شفقنا العراق-أزمة النفايات تكشف فجوة هائلة في الخدمات البلدية العراقية، حيث تعتمد إدارة المخلفات على جهود محدودة، بينما تتفاقم المخاطر الصحية والبيئية، ما يثير قلق المواطنين ويستدعي تدخل عاجل.
في وقت تتزايد فيه الشكاوى الشعبية من تفاقم النفايات في المدن العراقية، تكشف الإحصاءات الرسمية عن فجوة خدمية واسعة تطال ملايين السكان، بينما تحذر الجهات البيئية من تحول الملف إلى أزمة صحية وبيئية متصاعدة.
وبين تناقص التخصيصات الحكومية، وتراجع كفاءة الشركات المتعاقدة، وضعف الالتزام المجتمعي، يبدو أن المدن تواجه تحديًا تتداخل فيه المعوّقات الإدارية والاقتصادية والسلوكية، لتنعكس مباشرةً على نظافة الأحياء واستقرار البيئة المحلية.
عجز المنظومة الخدمية!
ويحذر المراقب للشأن المحلي والموظف السابق في بلدية صلاح الدين، أحمد السامرائي، من تفاقم أزمة بيئية خطرة تهدد واحدة من أهم منظومات المياه في المحافظة، بعد رصد كميات كبيرة من النفايات الطافية داخل الجدول الرئيس المغذي لمشروع ماء قضاء طوزخورماتو.
ويؤكد السامرائي أن ما يجري “لا يقتصر على مشهد نفايات عابرة”، بل يمثل تهديدا مباشرا لمصدر يعتمد عليه آلاف السكان، مشيراً إلى أن تلوث المجرى المائي قد يفتح الباب لانتشار أمراض منقولة عبر المياه، ويلحق ضررا واسعا بالنظام البيئي المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على هذا المورد”.
ويضيف أن الأهالي وجهوا نداءات عاجلة إلى الجهات الحكومية ودوائر البلدية والمياه، مطالبين بإزالة الملوثات وتفعيل الرقابة على مجاري الأنهر والجداول، ومحاسبة المتسببين بإلقاء النفايات في المصادر المائية، خصوصا أن مشروع ماء الطوز يعد الشريان المائي الأهم للمنطقة، ما يجعل أي تلوث فيه بمثابة تهديد يومي لصحة المجتمع واستقراره.
ويشدد على أن المشكلة لا تكمن فقط في تراكم الملوثات، بل في عجز المنظومة الخدمية عن التعامل مع هذا النوع من الأزمات. فبرغم عقد الحكومة لاجتماعات عديدة ومناقشات موسعة حول ملف إدارة النفايات وحماية المجاري المائية، إلا أن النتائج على الأرض ما تزال محدودة.
ويعزو ذلك إلى نقص التخصيصات المالية، وضعف أجور العاملين، وغياب المعدات والآليات اللازمة لتنفيذ حملات تنظيف شاملة ومنتظمة، فضلًا عن قصور الكوادر الحالية عن تغطية الاحتياجات الفعلية للسكان.
ويتابع أن استمرار الوضع بهذه الصورة قد يقود إلى تدهور أكبر، محذرًا من أن “الوقت ليس في صالح المناطق التي تعتمد على مجاري المياه الملوثة، وأن أي تأخير في المعالجة سيحوّل الأزمة البيئية إلى أزمة صحية واجتماعية يصعب احتواؤها”.
انتشار الأمراض
الخبير البيئي سيف مسلم الكرعاوي يصف الأمر بأنه أحد أكثر أشكال التدهور البيئي قسوة ووضوحا، مشددا على أن القضية ليست مجرد “منظر مزعج”، بل منظومة تتزايد خطورتها منذ لحظة رمي النفايات على الأرض وحتى وصولها إلى مواقع ردم غالباً ما تكون مفتوحة وغير نظامية.
يشرح الكرعاوي أن النفايات المتراكمة تتحول سريعا إلى بؤر للتلوث، تتحلل، وتطلق مواد كيميائية وميكروبات تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، وتستقطب الحشرات والقوارض، ما يؤدي إلى ارتفاع الإصابات بالأمراض المعوية والتنفسية والجلدية، خصوصًا في الأحياء الفقيرة والمهمشة.
وتظهر التقديرات أن العراق ينتج بين 30–40 ألف طن من النفايات الصلبة يوميا، بمعدل يتراوح بين 1–1.4 كغم للفرد الواحد يوميا، فيما يطرح الجزء الأكبر منها في مواقع ردم بدائية لا تستوفي المعايير البيئية.
ويضيف انه “مع لجوء السكان أو الجهات المحلية إلى الحرق العشوائي للتخلص من هذه النفايات، يتصاعد مستوى آخر من الخطر. فالدخان المنبعث محمل بجسيمات دقيقة وغازات سامة، تفاقم أمراض الربو والقلب والرئة، وتزيد من تلوّث الهواء وتسهم في تغيّر المناخ”.
تلويث مصادر مياه الشرب
ويشير الكرعاوي إلى أن ما يحدث قرب الأنهار أكثر خطورة، إذ يعني عمليًا تلويث مصادر مياه الشرب ومحاصيل الغذاء معًا.
ويتحدث الكرعاوي عن إحصاءات وزارة البيئة لعام 2024 اذ تكشف حجم الفجوة الخدماتية: “ثلث السكان في مناطق خارج إقليم كردستان، لا يحصلون على خدمة جمع ونقل النفايات بصورة منتظمة، ما يعني ترك مئات آلاف الأطنان في الشوارع والأراضي المفتوحة، أو التخلّص منها بالحرق”.
أما الدراسات الأكاديمية الحديثة فتظهر صورة أكثر تعقيدا؛ ففي عدد من المحافظات لا تتجاوز نسبة تغطية جمع النفايات 70 في المائة من الكميات المنتجة، في حين أن إعادة التدوير لا تتعدى 5 في المائة وتتم غالبا بطرق غير رسمية، بينما يدفن أو يحرَق الباقي بشكل عشوائي، ما يفاقم من تدهور البيئة والصحة العامة.
ويشدد بالقول علة انه “أمام هذا الواقع، تبدو أزمة النفايات في العراق أكثر من مشكلة خدمية؛ إنها أزمة بيئية وصحية واجتماعية متشابكة، تتطلب سياسات واضحة وبنية تحتية فعّالة، قبل أن تتحول إلى عبء لا يمكن احتواؤه على المدن وسكانها”.

