السبت, فبراير 7, 2026

آخر الأخبار

مهرجان الجزائر الفني.. إضافة إبداعية إلى المشهد الثقافي في ميسان

شفقنا العراق- بمشاركة نخبة من الفنانين والأدباء والشعراء، انطلقت...

في البصرة.. وضع مستشفى السبطين في الخدمة

شفقنا العراق- أعلنت وزارة الصحة العراقية، اليوم الجمعة، وضع...

الخارجية العراقية: المفاوضات بين إيران وأمريكا خطوة إيجابية

شفقنا العراق- اعتبرت جمهورية العراق أن المفاوضات الجارية بين...

نجوم العراق.. فوزان للجوية ونوروز على نفط ميسان والموصل

شفقنا العراق- ضمن منافسات الجولة 17 من دوري نجوم...

الأعرجي يدعو الدول لسحب رعاياها من مخيم الهول

شفقنا العراق- جدد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، موقف...

العراق يدين التفجير الإرهابي الذي استهدف المصلين في باكستان

شفقنا العراق- أدانت رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، اليوم الجمعة،...

الجولة 17 تشهد تعادلين في انطلاقة اليوم الأخير من دوري نجوم العراق

شفقنا العراق-الجولة 17 من دوري نجوم العراق افتتحت مباريات...

إيرادات الجمارك تسجّل مؤشرات إيجابية رغم تراجع عدد المعاملات

شفقنا العراق-إيرادات الجمارك أظهرت أداءً وصف بالإيجابي قياسًا بحجم...

الحشد يعثر على أنفاق لداعش و يدمر مخابئ في صلاح الدين

شفقنا العراق ــ فيما دمرت مخابئ شرقي محافظة صلاح...

الفراغ الدستوري يكشف انسداد التوافق داخل البيت السياسي العراقي

شفقنا العراق-الفراغ الدستوري يفضح حجم التعقيد الذي تعيشه العملية...

الاستمطار الصناعي.. وزارة البيئة تعلن جاهزيتها وتحدد رؤى الاستفادة

شفقنا العراق-الاستمطار الصناعي أصبح جاهزاً من الناحية الفنية، بحسب...

تعطيل البرلمان.. هل يتكرر سيناريو الشلل التشريعي؟

شفقنا العراق-تعطيل البرلمان يطرح تساؤلات جدية حول جدوى التغيير...

تشغيل محطة حمدان.. خطوة أولى ضمن مشروع استراتيجي لمعالجة مياه البصرة

شفقنا العراق-تشغيل محطة حمدان يأتي ضمن مسار أوسع تعمل...

مستشار حكومي: تأخير صرف الرواتب ليس أزمة مالية

شفقنا العراق ــ أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر...

انفجار في إسلام آباد يسفر عن عشرات الشهداء الشيعة

شفقنا العراق ــ أدى انفجار في العاصمة الباكستانية إسلام...

العتبة العباسية تكرم “125” مرتدية للعباءة في بابل

شفقنا العراق ــ أكدت العتبة العباسية المقدسة أنّ السيدة...

مصدر إيراني: المحادثات الإيرانية الأمريكية قد تتحول إلى مباشرة في مسقط

شفقنا العراق ــ أكدت مصادر مطلعة على سير المحادثات...

الشيخ الصفار: قسوة القلب من أسوأ الأمراض الرّوحية المعنوية

شفقنا العراق-قال الشيخ حسن الصفار أن قسوة القلب من...

ترشيح المالكي.. بين حسابات الداخل وضغوط الخارج ومأزق التوافق

شفقنا العراق-ترشيح المالكي يعكس مأزقاً مركباً يواجه الإطار التنسيقي،...

«مجلة الاستعمار».. عدد جديد من إصدارات العتبة العباسية

شفقنا العراق ــ أصدر قسمُ الشؤون الفكرية والثقافية في...

النزاهة تضبط حالات تلاعب في أضابير دائرة الحماية الاجتماعية في الأنبار

شفقنا العراق ــ أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، اليوم الجمعة،...

حقل كركوك النفطي.. مساعٍ حثيثة من «بي بي» لرفع الإنتاج

شفقنا العراق ــ يعد حقل كركوك النفطي، من أقدم...

تأخر صرف الرواتب يفتح باب الركود ويُنذر بأزمة سيولة أوسع

شفقنا العراق-تأخر صرف الرواتب لم يعد مجرد خلل عابر...

إجراءات حكومية لضبط أسعار المواد الغذائية في رمضان

شفقنا العراق-أعلنت الحكومة العراقية عن خطوات متخذة لضمان استقرار...

