شفقنا العراق-رئيس الوزراء في العراق لم يعد يختار بالعدد بل بالتفاهم، ومع اقتراب إعلان النتائج، يطرح السؤال الكبير: من يمتلك الكلمة الأخيرة؟ الناخب الذي صوّت، أم القوى التي تتفاوض؟ كل المؤشرات توحي أن الجواب لن يأتي من المفوضية، بل من غرفٍ مغلقة تحدد مصير الحكومة المقبلة قبل أن تعلن إرادة الشعب.
مع انتهاء عملية التصويت العام واقتراب ساعة الحسم، تتجه الأنظار مجددًا إلى سؤالٍ يتكرر في كل دورة انتخابية عراقية: من سيشغل منصب رئيس مجلس الوزراء؟ لكن الإجابة هذه المرة، وفق ما يراه المراقبون، لم تعد مرهونة بصناديق الاقتراع، بل باتت أسيرة الغرف المغلقة والتفاهمات السياسية التي تسبق حتى إعلان النتائج الرسمية.
الخبير السياسي سيف السعدي يرى أن العراق فقد بوصلته الانتخابية منذ أن تحولت نتائج التصويت إلى مجرد “أرقام شكلية” لا تصنع التغيير الحقيقي، قائلاً إن “الانتخابات وما تفرزه من نتائج لم تعد وسيلة للتغيير، ولم تعد لغة الأرقام مهمة لتشكيل الحكومة، بل إن التوافقات السياسية هي التي أفقَدت الانتخابات قيمتها وزادت من نسبة المقاطعة”.
ويضيف السعدي أن هذا الواقع “نسف جوهر المادة الخامسة من الدستور التي تنص على أن السيادة للقانون وأن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها”، موضحًا أن “الأوزان السياسية صارت تتغلب على الأوزان الصوتية في تشكيل الحكومة”.
حديث السعدي يظهر مزاجًا عامًا يسود الشارع العراقي، حيث يشعر المواطن أن شكل الحكومة المقبلة تحدده مصالح القوى المهيمنة لا صناديق الاقتراع.
هذا الشعور بالإحباط ترسّخ خلال الدورات السابقة، حين تكرّر مشهد المساومات والتفاهمات التي تلغي النتائج الرقمية وتستبدلها بالصفقات السياسية.
الجدل السياسي
في هذا السياق، برزت تصريحات نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، لتضيف طبقة جديدة من الجدل السياسي حول هوية رئيس الوزراء المقبل. المالكي، الذي شغل المنصب لولايتين سابقتين، قال إن “المرشح لرئاسة الوزراء لا يرتبط بمقدار الفوز في الانتخابات”، في إشارة صريحة إلى أن معيار الفوز العددي لم يعد أساسًا في اختيار رئيس الحكومة.
وأشار أيضًا إلى احتمال “تكرار سيناريو الثلث المعطل” الذي شكّل في انتخابات 2021 عقدة سياسية أطالت أمد تشكيل الحكومة لأشهر.
ويفهم من حديث المالكي أن الإطار التنسيقي ما يزال يتمسك بخيار “البيت الشيعي الموحد”، وهو ما يعني أن أي حكومة مقبلة ستتحدد ملامحها داخل الإطار لا عبر خارطة المقاعد الانتخابية.
ويرى محللون أن هذا الواقع يعيد العراق إلى مربع “الديمقراطية التوافقية”، التي حوّلت التداول السلمي للسلطة إلى عملية مغلقة تدار عبر تفاهمات لا تخضع لإرادة الناخبين.
فبينما تتراجع نسب المشاركة وتتسع فجوة الثقة، تتكرس معادلة أن “من يحكم العراق لا ينتخب بل يتفق عليه”، وهو ما يجعل المشهد المقبل مرهونًا بالتوازنات لا بالأصوات، وبالتحالفات لا بالبرامج الانتخابية.

