شفقنا العراق-الأزمة الخدمية تطرح سؤالًا ملحًا مع كل موسم شتاء في بابل: كيف لمدينة بتاريخ حضاري عريق أن تشل حركتها بزخة مطر، بينما تتوالى التصريحات الرسمية عن نسب إنجاز عالية ومشاريع قيد التنفيذ؟
تحولت شوارع محافظة بابل، مع أولى موجات الأمطار، إلى مساحات موحلة تغرق بالنفايات والمياه الراكدة، في مشهد يكشف عمق الأزمة الخدمية في المحافظة.
وعلى وقع هذا الواقع، أطلق طلاب وموظفو بابل ترندًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وثّقوا فيه شوارعهم الغارقة بالطين والنفايات والمياه، مرددين عبارة: «يا حكومة بابل غير الفاسدة… باجر شلون نداوم»، تعبيرًا عن استيائهم مما يعدّونه فسادًا وتلكؤًا خدميًا، بالتزامن مع حديث الحكومة المحلية عن تنفيذ مشاريع خدمية بوتيرة متسارعة.
مستوى الخدمات “صفر”!
انتقد حسين عبد الرحمن، وهو مواطن وناشط مدني من محافظة بابل، الواقع الخدمي المتردي في المحافظة، واصفًا إياه بأنه وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الإهمال وسوء الإدارة.
وقال عبد الرحمن إن «الخدمات في بابل تكاد تكون معدومة بنسبة 0٪»، مؤكدًا أن المشاريع الخدمية غائبة تمامًا عن أغلب مناطق المحافظة.
وأوضح أن الشوارع في عموم بابل تعاني من الإهمال، حيث تنتشر الأوحال في كل مكان، ولا يكاد يوجد شارع صالح للاستخدام، ما يزيد من معاناة المواطنين اليومية، خصوصًا في فصل الشتاء.
ثم أضاف أن من بين الأسباب الرئيسية لهذا الخراب ما وصفه بـ«تبليط المرشحين»، في إشارة إلى تنفيذ مشاريع تبليط ذات طابع انتخابي، تنفذ في مناطق غير مؤهلة أصلًا لمثل هذه الأعمال.
وبيّن عبد الرحمن أن العديد من المناطق تحتاج أولًا إلى بنى تحتية أساسية، مثل شبكات المجاري وتصريف المياه، قبل التفكير بتبليط الشوارع، إلا أن تجاهل هذه الأولويات جعل الوضع ينتقل «من سيئ إلى أسوأ»، على حد تعبيره.
وأكد أن شوارع بابل تعد من بين الأسوأ على مستوى العراق، ليس فقط بسبب تردي التبليط، بل بسبب غياب التخطيط السليم والرقابة على تنفيذ المشاريع.
انتقادات لاذعة
ووجّه انتقادات لاذعة إلى الحكومة المحلية في بابل، معتبرًا إياها «الأكثر فسادًا»، وحمّلها مسؤولية التدهور الخدمي المستمر.
كما أشار إلى أن «مطرًا بسيطًا كفيل بإغراق الشوارع والأحياء»، في مشهد يتكرر كل عام، ما يظهر هشاشة البنى التحتية وعجز الجهات المعنية عن إيجاد حلول حقيقية ومستدامة.
وتابع عبد الرحمن حديثه بالتأكيد على أن أهالي بابل لم يعودوا يطالبون بخدمات متقدمة، بل بأبسط مقومات العيش الكريم، داعيًا إلى محاسبة المقصرين ووضع خطط واقعية تعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية لا تصمد أمام أول مطر.
من جانبه، أكد ظافر مردان، مراقب محلي، أن الواقع الخدمي لا يقل سوءًا عما يصفه المواطنون يوميًا، مشيرًا إلى أن الخدمات المقدمة «سيئة جدًا»، وأن الشركات المُحال إليها تنفيذ المشاريع إما غير كفوءة، أو تعمل من دون رقابة حقيقية تضمن جودة التنفيذ ومطابقته للمواصفات.
وأوضح مردان أن هناك بالفعل مشاريع خدمية قيد الإنجاز في بعض المناطق، إلا أنها تعاني من ضعف المتابعة الميدانية، ما يؤثر سلبًا على سرعة الإنجاز ونوعية العمل.