بسبب التحكم الأحادي بمجرى الفرات.. العراق بين جفاف مستمر وأزمات معيشية

شفقنا العراق-التحكم الأحادي بمجرى الفرات يعد انتهاكًا واضحًا للحقوق...

من وحي الوصي.. التذكير بالآخرة في حديث وسيرة أمير المؤمنين

شفقنا العراق- من يقرأ سيرة أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، ويستعرض كلماته وتوجيهاته في خطبه ورسائله وسائر أحاديثه، يجدُ حضورًا مكثّفًا للآخرة في فكره وسيرته.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اَلْآخِرَةِ قَلَّتْ مَعْصِيَتُهُ»[1] .

يؤمن أتباع الديانات السماوية بوجود عالم آخر، وحياة أخرى بعد الحياة الدنيا، حيث يبعث الله تعالى الناس بعد موتهم يوم القيامة ويقفون بين يديه للحساب عمّا فعله كلّ واحد منهم في الحياة الدنيا، حتى يكافئ الله تعالى المحسنين بالأجر والثواب ويدخلهم الجنة والنعيم المقيم، ويؤاخذ المسيئين بالعذاب والعقاب ويكون مصيرهم إلى النار وبئس القرار.

وظيفة الإيمان بالآخرة

ويأتي الإيمان بالآخرة نتيجة للإيمان بإله خالق حكيم عادل تقتضي حكمته وعدله، أن يكون للخلق غاية وهدف، وأن يختلف مصير المحسنين عن مصير المسيئين، وهذا لا يتحقق في الحياة الدنيا، بل قد يكون الظلمة والعصاة أوفر حظًا ونصيبًا منها، فلو لم تكن هناك دار آخرة تتجلى من خلالها حكمة الله وعدله، لكان الوجود عبثًا.

يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: 115].

ويقول تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [سورة ص، الآية: 28].

ووظيفة الإيمان بالآخرة تذكير الإنسان بالمسؤولية عن تصرفاته وأعماله في هذه الحياة، وأنّ كلّ أقواله وأفعاله موثّقة مسجّلة عليه، وسيسأل عنها يوم القيامة ويجازى عليها ثوابًا وعقابًا.

يقول تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف، الآية: 49].

الاهتمام بالمستقبل الأخروي

إنّ الإيمان بالآخرة يلفت الإنسان إلى أنّ ما يجده في الدنيا من متع وملذّات، وما يواجهه من آلام وصعوبات، هي مجرّد عينة ونموذج صغير لما ينتظره في الآخرة من نعيم عظيم دائم، أو عذاب شديد مقيم.

وإذا كان يهمّه كسب هذه الملذّات الضئيلة في الدنيا وتجنب آلامها المحدودة، فإنّ عليه أن يفكر في تأمين مستقبله الأخروي الذي لا يقاس بنعيمه وعذابه شيء من نعيم الدنيا وآلامها.

لكنّ مشكلة الإنسان هي الاستجابة لضغوط الرغبة الحاضرة والانشغال عن مصالحه الكبرى المستقبلية.

يقول تعالى: ﴿إنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: 27].

ويقول تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‎﴿١٦﴾‏ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة الأعلى، الآيتان: 16-17].

إنّ سيطرة هموم الدنيا على الإنسان وانشغاله بها عن التفكير في آخرته، هو الذي يجعله أسير الشهوات والرغبات، ويوقعه في المعاصي والموبقات. وهو ما يسبب له الشقاء في الدنيا والآخرة.

التذكير بالآخرة

لذلك تهتم النصوص الدينية بتذكير الإنسان بالآخرة، لضبط حركته وتصرفاته في الدنيا. فجاءت مئات الآيات في القرآن الكريم تتحدّث عن المعاد والآخرة.

(وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليه في القرآن فبلغ زهاء ألف وأربعمائة آية، وكان السيّد العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) يقول بأنّه ورد البحث عن المعاد في القرآن في آيات تربو على الألفين، ولعلّه ضمّ الإشارة إليه إلى التصريح به، وعلى كلّ تقدير فهذه الآيات الهائلة تعرب عن شدّة اهتمام القرآن به)[2] .

إنه لا يكفي مجرّد الإيمان بالآخرة عقديًا ونظريًا، بل لا بُدّ من استحضار هذا الإيمان وتفعيل أثره في نفس الإنسان، لينعكس ذلك على سيرته وسلوكه.

إنّ من أسباب تجاهل البعض للآخرة وتشكيكهم في يوم البعث والنشور، رغبتهم في الانفلات من التزامات هذا الإيمان في حياتهم وسلوكهم.

يقول تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ‎﴿٥﴾‏ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة القيامة، الآيتان: 5-6].

