شفقنا العراق-خفض الرسوم الجمركية قد يفتح الباب أمام الصادرات العراقية، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة البنية الإنتاجية إذا لم تعالج مشكلات التعبئة والمواصفات والاستدامة.
في لحظة تبحث فيها بغداد عن منفذ واقعي لما بعد النفط، تلوح بكين بخطوة تبدو صغيرة على الورق لكنها قد تقلب ميزان السوق إذا تحولت إلى قرار تنفيذي: خفض الرسوم الجمركية على منتجات عراقية غير نفطية، بما يمنح المنتج المحلي فرصة دخول أوسع إلى واحدة من أكثر الأسواق استهلاكا في العالم، بعد سنوات ظل فيها اسم العراق في التجارة الدولية مرادفا للخام وحده.
خفض الرسوم.. ماذا يعني على أرض السوق؟
المعنى العملي لخفض الرسوم أن المنتج العراقي حين يصل إلى المستورد الصيني سيكون أقل كلفة، وبالتالي أكثر قدرة على المنافسة أمام سلع دول أخرى، وهو ما يفتح نافذة على ما يسميه مختصون “اقتصاد ما بعد النفط”، لا بوصفه شعارا سياسيا بل مسارا يختبره السوق يوما بعد آخر.
الخبير في الشؤون الاقتصادية رشيد السعدي، علق بالقول إن سعي الصين لخفض الرسوم على منتجات عراقية غير نفطية يأتي ضمن توجه استراتيجي لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع العراق وتنويع مصادر الاستيراد، بالتوازي مع دعم سلاسل الإمداد للصناعات الصينية.
ثم يشير إلى أن استثناء النفط من هذه الخطوة يعود إلى كونه يخضع لاتفاقات وأسعار عالمية مستقرة نسبيا ولا يحتاج إلى محفزات جمركية إضافية.
سلة المنتجات المحتملة.. من التمور إلى مواد البناء
ويضع السعدي أمام هذه الخطوة سلة منتجات يرى أنها الأقرب للاستفادة إذا تحولت الفكرة إلى قرار: التمور ومشتقاتها وبعض المحاصيل الزراعية والفواكه المجففة، إضافة إلى الأسمدة والمنتجات الفوسفاتية، ومواد البناء مثل الإسمنت والجبس والسيراميك، فضلا عن منتجات معدنية أولية والجلود وبعض الصناعات التحويلية البسيطة.
ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن خفض الرسوم قد يسهم في تنشيط الصادرات العراقية غير النفطية وفتح آفاق جديدة أمام المنتج المحلي لدخول الأسواق الآسيوية، بما ينعكس على فرص العمل وتحريك القطاعات الزراعية والصناعية داخل البلاد.
من الإعلان إلى العائد.. الأرقام هي الاختبار
لكن الطريق من “الإعلان” إلى “العائد” لا يقاس بالنوايا، بل بالأرقام والقدرة على التصدير الفعلي. فبيانات التجارة الخارجية تشير إلى أن صادرات العراق غير النفطية خلال 2024 ظلت محدودة قياسا بحجم الاقتصاد.
ثم أن تركيبتها تميل بقوة إلى سلع أولية أو شبه أولية، وهو ما يجعل الحديث عن توسع صادرات زراعية وصناعية إلى سوق صيني شديد الصرامة مشروطا بقدرة العراق على الإنتاج المستقر والجودة والتعبئة والالتزام بالمواصفات، وهي نقاط يكرر السعدي التحذير منها ضمن حديثه.
أن النجاح مرهون بتطوير الصناعات المحلية وتحسين الجودة واستثمار الانفتاح الصيني في شراكات إنتاجية حقيقية لا الاكتفاء بدور المصدر للمواد الأولية.
أين تذهب الصادرات؟ مشكلة “الأسواق الوسيطة”
وتظهر وجهات التصدير غير النفطية للعراق بدورها علامة أخرى على التحدي: جزء كبير من الصادرات يتجه إلى أسواق وسيطة ومراكز تجارة وإعادة تصدير، لا إلى سوق نهائي ضخم مثل الصين، وهو ما يفسر لماذا يبدو “خفض الرسوم” مهما من زاوية أنه قد يفتح مسارا مختلفا: دخول مباشر إلى سوق نهائي واسع، بدل دوران السلع في حلقات وسيطة لا تضمن عائدا تنمويا واضحا داخل العراق.
