شفقنا العراق-طريق التنمية لم يعد مشروع بنية تحتية فحسب، بل تحوّل إلى رمز لنهضة اقتصادية يسعى العراق من خلالها للانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد منتج.
مع افتتاح المقطع الأول لطريق التنمية، يمضي العراق نحو مرحلة اقتصادية جديدة، تؤسس لعودة دوره التاريخي كمركز تجاري يربط قارات العالم، مستنداً إلى موقعه الجغرافي الفريد الذي يجعله جسراً حيوياً بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
ويأتي افتتاح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للمقطع الأول من مشروع «طريق التنمية» نهاية الأسبوع الماضي بوصفه خطوة مفصلية في مسار التحول من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، إلى اقتصاد منتج يقوم على تنويع الموارد واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
اقتصاد غير ريعي
رئيس الوزراء أكد أن المشروع يمثل «ترجمة حقيقية لعمل الحكومة في التحول من الاقتصاد الريعي إلى بلد يشجع ويدعم قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة»، عبر تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تعد المحرك الأساس للاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن اللجنة العليا لطريق التنمية تواصل اجتماعاتها لإعداد المتطلبات اللازمة لاستكمال مراحل المشروع وفق الجداول الزمنية المحددة.
قناة لدعم ميناء الفاو
الطريق الذي ينفذ بالتعاون مع شركة Hyundai الكورية، يمثل أحد أهم أجزاء مشروع التنمية الشاملة، وفق ما أوضحه الأكاديمي د. أيسر ياسين .
ويعد الطريق وصلة نقل برية إستراتيجية تعزز دور ميناء الفاو الكبير بوصفه أحد أكبر الموانئ في المنطقة، من خلال ربطه بشبكات الطرق الدولية مثل (البصرة – بغداد) و(أم قصر – الحدود الكويتية).
ويهدف المشروع إلى تحويل العراق إلى بوابة تجارية محورية عبر توفير مسار سريع وفعّال لنقل البضائع المستوردة والمصدّرة، وخفض تكاليف النقل وتقليص الزمن اللازم لوصول الشحنات، بما يزيد من جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية ويعزز الحركة التجارية عبر الموانئ الجنوبية.
تنشيط القطاعات الإنتاجية
وأضاف ياسين، أن الطريق سيمثل دعماً مهماً للمناطق الصناعية والزراعية ومشاريع الطاقة في محافظة البصرة، وسيعمل على استيعاب الزيادة الكبيرة في حركة الشاحنات والبضائع، ما يخفف الضغط عن الطرق الداخلية ويحسن انسيابية النقل.
ولفت إلى أن المشروع جزء من حزمة مشاريع اقتصادية وخدمية تعمل عليها الحكومة في مختلف المحافظات، وأن استدامة فوائده تتطلب صيانة دورية ومنظومة إدارة فعّالة، إضافة إلى أهمية إشراك القطاع الخاص المحلي والأجنبي في تمويل الأعمال التكميلية، مثل تطوير السكك الحديد وبناء المدن الصناعية المجاورة.
قصة نجاح عراقية
من جهته، وصف الخبير الاقتصادي أسعد الربيعي المشروع، بأنه «قصة وعد ونجاح»، مبيناً أن المسار الذي بدأ في 27 أيار 2023 مع انعقاد مؤتمر طريق التنمية في بغداد، وصولاً إلى افتتاح المقطع الأول بطول 63 كيلومتراً في البصرة في 4 كانون الأول 2025، يعكس جهداً كبيراً واجتماعات ومفاوضات متواصلة لتحقيق الخطوة الأولى من الحلم.
ويرى الربيعي أن طريق التنمية يمثل نقلة نوعية في خريطة الطرق العالمية، نظراً لموقع العراق الذي طالما كان الممر الرئيس لحركة التجارة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا عبر التاريخ. ويؤكد أن إنجاح المشروع يحتاج إلى رؤية شاملة تربط مصالح دول الجوار والدول الكبرى في مشروع واحد يحقق منفعة مشتركة ويعزز استقرار العراق.
اختصار الزمن
ويعد المشروع، وفق الربيعي، الحجر الأساس في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، إذ سيختصر مدة نقل البضائع بين أوروبا والخليج من 23 يوماً إلى نحو 4 أيام فقط، ما يجعل العراق مركزاً لوجستياً عالمياً.
كما سيشكل ممراً رئيساً لخطوط نقل الطاقة، ولاسيما الغاز الطبيعي المتجه إلى أوروبا، في ظل توقف الإمدادات الروسية وغياب بوادر لاستئنافها.
وأضاف أن المشروع سيسهم في بناء مدن صناعية على امتداد الطريق، بما يسمح بنقل المنتج العراقي إلى الأسواق الأوروبية والخليجية خلال أيام معدودة، ويحقق إيرادات مالية كبيرة من رسوم عبور البضائع والطاقة، قد تصل إلى أربعة مليارات دولار سنوياً، إضافة إلى توفير نحو 100 ألف فرصة عمل للشباب.

