شفقنا العراق-فيما دعا إلى تعزيز القيادة الشيعية المعتدلة في العراق، أكد تقرير أمريكي، على أهمية دمج الشيعة في النظامين السياسي والاجتماعي الإقليميين باعتباره شرطًا لأي رؤية دائمة للسلام في الشرق الأوسط.
وجاء في تقرير نشرته مجلة “فورين أفيرز” إحدى المجلات المتخصصة في شؤون الأمن القومي في واشنطن، أن الضربات التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها خلال العام الأخير—من إسرائيل والولايات المتحدة—إلى جانب انهيار قوى مرتبطة بطهران في غزة ولبنان وسوريا، لا تعني بالضرورة تراجع نفوذ إيران بشكل نهائي. فالفكرة التقليدية عن “محور المقاومة” لا تظهر بدقة طبيعة هذا التنظيم أو قدرته على إعادة التشكل.
هل انهار محور المقاومة حقًا؟
بعد عام 2003، استغلت إيران الفوضى في العراق لبناء شبكة أيديولوجية عابرة للحدود تشمل جماعات وميليشيات وحكومات في إيران والعراق ولبنان واليمن والأراضي الفلسطينية، وهو ما عرف لاحقًا بـ“الهلال الشيعي”.
وبحلول 2014، كان يُنظر إلى طهران على أنها تتحكم بأربع عواصم عربية.
لكن من الناحية العسكرية، تعرض هذا المحور لتفكك كبير. فقد تقدّم قادته في السن، وتعرضت جماعاته لضربات قاسية، كما أسهم التقارب النسبي بين إيران والسعودية في تراجع الزخم الطائفي في المنطقة.
ومع ذلك، بقيت الهوية الدينية والسياسية الشيعية متماسكة، وهي عنصر أساسي منح المحور جزءًا من قدرته على الصمود، إلى جانب الروابط المجتمعية والدينية المنتشرة في المنطقة.
وتبرز في هذه المرحلة تساؤلات حول مستقبل الشيعة في المنطقة، خصوصًا في ظل المساعي الأميركية والخليجية لإرساء استقرار جديد بعد حرب غزة.
ضرورة مراعاة مصالح المجتمعات الشيعية
ويشير التحليل إلى أن أي عملية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي من دون مراعاة مصالح المجتمعات الشيعية—داخل إيران وخارجها—ستعقّد جهود تهدئة التوترات.
ويسلط التقرير الضوء على أن الخطط المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أو معالجة أوضاع المناطق الشيعية المتضررة، إقصاء سياسي واقتصادي للطائفة.
ثم أن أي اجتياح إسرائيلي محتمل للبنان سيمثل تهديدًا وجوديًا للشيعة هناك، ويدفعهم نحو التعبئة.
وفي سوريا والعراق، تتزايد مخاوف الشيعة من تهميش سياسي قد يتوسع إقليميًا مع تصاعد الحكم السني في دمشق، والضغوط الأميركية على الميليشيات العراقية.
خطورة تهميش الشيعة وعودة الطائفية
وترى القراءة أن تهميش الشيعة في عمليات بناء الدولة قد يدفعهم للعودة إلى سياسات الهوية الطائفية، ما يهدد الاستقرار الأوسع في المنطقة ويعقّد أي محاولة لاحتواء إيران.
وبرغم أن الشيعة، وفقًا للتقرير، يشكلون نسبة محدودة من المسلمين عالميًا، فإن نسبتهم تتضاعف داخل الشرق الأوسط، حيث يشكلون أغلبية أو شبه أغلبية في دول عدة، ما يجعل دورهم أساسيًا في توازنات المنطقة.
وقد عززت أحداث تاريخية وصراعات كبرى مثل الحرب الإيرانية–العراقية من الروابط الشيعية العابرة للحدود، وازدادت هذه الروابط عمقًا بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
ومع اندلاع الاضطرابات في سوريا واليمن بعد عام 2011، توسع النفوذ الإيراني أكثر، إذ توافقت مصالح طهران مع جماعات شيعية ومحسوبة عليها في تلك الساحات.
ومع صعود تنظيم داعش، تحولت الحرب ضده إلى معركة جامعة للشيعة، عززت حضور الجماعات المسلحة وأدوارها السياسية والعسكرية.
لكن بعد هزيمة داعش عام 2019، بدأت إشارات التراجع.
فقد انخفضت التعبئة الشعبية الشيعية، وتزايدت انتقادات المرجعيات الدينية الكبرى للميليشيات، كما أدت ممارسات بعض الفصائل في العراق إلى خسارة جزء من رصيدها الشعبي. ثم جاءت الضربات الأميركية التي قتلت قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس لتعمّق هذا التراجع.
تطورات الشرق الأوسط وتغيير بنية محور المقاومة
وأظهرت هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها أن قدرة “محور المقاومة” على التحرك الجماعي لم تعد كما كانت.