وأضاف أن الخلل لا يقتصر على مرحلة التنفيذ فقط، بل يبدأ في كثير من الأحيان منذ مرحلة إحالة المشاريع، مرورًا بصفقات «العمولات والكومشنات» التي تؤثر بشكل مباشر على جودة المشاريع المنفذة، وتجعلها هشة وغير قادرة على الصمود.
شراء الأصوات
وفيما يخص ما يعرف بمشاريع «شراء الأصوات»، أشار مردان إلى أنها تنفذ غالبًا من دون أي تخطيط مسبق أو دراسة فنية، ما يجعل فشلها أمرًا متوقعًا.
كذلك لفت إلى أن هذه المشاريع تصنّف على أنها فاسدة، لأنها لا تنطلق من حاجة حقيقية للمواطن، بل من أهداف انتخابية ضيقة.
وأضاف مردان بنبرة استياء أن «من غير المعقول، وبعد أكثر من 2000 عام من الحضارة والعمران، أن يعجز تلميذ عن الوصول إلى مدرسته بسبب زخة مطر، أو يحرم رجل من الذهاب إلى عمله بسيارته بسبب الحفر والمطبات».
ثم أكد أن كميات الأمطار التي تشهدها البلاد طبيعية، ولا تستدعي أن تتوقف الحياة أو تشل الحركة في المدن.
وتابع حديثه بالتشديد على أن المشكلة لا تكمن في الطبيعة أو المناخ، بل في سوء التخطيط وغياب الإدارة الرشيدة، داعيًا إلى إعادة النظر بآليات إحالة المشاريع، وتشديد الرقابة على الشركات المنفذة، ووضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات انتخابية أو شخصية.
نسب إنجاز عالية!
وقال المهندس علي المرعب، مستشار محافظ بابل لشؤون التخطيط والإعمار والمشاريع، إن «الأعمال الخدمية الجارية في محافظة بابل تأتي حسب توجيهات المحافظ، وبمتابعة مباشرة من ديوان المحافظة، ضمن خطة متكاملة تهدف إلى تطوير واقع البنى التحتية في مركز مدينة الحلة وعدد من أحيائها، وبما ينسجم مع متطلبات النمو السكاني وتحسين الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين».
وأوضح المرعب أن المحافظة تنفذ حاليًا ثلاثة مشاريع رئيسية للمجاري داخل مدينة الحلة – الصوب الكبير – منها مشروع مجاري الحلة الكبير المرحلة الأولى، إضافة إلى مشروع مجاري شارع الستين، الممول من تخصيصات ديوان محافظة بابل – تنمية الأقاليم – فضلًا عن مشروع مجاري حي الصحة والطيارة و17 تموز والثورة والخستاوي، والممول أيضًا من تخصيصات تنمية الأقاليم – ديوان محافظة بابل.
مراحل متقدمة
وأشار المرعب إلى أن المشروع الأول وصل إلى مراحل متقدمة جدًا، حيث تم إنجاز أغلب أعمال التبليط في حي الجامعة، وبلغت نسبة الإنجاز فيه قرابة 90٪، كما يشهد المشروع الثاني تنفيذ أعمال تبليط في عدد من الأحياء والشوارع المهمة، مثل حي الأساتذة وحي الكرامة وحي الحسين وشارع نهر اليهودية.
وأضاف أن المشروع الثالث ما زال في مرحلة أعمال البنى التحتية، وبلغت نسبة الإنجاز فيه نحو 40٪، موضحًا أن العمل فيه بدأ خلال عام 2025 وما زال مستمرًا.
ثم بين أن طبيعة هذه الأعمال تحتاج إلى وقت أطول، خاصة مع تزامنها مع الموسم الشتوي والحالة المطرية التي شهدتها المحافظة هذا العام.
وتابع المرعب بالتأكيد على أن الأعمال مستمرة بوتيرة متواصلة رغم التحديات، وأن المشاريع التي وصلت إلى مراحل التبليط تشهد تحسنًا واضحًا في واقع الشوارع والخدمات، معربًا عن أمله في إنجاز جميع المشاريع ضمن التوقيتات المحددة، وبما يخفف المعاناة عن أهالي مدينة الحلة ويعزز واقعها الخدمي.

