ورفع سعر برميل النفط المطلوب لتصفير العجز في الموازنة إلى نحو 84 دولاراً في عام 2024، مقارنة بـ54 دولاراً في عام 2020.
ونصح خبراء الصندوق السلطات العراقية بمراجعة خطط الإنفاق، والحد من النفقات غير الأساسية أو تأجيلها، ومراجعة الرسوم الجمركية، وفرض ضرائب انتقائية على الاستهلاك أو زيادتها، وتجنب التمويل النقدي للعجز، لما له من آثار تضخمية واستنزاف لاحتياطيات العملات الأجنبية وإضعاف للميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي.
كما حثّوا على إصلاح ضريبة الدخل الشخصي تدريجياً عبر الحد من الإعفاءات، وتعزيز الإدارة الضريبية، إلى جانب كبح النفقات من خلال إصلاح فاتورة الأجور، والحد من التوظيف الإلزامي، واعتماد قاعدة التناقص الطبيعي في أعداد موظفي القطاع العام.
ملف الفساد في العراق
ولم يُغفل تقرير الخبراء ملف الفساد المالي والإداري في العراق، إذ دعا إلى رفع كفاءة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ومواءمتها مع المواثيق الدولية والممارسات الفضلى، وتعزيز استقلال القضاء لضمان الإنفاذ الفعّال للقوانين وحماية الحقوق الاقتصادية.
يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على عائدات النفط التي تمثل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، في ظل ضعف مزمن في القطاعات الإنتاجية غير النفطية واتساع حجم القطاع العام. وعلى الرغم من الفوائض التي يحققها العراق خلال فترات ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه الموارد لم تُترجم إلى إصلاحات هيكلية مستدامة، ما جعل المالية العامة عرضة للصدمات السعرية وتقلبات الأسواق العالمية.
ومع تصاعد الالتزامات الحكومية، لا سيما رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية، تواجه السلطات ضغوطًا متزايدة لإعادة ضبط السياسة المالية، وسط انقسام سياسي وشعبي حول كلفة الإجراءات التقشفية وتوقيتها، لا سيما في مرحلة انتقالية تسبق تشكيل حكومة جديدة.

