شفقنا العراق-الخلايا النائمة تستفيد من الخوف المتبادل داخل القرى والمناطق الهشة، حيث يخشى الناس الإبلاغ، ويصبح المختار والوجيه هدفاً مكشوفاً، وتتحول الجرائم الفردية إلى شرارات ثأر وهوية.
خطاب الكراهية المتفشي، حين يتحول من “تعليق” على مواقع التواصل الى لغة يومية في السياسة والشارع، يصنع بيئة رخوة تصلح لان يعيش فيها التطرف حتى بعد هزيمته عسكريا.
فحين يجري تصوير مكون عراقي بوصفه عدوا اصليا لمكون اخر، وتقديم الانتصار على داعش كأنه انتصار طرف على طرف داخل الوطن، تصبح القرية ساحة شك، والمختار هدفا مكشوفا، وتتحول اي جريمة الى شرارة قابلة لاشعال روايات ثأر وهوية.
من هذه الزاوية، لا يظهر اغتيال مختار قرية البو دور في صلاح الدين كحادث امني منفرد، بل كاشارة الى ان التربة الاجتماعية التي تتغذى عليها “الخلايا النائمة” ما زالت موجودة: خوف متبادل، وتخوين، وسرديات تحريضية تبرر العنف او تبرر الصمت عنه.
قناع داعش
ووسط هذه البيئة، يصبح تنظيم داعش – او من يقلده – قادرا على العودة بطرق صغيرة لا تحتاج “ارض سيطرة”، بل تحتاج فقط ثغرة: مجموعة تأتي بملابس داعش وتنفذ وتنسحب، كما ظهر في مقطع مصور متداول، فتترك وراءها سؤالا اخطر من الجريمة نفسها: كيف مروا؟ وكيف خرجوا؟
وهل هي خلية نائمة فعلا ام جهة ارادت ارتداء القناع نفسه لتضليل التحقيق وطمس الدافع الحقيقي، كما عرف العراق سابقا اياما كانت “الاقنعة” سلاحا بحد ذاتها في زمن الاقتتال الطائفي؟ هنا لا يحسم الزي وحده الهوية، لكنه يكشف وظيفة الزي: بث الرعب، وتعطيل الثقة، ودفع الناس الى تفسير واحد جاهز قبل ان تقول التحقيقات كلمتها.
انحسار لا يلغي الخلايا
ووضع عضو لجنة الامن والدفاع النيابية السابق ايوب الربيعي الحادث ضمن سياق عام 2025 الذي شهد “انحسار العمليات الارهابية” ونجاح القوات الامنية في تفكيك خلايا واعتقال قيادات في ديالى وكركوك والانبار، لكنه شدد على ان ذلك لا يلغي وجود خلايا نائمة تستغل اي فرصة لاثارة عدم الاستقرار،
مؤكدا ان استهداف مختار قرية في البو دور يحمل بصمات داعش، وان لجنة تحقيق شكلت لكشف ملابسات الهجوم، مع دعوة صريحة لتكثيف الجهد الاستخباري وتعزيز عمليات التعقب لانهاء ملف الخلايا النائمة بشكل كامل.
وهذا التشديد مهم لان الخلايا التي تتغذى على الفراغ لا تبحث عن معركة، بل عن لحظة ارتباك: طريق زراعي، نقطة رخوة، معلومات محلية، ثم ضربة خاطفة تعيد اسم “داعش” الى الواجهة وكأنه ما زال قادرا على التحكم بالمشهد.
عائلة مستهدفة منذ سنوات
ومن جانبه، وصف رئيس مجلس محافظة صلاح الدين عادل الصميدعي ما جرى بأنه “جريمة مدانة ومستنكرة”، مؤكدا ان المجلس على تواصل مع الاجهزة الاستخبارية والامنية لاستكمال التحقيقات وكشف هويات المتورطين.
الا ان اخطر ما ورد في حديثه كان في الخلفية التي فتحها دون مباشرة: الضحية موظف في مشروع ري دجلة، وعائلته تعرضت لهجوم مماثل عام 2021 اسفر عن استشهاد ستة من افرادها.
هذه الخلفية تقطع الطريق على قراءة سطحية تتعامل مع الاغتيال كحادث طارئ، وتعيده الى نمط استهدافات تتكرر عندما تتوفر ثلاث شروط: ذاكرة تهديد سابقة، بيئة محلية مثقلة بالخوف، وفراغ يسمح للفاعلين بالاقتراب ثم الانسحاب بلا قبض فوري.
حين تخسر الدولة معركة المعنى
السياسات التي تمكن “الظهور من جديد” لا تبدأ من السلاح ايضا، بل من ضعف الدولة في معركة المعنى: عندما يغيب خطاب وطني يجرم التحريض ويكسر ثنائية “غالب ومغلوب” داخل المجتمع، تصبح الخلايا النائمة قادرة على استثمار الانقسام حتى لو كانت مطاردة.
وعندما تتحول بعض المنابر الى مصانع تخوين، ويجري تداول الاتهام على اساس الهوية لا على اساس الدليل، يزداد الضغط على المجتمعات المحلية: الناس تخاف من الكلام، تخاف من الاشتباه، تخاف من الانتقام، فتقل المعلومات التي تصل للاجهزة، وتصبح الخلية الصغيرة اخطر من حجمها.
لهذا، فان تكثيف الجهد الاستخباري الذي دعا اليه الربيعي لا يعني فقط زيادة الدوريات او الكمائن، بل يعني ايضا بناء ثقة: حماية المخبرين، حماية الوجهاء والمخاتير المهددين، وخلق مسار واضح لاستقبال البلاغات دون ان تتحول الى وصمة.
اسناد لوجستي ام تضليل متعمد؟
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد تسجيل يظهر منفذين بملابس داعش: هل المشكلة في قدرة التنظيم على الحركة، ام في قدرة البيئة على التغطية؟ اذا كان داعش فعلا، فهذا يعني وجود اسناد لوجستي وممرات هروب وفراغات رقابية تسمح بالانسحاب.
واذا كان مقلدا، فهذا يعني وجود ازمة اخطر: امكانية استخدام “قناع داعش” كاداة لتصفية حسابات محلية او ثارات او جرائم جنائية، ثم دفع المجتمع الى الصمت تحت وقع الرعب. في الحالتين، النتيجة واحدة: ضرب الثقة وفتح الباب امام عودة “الاسم” حتى لو لم تعد “الدولة” التي كان يتوهمها.
تجفيف التحريض قبل مطاردة الظل
ما تكشفه جريمة البو دور ان مكافحة الخلايا النائمة ليست ملفا امنيا فقط، بل صراع على المجتمع نفسه: كسر خطاب الكراهية الذي يهيئ الارض، وتجفيف سرديات التحريض التي تصنع عدوا داخليا، وتشديد الحماية على الرموز المحلية المستهدفة، وربط التحقيقات بمسار شفاف يقطع الطريق على الاشاعة.
بدون ذلك، سيبقى داعش – او من ينتحل اسمه – قادرا على الظهور كلما احتاج الى دقيقة واحدة من الفوضى كي يثبت انه ما زال يملك “اثر الصدمة”.