فخلال عام 2024، تعرض حزب الله لضربات غير مسبوقة، وفقد عددًا كبيرًا من قادته، كما انهار النظام السوري لاحقًا أمام فصائل مدعومة من تركيا.
وفي يونيو الماضي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات مباشرة على إيران دون أن تستجيب الميليشيات الشيعية كما كانت تفعل سابقًا، فيما اتجهت طهران إلى تعبئة الداخل بدلًا من الرِّهان على الحلفاء الخارجيين.
وتغيرت بنية المحور من نموذج مركزي تقوده إيران إلى شبكة أكثر لامركزية تضم جماعات متقاربة التوجه تعمل بشكل مستقل نسبيًا.
ففي العراق، تُشجَّع الجماعات الموالية لإيران على الانخراط السياسي.
أما في لبنان، قد تجد حزب الله مضطرًا لبحث خيارات تتضمن قبول ضغوط لنزع السلاح.
وتزامن ذلك مع تحولات داخل إيران نفسها، أبرزها صعود النزعة القومية وتراجع القيود الاجتماعية، ما يضعف قدرتها على لعب دور المرجعية الروحية العابرة للحدود.
ثم أن القيادات الدينية والعسكرية المؤسسة للمشروع الشيعي الإقليمي تتقدم في السن، ما يعني أن مركز الثقل الديني يتجه أكثر نحو النجف على حساب قم أو طهران.
استغلال إسرائيلي
وترى التحليلات أن إسرائيل تسعى لاستغلال هذا الواقع عبر تعميق الانقسامات بين الشيعة، ودعم حكومات ضعيفة تضغط عليهم في لبنان وسوريا.
ومع استمرار الهجمات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وحرمان النظام السوري من إعادة بناء سلطته، تتصاعد مخاطر صدامات داخلية تطال الأقليات.
وبرغم تراجع القوة العسكرية الشيعية، تظل الروابط الدينية والاجتماعية قوية، ويتزايد عدد المشاركين في المناسبات الدينية الكبرى مثل زيارة كربلاء.
بناء الدولة وأهمية ضمان حقوق جميع الطوائف
وفي المقابل، يشعر الشيعة بأنهم مهددون مع صعود قوى سنية في سوريا وضغوط على الميليشيات في العراق ولبنان، ما يعزز نزعاتهم نحو الهوية الطائفية.
ولتفادي عودة الصراعات، يوصي التحليل الأمريكي، بأن تضمن عمليات بناء الدولة في لبنان وسوريا حقوق جميع الطوائف، وأن تُدرج المجتمعات الشيعية في خطط إعادة الإعمار.
وفي العراق، يجب تعزيز القيادة الشيعية المعتدلة عبر إصلاحات تقلل نفوذ المجموعات المسلحة.
كما ينبغي للولايات المتحدة ألا تدفع بغداد إلى قطيعة مع طهران، لأن ذلك قد يضعف القوى المعتدلة.
ويرتبط الاستقرار في المنطقة أيضًا بتمكين الشيعة اقتصاديًا، وتوفير أبدال عن الارتهان للميليشيات.
تفكيك حزب الله والهدنة مع الحوثيين
وفي لبنان، لا يكفي تفكيك حزب الله من دون توفير أبدال خدمية وفرص اقتصادية للطائفة. ثم أن على الدول العربية والغربية دعم إدماج الشيعة في القطاع الخاص.
وتشير التحليلات إلى أن الاستثمارات الخليجية الهادفة إلى بناء دول قوية في لبنان وسوريا يجب ألا تعرقل مسار التطبيع مع إيران، إذ ساعد هذا المسار على الحفاظ على استقرار الخليج.
كما يجب تعزيز الجهود الدبلوماسية لإنهاء حرب اليمن، وضمان استمرار الهدنة مع الحوثيين.
دمج الشيعة والسلام في الشرق الأوسط
وتؤكد القراءة أن الولايات المتحدة، إذا أرادت نظامًا إقليميًا مستقرًا، فعليها إدماج مجموعات شيعية في ترتيباتها السياسية، ودعم إعادة إعمار المناطق الشيعية في لبنان، ومنع انهيار الهدنة بين إسرائيل وحزب الله.
كما ستحتاج واشنطن إلى العودة للملف النووي الإيراني، لأن العلاقات العربية–الإيرانية لن تتقدم من دون تقدم في هذا الملف.
وتخلص التحليلات إلى أن إبقاء المشرق مفككًا لن يجلب الاستقرار، وأن تهميش الشيعة سيجعلهم فريسة.
ثم أن دمج الشيعة في النظامين السياسي والاجتماعي الإقليميين شرطًا لأي رؤية دائمة للسلام في الشرق الأوسط.
—————–
التقارير التي يعاد نشرها من مواقع أخرى، تعبر عن وجهة نظر مصادرها فقط
—————–

