شفقنا العراق-الاحتيال الرقمي بات فخاً واسع الانتشار يستهدف باحثي الدخل السريع في العراق، مستغلاً غياب التنظيم القانوني وضعف الوعي المالي، حيث تتحول منصات التداول الوهمية من وعود بالأرباح إلى أدوات لنهب المدّخرات دون أي حماية قانونية.
لم يكن خالد الجبوري يتخيّل أن رسالة عابرة على تطبيق “تلغرام” ستقوده إلى خسارة مدّخراته خلال أسابيع قليلة، الشاب الثلاثيني، الباحث عن فرصة لتحسين دخله، تعرّف عبر مجموعة مغلقة على امرأة قالت إنها تعمل في مجال تداول العملات الرقمية وتقيم في لبنان، وقدّمت نفسها بوصفها “مدرّبة محترفة” تساعد المبتدئين على دخول عالم الفوركس.
ويقول خالد (34 عاماً) إنه “في الأيام الأولى، بدت الأمور طبيعية، شروحات يومية، صور لأرباح متحققة، ونصائح توحي بوجود إجراءات منظم، طلبوا منه فتح حساب عبر منصة إلكترونية وتحويل مبالغ متدرجة “لاختبار السوق”، ومع كل تحويل، كنت اتلقى إشعارات توحي بتحقيق أرباح، إلى أن قررت سحب جزء من أموالي”.
ويضيف “عند هذه النقطة، بدأ المسار يتغير، أبلغت بأن هناك مشكلة تقنية في التحويل، وأن الحساب يحتاج إلى مبلغ إضافي لفك التجميد، تكررت الطلبات، وتكررت معها التحويلات، قبل أن تختفي المجموعة بالكامل، ويتبيّن لاحقاً أن ما تعرّضت له لم يكن استثماراً، بل عملية احتيال متكاملة، خسرت فيها ما يقارب 14 ألف دولار، من دون أي جهة يمكن مراجعتها أو المطالبة بحقوقي”.
عشرات البلاغات
هذه القصة، وفق مختصين، لا تمثّل حالة فردية، بل واحدة من عشرات البلاغات التي تتكرر في العراق خلال الأشهر الأخيرة، وسط نشاط متزايد لشركات ومنصات إلكترونية تدّعي العمل في مجال تداول العملات والأسهم العالمية، مستغلةً الفراغ القانوني وضعف الوعي المالي لدى شريحة واسعة من المواطنين.
وخلال المدة الماضية، أصدر البنك المركزي العراقي سلسلة تحذيرات رسمية دعا فيها المواطنين إلى عدم التعامل مع شركات أو منصات تدّعي التداول بالعملات الأجنبية أو الرقمية أو الأسهم العالمية من داخل العراق، مؤكداً أن هذا النشاط غير مرخّص، وأن أي تعامل من هذا النوع يجري خارج المظلة القانونية والرقابية للدولة.
وأشار البنك المركزي في بياناته إلى أن الجهات المرخصة داخل البلاد تقتصر على شركات الصرافة والمصارف وشركات الوساطة المدرجة رسمياً، محذراً من أن المنصات الخارجية لا تخضع لرقابة عراقية، ولا توفر أي ضمانة قانونية للأموال، ما يجعل المتعاملين معها عرضة لعمليات النصب أو غسل الأموال أو فقدان المدّخرات.
تحذيرات متواصلة
بدوره قال الخبير المالي والمصرفي مصطفى أكرم إن “أي شركة تدّعي التداول بالأسهم الخارجية أو العملات الأجنبية عبر منصات غير عراقية هي شركة غير مرخصة داخل العراق”، موضحاً أن “الإطار القانوني المعتمد يقتصر على سوق العراق للأوراق المالية وشركات الوساطة المدرجة رسمياً ضمنه”.
وأضاف أن “أي عملية شراء أو تداول مرخصة يجب أن تسجّل في مركز الإيداع، وهو نظام يشبه التسجيل العقاري أو الحساب المصرفي، ويضمن حقوق المستثمر”، مؤكداً أن “المنصات الخارجية لا تخضع لهذا النظام، ولا توفر أي ضمانة سيادية”.
كما شدد على أهمية الالتزام بالبيانات والتحذيرات الصادرة عن البنك المركزي وهيئة الأوراق المالية، محذراً من الانجرار وراء شركات أو منصات تروّج لأرباح سريعة أو مضمونة، لأن “النتيجة النهائية في الغالب تكون خسارة الأموال من دون أي حماية قانونية”.
لا مكان للاقتصاد الحديث
وفي ظل غياب تشريعات واضحة تنظم مفاهيم مثل الفوركس والعملات الرقمية والتداول بالأسهم العالمية، تتوسع مساحة النشاط غير المنظم، فيما يجد المواطن نفسه أمام واقع معقّد، لا يتيح له سوى الاعتماد على التحذيرات الرسمية كخط دفاع أول، في وقت تتكرر فيه قصص الخسارة والاحتيال، على غرار ما حدث مع خالد الجبوري وغيره من المتضررين.
وتواجه السلطات العراقية انتقادات متزايدة بسبب محدودية تعاملها مع مفاهيم الاقتصاد الحديث، ولا سيما مجالات الفوركس والعملات الرقمية وريادة الأعمال والحاضنات الاقتصادية والاقتصاد التشاركي، في ظل غياب أطر تنظيمية واضحة تنظم هذه الأنشطة وتحدد مسؤوليات الجهات العاملة فيها.
ويرى مختصون أن هذا الفراغ التنظيمي دفع السلطات إلى تبنّي سياسة التحذير والمنع كخيار أساسي، بدلاً من الانتقال إلى بناء منظومة قانونية ورقابية تواكب التحولات الاقتصادية العالمية، ما أبقى السوق العراقية خارج مسارات الاستثمار الرقمي المنظم.
وحسب تقارير اقتصادية، فإن دولاً إقليمية نجحت خلال السنوات الماضية في استيعاب هذه الأنشطة عبر تشريعات واضحة ومنصات مرخّصة وحاضنات أعمال رسمية، فيما لا يزال العراق يفتقر إلى بنية تشريعية تسمح بتنظيم الاقتصاد الرقمي واستثماره بشكل آمن.