وحين يندّد القرآن الكريم بسلوك المطففين: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‎﴿٢﴾‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سورة المطففين، الآيتان: 2-3] يعقّب على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ‎﴿٤﴾‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‎﴿٥﴾‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين، الآيات: 4-6] في إشارة إلى أنّ الإيمان بالبعث والحساب يفترض أن يكون رادعًا عن الظلم والجور على حقوق الآخرين.

الآخرة في حديث علي

ومن يقرأ سيرة أمير المؤمنين عليٍّ ، ويستعرض كلماته وتوجيهاته في خطبه ورسائله وسائر أحاديثه، يجدُ حضورًا مكثّفًا للآخرة في فكره وسيرته.

إنه يؤكد على استحضار الآخرة؛ لأنّ ذلك يحفّز الإنسان لتحقيق الصلاح في حياته.

ورد عنه : «طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ، وعَمِلَ لِلْحِسَابِ»[3] .

ويكتب رسالة لأحد ولاته يوبّخه على سوء تصرفه في بيت مال المسلمين، فيخاطبه: «فَسُبْحَانَ اللَّه أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ، أَومَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ»[4] .

وفي عهده لمالك الأشتر يؤكد الارتباط بين ذكر الآخرة، وانضباط سلوك الإنسان في الدنيا.

فإنّ قدرة الإنسان على التحكم في مشاعره النفسية وأقواله وتصرفاته العملية واستخدامه لسلطته ونفوذه، كلّ ذلك رهين بمدى اهتمامه بالآخرة، واستذكاره للوقوف بين يدي الله تعالى للحساب يوم القيامة.

يقول : «امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ[5]  وسَوْرَةَ[6]  حَدِّكَ[7] ، وسَطْوَةَ يَدِكَ وغَرْبَ[8]  لِسَانِكَ، واحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ[9]  وتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ، ولَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ، حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ»[10] .

الأولوية للآخرة

إنه يدعو إلى إعطاء الأولوية في الاهتمام للآخرة، وبذلك يربح الإنسان الدنيا، كما يربح الآخرة.

يقول : «مَنِ اِبْتَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ رَبِحَهُمَا، ومَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ خَسِرَهُمَا»[11] .

ويقول : «مَنْ لَمْ يُؤْثِرِ اَلْآخِرَةَ عَلَى اَلدُّنْيَا فَلاَ عَقْلَ لَهُ»[12] .

وعنه : «مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اَلْآخِرَةِ، قَلَّتْ مَعْصِيَتُهُ»[13] .

والذكر هنا يعني استحضار الآخرة في الفكر والنفس، وتمثل مشاهدها في الذهن، وما يترتب على المعصية من عذاب وعقاب.

وإذا كان الإنسان يسعى لتحصيل مكاسب الحياة ونيل ملذّاتها، ويحرص على تجنيب نفسه الآلام والمكاره فيها، فإنّ الإمام عليًّا ، ينبّه الإنسان إلى أهمية مكاسب الآخرة وخطورة آلامها ومكارهها، فهي أولى بالاهتمام والحذر.

يقول : «مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَه النَّارُ، ومَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَه الْجَنَّةُ، وكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ، وكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ»[14] .

الحذر من غضب الله وعذابه

ويركّز الإمام كثيرًا على التذكير بعذاب الله في نار جهنم، ليستثير رادع الانحراف والمعصية في نفس الإنسان.

يقول : «واعْلَمُوا أَنَّه لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ – فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا.

أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُه، والْعَثْرَةِ تُدْمِيه والرَّمْضَاءِ تُحْرِقُه، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ وقَرِينَ شَيْطَانٍ، أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكًا إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ، حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضًا لِغَضَبِه، وإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعًا مِنْ زَجْرَتِه»[15] .

وفي نفس السياق ما جاء في دعاء كميل المروي عنه : «وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفِي عَنْ قَلِيلٍ مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها، وَما يَجْرِي فِيها مِنَ المَكارِهِ عَلَى أَهْلِها، عَلَى أَنَّ ذلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَلِيلٌ مَكْثُهُ، يَسِيرٌ بَقاؤهُ قَصِيٌر مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ احْتِمالِي لِبَلاءِ الآخِرَةِ وَجَلِيلِ وُقُوعِ المَكارِهِ فِيها، وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِهِ، لأَنَّهُ لا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَضَبِكَ وَانْتِقامِكَ وَسَخَطِكَ؟! وَهذا ما لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ وَالأَرْضُ، يا سَيِّدِي فَكَيْفَ بِي وَأَنَاْ عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ الحَقِيرُ المِسْكِينُ المُسْتَكِينُ؟!».

