شفقنا العراق-أزمة الزراعة لم تعد مجرد مشكلة موسمية، بل مسار انهيار متسارع تقوده معابر سوداء تغرق السوق بمحاصيل بلا فحص ولا ضوابط، لتسحق أسعار الفلاح وتدفعه خارج أرضه.
لم يعد المزارع العراقي يخسر موسمه الزراعي فقط، بل يخسر مهنته وتاريخه وبيئته الريفية. ومع كل موسم جديد، تتكرر النتيجة ذاتها: أسواق تغرق بمحاصيل مستوردة تشكل اليوم ما يقرب من 70% من منتجات السوق، وأسعار تهبط خلال يوم واحد بنسبة قد تصل إلى 30% نتيجة الإغراق، ومعابر غير قانونية تفتح أبوابها على مصراعيها أمام بضائع لا تمر بالدولة بل تمر بالدولة الموازية.
رئيس لجنة الزراعة والمياه النيابية الأسبق فرات التميمي أكد أن “ما أسماها بـالمعابر السوداء تستحوذ على 50% من العوامل المهددة للقطاع الزراعي في البلاد”.
موضحاً أن هذه المعابر “تسمح بدخول كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية، ما يؤدي إلى إغراق الأسواق المحلية، وانخفاض الأسعار، وتكبيد المزارعين خسائر قد تصل إلى ستين أو سبعين بالمئة”.
نسف استراتيجية الاكتفاء الذاتي
على حدود العراق الشرقية والشمالية معابر غير رسمية تتحكم فيها جهات نافذة، خارج إدارات الدولة. هذه المعابر:
- تستورد محاصيل زراعية دون فحص صحي أو تعرفة جمركية (0 جمرك).
- تدخل كميات مضاعفة لا يمكن للأسواق العراقية استيعابها.
- تطلق موجة إغراق تسقط أسعار الطماطم والبطاطا والحمضيات والبقوليات إلى مستويات لا تغطي كلفة البذور والماء والوقود، ما يؤدي إلى ترك ما بين 30% و35% من المحاصيل دون حصاد في بعض المواسم.
ويمثل هذا ما سماه التميمي “نصف عوامل تهديد الزراعة”، لكنه عملياً هو العامل الأكبر الذي يفكك الاقتصاد الزراعي العراقي ويحوّله إلى اقتصاد استيراد دائم، مع ارتفاع الفارق بين كلفة الإنتاج المحلي والمستورد إلى 3 أضعاف.
حرب الأسعار.. ضربة خفية للمزارع
مصادر زراعية مطلعة كشفت أن “النزول الحاد للأسعار ليس عفوياً، بل جزء من لعبة تدار من خارج مؤسسات الدولة”.
وتشرح المصادر الآلية:
- إغراق السوق بالبضاعة المستوردة الرخيصة.
- رفع كلفة الإنتاج المحلي بواسطة تعطيل دعم البذور والأسمدة والمبيدات.
- شراء المحصول من الفلاح بأسعار متدنية لا تغطي نصف كلفته.
- إجبار المزارع على ترك الأرض أو بيعها أو تحويلها إلى مشاريع سكنية.
وحسب مختصين، فإن هذه السياسة “تخدم مصالح المستوردين الكبار” الذين يحتاجون استمرار السوق فارغة من الإنتاج المحلي، لضمان دوران الاستيراد ودوام أرباحهم.
هجرة المزارعين
الأخطر، وفق مراقبين، أن نسبة من المزارعين غادرت فعلاً الزراعة واتجهت إلى المدن بحثاً عن عمل يومي.
وفي بعض محافظات الجنوب، خصوصاً واسط وذي قار وميسان، انخفضت المساحات المزروعة بالبصل والحنطة والخضروات بنسبة تصل إلى 40% خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وتشير تقارير محلية إلى أن آلاف الدونمات تركت بلا زراعة، ليس بسبب شح المياه فقط، بل بسبب غياب الحماية الحكومية للمنتج المحلي، وسيطرة جماعات اقتصادية تسيّر السوق وفق مصالحها، ما يهدد بدفع ما لا يقل عن 250 ألف مزارع نحو البطالة.
كيف تعمل “الدولة الموازية”؟
الخبراء يحددون ثلاث أدوات أساسية لما يسمى اقتصاد الظل الموازي للدولة:
- السيطرة على المعابر غير الرسمية وهي معابر لا تمر فيها البضاعة بفحوص ولا رسوم دولة، وتحقق أرباحاً مضاعفة للجهات التي تديرها.
- التحكم بالأسعار داخلياً إما برفعها بطريقة تجعل كلفة الإنتاج المحلي غير مجدية، أو بخفضها بطريقة تسحق المزارع.
- حملات إلكترونية لضرب ثقة المواطن بالمنتج المحلي تستخدم غرف إلكترونية لبث شائعات مثل: “الطماطة المحلية مريضة”، “الخيار العراقي فيه آفة”، “الرقي الإيراني أفضل”.
وهذه الشائعات، حتى لو كانت كاذبة، تؤثر فعلياً في مزاج السوق.
تحذير: انتكاسة كبرى تهدد الأمن الغذائي
وقال التميمي إن استمرار هذه الظواهر “سيقود إلى انتكاسات كبيرة في القطاع الزراعي”، مؤكداً أن حماية المنتج الوطني تعني “الحفاظ على نشاط الزراعة ومنع ما لا يقل عن ربع مليون مزارع من الانزلاق نحو الفقر والبطالة”.
كما شدد على أن المعابر السوداء “باتت تمثل خطراً على الأمن الغذائي، وعلى استقرار الأرياف، وعلى مبدأ التوازن المناطقي”.
وشهد العراق خلال 2019–2023 محاولات لرفع إنتاج بعض المحاصيل إلى مستويات الاكتفاء الذاتي، لكن هذه الإنجازات لم تصمد أمام موجة الاستيراد غير المنضبط التي عادت بقوة بعد 2024.
كما سجّلت وزارة الزراعة انخفاضاً كبيراً في عدد المزارعين الفاعلين، وتحوّلت مساحات واسعة من الأراضي إلى مشاريع تجارية وسكنية، ما عمّق الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.
في النهاية، تبدو أزمة الزراعة في العراق أقل ارتباطاً بالمناخ أو المياه، وأكثر ارتباطاً بمن يدير السوق ومن يتحكم بالحدود. فالمعابر السوداء، وحرب الأسعار، والتدخلات الخفية في حركة الاستيراد، تُعيد رسم المشهد الزراعي بطريقة لا تمنح المنتج المحلي أي فرصة عادلة.
وما دام اقتصاد الظل أقوى من أدوات الدولة، سيبقى المزارع الطرف الأضعف في معادلة لا تصنع نمواً ولا تحقق استقراراً.
الحل ليس معقداً: ضبط الحدود، وتوحيد السوق، وإعطاء الفلاح مساحة تنافس متكافئة. وما لم يحدث ذلك، ستظل الزراعة تدور في الحلقة نفسها… إنتاج يتراجع، واستيراد يتوسع، وفلاح يبحث عن مهنة أخرى.