أين عائدات الموارد؟ عندما يكون الربح خارج السلسلة
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه الشارع عادة: أين تذهب عائدات هذه الموارد والمنتجات؟ الإجابة تبدأ من التفريق بين النفط وغيره. النفط عائد سيادي تتلقاه الدولة مباشرة وتديره عبر الموازنة، أما الصادرات غير النفطية فغالبا ما تتحرك عبر شركات وتجار، وعائداتها تذهب بالدرجة الأولى إلى القطاع الخاص، بينما تحصل الدولة على جزء منها عبر الضرائب والرسوم والخدمات والتنظيم.
ثم تأتي الحلقة الأكثر حساسية: حتى حين تتحقق عائدات تجارية، فإن أثرها على حياة الناس يتوقف على ما إذا كانت هذه الصادرات تخلق قيمة مضافة داخل العراق أم تخرج كمواد أولية خام، لأن الربح الأكبر عالميا لا يسكن في الشحنة وحدها، بل في سلسلة ما قبل الشحن: الفرز والتعبئة والتغليف والتبريد والنقل والمعايير، ثم ما بعده من تسويق وعقود طويلة وشراكات تصنيع.
سباق أمريكا والصين على العراق.. من يتصدر؟
وقبل الوصول إلى أي خلاصة، لا يمكن فصل خطوة الصين عن المشهد الأوسع: سباق أمريكي صيني يتخذ من العراق ساحة اختبار مفتوحة. واشنطن لا تتعامل مع بغداد من باب التجارة فقط، بل عبر مفاتيح مالية وتنظيمية وامتثال مصرفي وبيئة استثمار، وهي أدوات تستطيع من خلالها تضييق أو توسيع حركة الاقتصاد، بما يجعل أي انفتاح تجاري كبير محكوما بحسابات السياسة والتمويل.
في المقابل، تتقدم بكين بمنطق مختلف: شراء مستمر للطاقة، تمدد في عقود ومشاريع، ومحاولة لإضافة طبقة جديدة من العلاقة عبر سلع غير نفطية، وكأنها تقول إن نفوذها لا يحتاج أن يمر من بوابة الدولار وحده، بل من بوابة السوق أيضا.
وبين البابين، يحاول العراق أن يوازن: لا يريد أن يخسر واشنطن حيث مفاتيح الحساسية المالية، ولا أن يفوّت بكين حيث السوق والشراء وقدرة العقود على تحريك قطاعات داخلية إذا أحسن إدارتها.
وفي هذه النقطة تحديدا يصبح سؤال “من سيتصدر؟” أقل بساطة من عنوان، لأن الصدارة قد تتوزع: أمريكا أقوى في مفاتيح النظام المالي والضبط، والصين أقوى في الشراء والطلب والمشاريع، بينما يظل العراق هو الذي يدفع كلفة الاختلال إذا تحول التنافس إلى شد حبل لا إلى منافسة تخدم الاقتصاد.
الباب مفتوح لكن الطريق يحتاج دولة إنتاج
خفض الرسوم وحده لن يصنع معجزة، لكنه قد يكون إشارة نادرة على طريق ما بعد النفط إذا جرى تحويله إلى مسار عمل عراقي واضح: سلة منتجات قابلة للتصدير بكميات مستقرة، معايير جودة وفحوصات وتغليف يطابق السوق الصيني، ممرات لوجستية تمنع تلف البضائع خصوصا الزراعية، ثم شراكات إنتاجية تجعل العراق يربح داخل حدوده قبل أن يربح عند المنفذ.
وفي النهاية، ليست المسألة أن تفتح الصين الباب، بل أن يجد العراق ما يمر منه بقيمة مضافة لا خاما جديدا، وأن يحول التنافس الدولي على بغداد من ضغط عليها إلى فرصة لها، حيث تكون “الصدارة” لصالح من يبني اقتصادا عراقيا قادرا على البيع لا مجرد دولة تبحث كل مرة عن مشتر جديد للخام.