عالم الآخرة

وهو في سيرته قد وضع الآخرة نصب عينيه، كما وصف المتقين بذلك وهو إمامهم، يقول : «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَه فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ»[16] .

وقد تحدّث عن بعض مشاهد استحضاره للآخرة في سيرته، منها ما قاله : «واللَّه لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ[17]  مُسَهَّدًا[18] ، أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفَّدًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّه ورَسُولَه يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِمًا، لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وغَاصِبًا لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا[19] ، ويَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟!»[20] .

وفي مشهد آخر يقول : «واللَّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعًا، ورَأَيْتُ صِبْيَانَه شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ[21] ، وعَاوَدَنِي مُؤَكِّدًا وكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّدًا، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْه سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُه دِينِي، وأَتَّبِعُ قِيَادَه، مُفَارِقًا طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَه حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِه لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ[22]  مِنْ أَلَمِهَا، وكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا[23] ، فَقُلْتُ لَه: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِه، وتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِه، أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى ولَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى؟!»[24] .

هكذا عاش الإمام علي عالم الآخرة في الدنيا، وكان يتطلع للآخرة في كلّ لحظة من لحظات حياته، وحينما اقترب موعد لقائه بربه، رأى ذلك فوزًا عظيمًا، فقال عند إصابته بسيف ابن ملجم: «فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ»[25] .

وجاء في وصيته الأخيرة: «واللَّه مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُه، ولَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُه، ومَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ[26]  وَرَدَ وطَالِبٍ وَجَدَ، ﴿وما عِنْدَ الله خَيْرٌ لِلأَبْرارِ﴾»[27] .

وحينما دخل عليه أصبغ بن نباته في اليوم التالي لإصابته، يقول: (دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، قَدْ نُزِفَ‌ وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، مَا أَدْرِي وَجْهُهُ أَصْفَرُ أَوْ الْعِمَامَةُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ فَقَبَّلْتُهُ وَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: «لَا تَبْكِ يَا أَصْبَغُ فَإِنَّهَا وَاللَّهِ الْجَنَّةُ» فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي أَعْلَمُ وَاللَّهِ أَنَّكَ تَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا أَبْكِي لِفِقْدَانِي إِيَّاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ)[28] .

الشيخ حسن الصفار/موقع الصفار

————————

المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

[1]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص636.

[2]  الشيخ جعفر السبحاني: الإلهيات، ج2، ص663. (الدار الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م)

[3]  نهج البلاغة، حكمة رقم: 44.

[4]  نهج البلاغة، من كتاب له إلى بعض عماله، رقم: 41.

[5]  يقال: «فلان حمّي الأنف» إذا كان أبيًا يأنف الضيم.

[6]  السَوْرة: – بفتح السين وسكون الواو – الحدّة.

[7]  الحَدّة: – بالفتح – البأس.

[8]  الغرب: – بفتح فسكون – الحدّ تشبيهًا له بحدّ السيف ونحوه.

[9]  البادرة: ما يبدو من اللسان عند الغضب من سباب ونحوه.

[10]  نهج البلاغة، من كتاب له كتبه للأشتر النخعي، لما ولاه على مصر، رقم: 53.

[11]  غرر الكم ودرر الكلم، ص604.

[12]  غرر الكم ودرر الكلم، ص651.

([13]9 غرر الحكم ودرر الكلم، ص636.

[14]  نهج البلاغة، حكمة رقم: 387.

[15]  نهج البلاغة، من خطبة له في قدرة الله، وفي فضل القرآن، وفي الوصية بالتقوى، رقم: 183.

([16]9 نهج البلاغة، من خطبة له يصف فيها المتقين، رقم: 193.

[17]  نبت ترعاه الإبل له شوك.

[18]  من سهّده – إذا أسهره.

[19]  قُفولها: رجوعها.

[20]  نهج البلاغة، من كلام له يتبرأ من الظلم، رقم: 224.

[21]  كزبرج – سواد يصبغ به قيل هو النيلج، أي النيلة.

[22]  الدَنَف: – بالتحريك – المرض.

[23]  المِيسَم: – بكسر الميم وفتح السين – المكواة.

[24]  نهج البلاغة، من كلام له يتبرأ من الظلم، رقم: 224.

[25]  ابن الأثير: أسد الغابة، ج4، ص114. (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ).

[26]  القارِبُ: طالب الماء ليلًا.

[27]  نهج البلاغة، من كلام له قاله قبل موته على سبيل الوصية، رقم: 23.

[28]  الشيخ المفيد، الأمالي، ص352. (جماعة المدرسين، قم، الطبعة الأولى، 1413هـ).

مقالات ذات صلة