شفقنا العراق ـــ برزت الدعاية الطائفية بأبهى صورها خلال الانتخابات البرلمانية وتكرست الاصطفافات الطائفية جراء ذلك لترسيخ المحاصصة الطائفية من جديد.
أعادت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق ومحاولات تشكيل حكومة جديدة البلاد إلى خندق الاصطفاف الطائفي والقومي، في مشهد يبدد الآمال التي عقدها الشارع على إمكانية الانتقال نحو مرحلة سياسية أكثر استقراراً وتحرراً من إرث المحاصصة التي رزحت تحت سطوتها البلاد لسنوات مضت.
وكشفت نتائج الانتخابات وما أعقبها من تحركات للقوى الفاعلة بالمشهد العراقي هشاشة البنية السياسية للبلاد، إذ أعادت التموضع التقليدي لتلك القوى، بحيث أصبح تشكيل الحكومة المقبلة مرهوناً بتجديد التحالفات القديمة، ما عده سياسيون ومراقبون “انتكاسة” قد تعيد البلاد إلى نقطة انطلاق ما بعد 2003.
وتبلور هذا الاتجاه بشكل واضح منذ بروز “الإطار التنسيقي” بوصفه المظلة الجامعة للقوى الشيعية، وتصاعد خطابه المبكر خلال الأسابيع التي رافقت الحملة الانتخابية.
مجلس جديد
ومع إعلان النتائج ومن ثم حوارات تشكيل الحكومة ازداد الخطاب حدة، ما دفع القوى السنية إلى إعادة بلورة موقفها عبر “المجلس السياسي الوطني”، في محاولة لترتيب أوراق البيت السني بما يضمن حضوره على طاولة مفاوضات تشكيل الحكومة والرئاسات، ما أعاد بقوة ثلاثية “البيت الشيعي، البيت السني، البيت الكردي”، وهي الصيغة التي حاول العراقيون مراراً تجاوزها لكنها عادت للظهور بقوة مع اقتراب الاستحقاقات الدستورية.
في هذا السياق، برز الحراك الكردي بوصفه الأكثر تعقيداً. فبعد سنوات من الانقسام بين القوى الكردستانية، عاد ملف “توحيد الموقف” إلى الواجهة، مدفوعاً بالتطورات السريعة داخل البيتين الشيعي والسني.
وقد كشف القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي أن رئيس حزب الاتحاد الإسلامي النائب جمال كوجر قدم مشروعاً من ثماني نقاط بهدف إعادة توحيد البيت الكردي، على غرار ما تحقق في البيتين الشيعي والسني.
وأوضح الهركي في تصريح صحافي، أمس الثلاثاء، أن “إعادة تفعيل التحالف الكردستاني أصبحت ضرورة في المرحلة الحالية لتوحيد الموقف الكردي، ليشكل عامل ضغط خلال مفاوضات تشكيل الرئاسات والحكومة الاتحادية المقبلة”.
وأضاف أن “الحوارات المزمع عقدها بين الأحزاب الكردية ستضع في مقدمة أولوياتها مسألة إعادة التحالف الكردستاني، وأن مشروع كوجر سيحظى باهتمام كبير من قادة القوى الكردستانية خلال جولات النقاش المقبلة”.
عودة المحاصصة الطائفية
من جهته، يلفت الناشط في القوى المدنية واثق الخماس، إلى أن “التخندق يعود كلما اقتربت البلاد من لحظة تشكيل الحكومة، لأن التنافس بين القوى يقوم على المكونات وليس على البرامج”.
مشيراً إلى أن “الشارع العراقي كان يعول على أن تفرز الانتخابات طبقة سياسية جديدة تتجاوز الموروث الطائفي، لكن النتائج أظهرت أن التغيير لم يجد طريقه إلى البنية السياسية بعد”.
وأضاف “إلى جانب الأبعاد السياسية لهذه الاصطفافات، وأثرها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، فإن استمرار منطق المحاصصة سيؤدي إلى إبطاء الإصلاحات الضرورية في قطاعات حيوية مثل الاقتصاد والطاقة والخدمات وغير ذلك، لأن كل مكون يسعى إلى تعظيم حصته في الحكومة المقبلة، على حساب صنع رؤية تنموية موحدة، كما يعزز هذا النمط شعور الشارع بفقدان الثقة في العملية السياسية، وهو ما ظهر جلياً في ضعف نسب المشاركة الانتخابية، وفي تزايد الانتقادات الشعبية لخطاب الهوية”.
وقال الباحث في الشأن العراقي أسامة علي إن “الحراك المتوازي بين المكونات الثلاثة عكس بنية سياسية ما زالت أسيرة نموذج المحاصصة، رغم مرور أكثر من عقدين على انطلاق النظام الديمقراطي”.
مضيفا أن “عودة التخندق ليست حدثاً عابراً، بل هي دليل على أن القوى السياسية لم تنجح في بناء هوية وطنية مشتركة”.
وتابع أن “كل طرف يعيد ترتيب صفوفه ضمن مكونه، لأن غياب الثقة يمنع نشوء تحالفات عابرة للهويات الفرعية”.
موضحا أن “تجربة السنوات الماضية أثبتت أن أي طرف يدخل المفاوضات منفرداً يجد نفسه في وضع تفاوضي ضعيف، لذلك تحرص المكونات على إعادة لملمة شتاتها قبل الجلوس إلى طاولة تشكيل الحكومة”.
تجاوز الطائفية السياسية
وأشار الباحث إلى أن “العراق يمتلك قاعدة اجتماعية وشبابية واسعة تجاوزت الانقسامات الطائفية في وعيها اليومي”، لكن “هذه القاعدة لا تزال عاجزة عن فرض حضورها في مراكز القرار بسبب هيمنة القوى التقليدية”.
ويقف العراق اليوم أمام مَفرِقِ طرق يعيد طرح الأسئلة الكبرى التي ظلت معلقة منذ تأسيس النظام الجديد، هل هي دولة مواطنة أم دولة مكونات؟ وهل يمكن للمشهد السياسي أن يتحرر من إرث المحاصصة، أم أن الاصطفاف الطائفي أصبح جزءاً ثابتاً من معادلة الحكم؟
الإجابة، كما يبدو، ستتحدد في ضوء نتائج الحوارات المقبلة داخل المكونات الثلاثة، ومدى قدرة القوى السياسية على إدراك أن استمرار الانقسام لن ينتج سوى حكومات ضعيفة، لن تكون قادرة على مواجهة التحديات المتراكمة أمام البلاد.

