شفقنا العراق-كلفة الموظفين في العراق تصاعدت إلى مستويات قياسية، مستنزفة الموارد العامة ومعيقة للتنمية، ما يفرض ضرورة ربط الرواتب بالأداء وتحسين الإنتاجية داخل المؤسسات الحكومية.
يشكل إنفاق الدولة على موظفيها، إحدى القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأكثر جدلاً في السنوات الأخيرة، خاصة مع تزايد أعداد الموظفين الحكوميين، دون مراعاة لمبدأ الإنتاجية أو الأداء الفعلي، حيث تشير البيانات شبه الرسمية إلى أن كلفة دقيقة واحدة من العمل الحكومي تصل إلى 617 مليون دينار،
في حين تبلغ كلفة ساعة العمل نحو 37 مليار دينار، وتكلف ساعات الدوام الكامل ميزانية الدولة نحو 296 مليار دينار يوميًا، هذه الأرقام الصادمة تظهر حجم العبء المالي الكبير الذي يثقل كاهل الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل محدودية الموارد وعجز الدولة عن تحسين الخدمات العامة بشكل فعال.
ويعود سبب هذه الكلفة المرتفعة إلى الطبيعة الهيكلية للتوظيف الحكومي في العراق، حيث تعتمد القوانين الإدارية على النظام التأديبي والانضباطي أكثر من التركيز على الأداء والإنتاج،
وبمعنى آخر، فإن معظم القوانين المتعلقة بالموظفين لا تضع مؤشرات واضحة لقياس الإنتاجية أو ربط الرواتب والمزايا بالحصة الفعلية من العمل المنجز، ما يؤدي إلى إهدار الموارد المالية بشكل كبير.
الوزارات المنتجة
في المقابل، فإن الوزارات المنتجة مثل وزارة النفط، على الرغم من تحقيقها أرباحًا هائلة، يتم توجيه جزء كبير منها نحو حوافز ورواتب الموظفين، مما يقلل من إمكانية استثمار هذه الإيرادات في مشاريع تنموية أو خدمة المجتمع بشكل مباشر.
بينما الدستور العراقي ينص بوضوح على أن ملكية الموارد الوطنية، بما فيها النفط، يجب أن توزع على الشعب بالتساوي، دون تمييز بين جهة وأخرى، ومع ذلك، يلاحظ أن أرباح الوزارات المنتجة يتم استغلالها لدفع الرواتب والحوافز، بينما تظل الوزارات غير المنتجة، عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة، حيث تستهلك كميات ضخمة من الأموال دون أن تحقق مقابلًا اقتصادياً ملموساً،
هذا التفاوت بين الوزارات المنتجة وغير المنتجة، يزيد من الضغط على المالية العامة، ويؤدي إلى توسيع العجز في الموازنات السنوية، بالإضافة الى خلق فجوة واسعة بين الوزارات وتسارع الموظفين بالتهافت على الوزارات المنتجة لكثرة مزاياها المالية، هذه العوامل جميعها تعرّض البلاد لمخاطر اقتصادية واجتماعية على المدى الطويل،
بالإضافة إلى ذلك، يشكل هذا الوضع عاملًا معيقًا أمام التنمية المستدامة في العراق، إذ يستنزف جزء كبير من الموارد المالية في تمويل الرواتب والمزايا دون تحقيق نمو اقتصادي حقيقي، مما يحد من قدرة الدولة على الاستثمار في البنية التحتية، التعليم، الصحة، والمشاريع الإنتاجية التي تخلق فرص عمل وتزيد من الناتج المحلي.
تقليل الحافز
كما يؤدي استمرار هذا النمط إلى تقليل الحافز لدى الموظفين أنفسهم على تحسين الأداء أو المساهمة بفعالية في تطوير المؤسسات الحكومية، في ظل غياب نظام محاسبي واضح يعتمد على الإنجاز والنتائج.
ومن جانب آخر، يرى المهتم بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري ان “الحلول المقترحة لمعالجة هذا التحدي تتمثل في تطبيق قوانين صارمة في الوزارات تربط المكافآت والأجور بالإنتاجية الفعلية، وإنشاء مؤشرات أداء لكل وزارة أو دائرة حكومية.
كما يمكن إعادة النظر في توزيع الموارد بين الوزارات المنتجة وغير المنتجة، بحيث يتم توجيه الأرباح نحو مشاريع تنموية تحقق الفائدة الأكبر للشعب”.
ثم أضاف، ان “هذا النهج يضمن تحسين استغلال الأموال العامة، ويزيد من كفاءة المؤسسات الحكومية، ويسهم في خلق بيئة عمل أكثر فعالية وشفافية”.
وأشار الى ان “ارتفاع كلفة موظفي الدولة دون إنتاج حقيقي يشكل، تحدياً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً في العراق، إذ يتطلب تحقيق العدالة في توزيع الرواتب وتحسين الأداء الحكومي ضمن سياسات جديدة تعتمد على الإنتاجية والشفافية”.
ويظل تحسين كفاءة المؤسسات الحكومية وربط الموارد البشرية بالإنتاجية، هدفًا أساسيًا لتخفيف العبء المالي على الدولة، مع ضرورة إيجاد توازن بين مصالح الموظفين واحتياجات الاقتصاد الوطني من طريق تنفيذ إصلاحات إدارية واضحة تعزز قدرة الحكومة على تحقيق التنمية المستدامة.

